الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "المنهل"

* دراسات ادبية*, مع الشاعر المهرى إيليا ابي ماضي, ((الحلقة الرابعة × ))

Share

جولة مجملة فى شعر ابى ماض وخصائصه

لأبى ماضى شعر عذب سلس يهز أوتار القلوب ويتلاعب بالعواطف وهذا هو الشعر :

اذا الشعر لم يهززك عند سماعه

فليس خليقا ان يقال له شعر

فالشعر ما هز الشعور وجعل القارئ يرافقه بلاملل . . وبمعنى آخر هو ما خلب اللب واستثار الوجدان وحلق فى الأجواء بعيدا بعيدا فى خيال جامح ولفظ وعبارة سليمة .

والشعراء كما قال الشاعر أربعة :

الشعراء فاعلمن أربعه

فشاعر يجرى ولا يجرى معه

وشاعر يخوض وسط المعمعه

وشاعر لا تشتهى ان تسمعه

وشاعر لا تستحى ان تصفعه

فإذا سألنا عن ايليا من أيهم هو ؟أتى لجواب بأنه الذى يجرى ولا يجرى معه فهو انسانى النزعة يبتسم والسهام والأوصاب قد أنشبت مخالبها فيه . ويغنى

الانسانية ولولاها ما قال بيتا ولا وقع لحنا

يا رفيقى انا لولا انت ما وقعت لحنا

كنت فى سرى لما كنت وحدى أتغنى

ربما كنت غنيا غير أنى بك أغنى

فالشعرعنده ليس تقطيعا ووزنا ومعنى وانما هو أكثر من ذلك انه التسرب والتغلغل الى مسارب الانفس ومعالجة خفاياها وقضاياها انه فى رسم ألواحها بالكلمات المرهفة والذوبان فى أسرارها الصادقة ورسالة الشاعر عظيمة تتعدى الاوزان والمعانى الى خضم الحياة :

ليست منى ان حسبت الشعر الفاظا ووزنا

خالفت دربك دربى وانقضى ما كان منا

فانطلق عني لئلا تقتنى هما وحزنا

واتخذ غيرى رفيقا وسوى دنياى دنيا

هذا هو مذهبه فى الشعر وهو مذهب جليل رفيع لا يعرفه الا ايليا والقليل من اضرابه . وحتى نبرز الصورة أكثر وضوحا نمر على الموكب العلوى فنقرأ (( اليتيم )) وكثيرون هم الذين أنوا مع اليتيم ومنهم الرصافى وغير الرصافى وان اختلفت النظرات والانات .

أما ايليا فان له نظرات ثاقبة فهؤلاء ليسوا يتامى وانما :

خبروني ماذا رأيتم ؟ أأطفا

لا يتامى أم موكبا علويا ؟

كزهور الربيع عرفا ذكيا

ونجوم الربيع نورا سنيا

والفراشات وثبة وسكونا

والعصافير بل ألذ نجيا

اننى كلما تأملت طفلا

خلت انى ارى ملاكا سويا

قل لمن يبصر الضباب كثيفا

ان تحت الضباب فجرا نقيا

فى هذا الموكب العلوى والملائكة المجنح والزهر الزكى ، والنور السنى ليس بالشئ الزرى لو يعلم الناس ومن أين لهم ان يعلموا ؟

انه غرسة ستطلع غدا يانع الثمر فربما أودع الله فى هذا اليتيم المزدرى سرا وربما كان شاعرا او فيلسوفا تتنزل عليه بنات الوحى والالهام ، وربما كان مصلحا تقيا وفقا سريا ، فلماذا يا من تبصر الضباب الكثيف لا تنفذ إلى ما وراء الضباب فتبصر الفجر ضاحكا نقيا ! ؟

فاليتيم الذي يلوح زريا

ليس شيئا لو تعلمون زريا

انه غرسة ستطلع يوما

ثمرا طيبا وزهرا جنيا

ربما كان أودع الله فيه

فيلسوفا او شاعرا او نبيا

لم يكن كل عبقرى يتيما

انما كان كاليتيم صبيا

ومن حق هذا الصبى ان يعيش عيشة هانئة مخرفجة تنسيه موت الاب وفقدان الام فهو غر لا يدرى ولكنه سوف يدرى ان رب الايتام ما زال حيا فاذا مات أبواه ومضى الحمام بهما فلم يمت الشعور فى . وفيك والشقاء الذي يولد الخير هو الخير:

ان يك الموت قد مضى بأبيه

ما مضى بالشعور فيك وفيا

وشقا ولد الرفق فينا

لهو الخير بالشقاء تزيا

ليس يدرى لكنه سوف يدرى

ان رب الايتام ما زال حيا

فاعينوه كى يعيش وينمو

ناعم البال فى الحياة رضيا

وليس الشقاء هو البؤس ومن الممكن الا يكون بعض المجرمين مجرمين لو أدركتهم يد الرحمة والعطف والحنان فعلى الامة أية امة ان تحارب الفقر والبؤس والمرض قبل ان يستبد بضحاياه ويستفحل الداء ويعز الدواء :

رب ذهن مثل النهار منير

صار بالبؤس كالظلام دجيا

كم أثيم فى السجن لو ادركته

رحمة الله كان حرا سريا

حاربوا البؤس فى الصغار صغيرا

قبل ان يستبد فيهم قويا

فهذه نظرة انسانية ودعوة خيرة لا تخرج الا من مصلح اجتماعى كبير فذ كايليا أبى ماضى . وهذا هو غريد المهجر يصور فى فلسفة رمزية تلك (( التينة الحمقاء)) التى تبخل بالجمال والخير على الآخرين وهكذا بعض الانانيين وهم الذين هدف اليهم ايليا لا يحبون الخير الا لأنفسهم الشريرة اللئيمة . . ((إذا مت ظمأنا فلا نزل القطر)) وكثيرون هم الذين أحمق من التينة الحمقاء التى اجرى ايليا الحديث بلسانها ليبين خستها ودناءتها ((واياك اعنى وافهمى يا جارة )) :

وتينة غضة الافنان باسقة

قالت لاترابها والصيف يحتضر

بئس القضاء الذى فى الارض اوجدنى

عندى الجمال وغيرى عنده النظر

لاحبسن على نفسى عوارفها

فلا يبين لها فى غيرها أثر

كم ذا أكلف نفسى فوق طاقتها

وليس لى بل لغيرى الفئ والثمر

لذى الجناح وذى الاظفار بى وطر

وليس فى العيش لى فيما أرى وطر

انى مفصلة ظلى على جسدى

فلا يكون به طول ولا قصر

ولست مثمرة الا على ثقة

اذ ليس يطرقنى طير ولا بشر

منتهى الحمق والانانية عند بعض الناس الحمقى الذين هم أس الشقاء ومصدر البلاء فى كل المجتمعات الذين يحبسون عوارفهم عن غيرهم بل لا يكفى هذا وانما يأخذون ولا يعطون ويسيئون ولا يحسنون وقد مثلتهم بلسان حالها هذه التينة بقولها:

اني مفصلة ظلى على جسدى

فلا يكون به طول ولا قصر

ولست مثمرة الا على ثقة

اذ ليس يطرقنى طير ولا بشر

وماذا كانت النتيجة لها ؟

لقد أتى الربيع وازينت الاشجار وظلت هذه الحمقى الخبيثة عارية لم تثمر حتى لا ينال أحد بعض ثمرها فانسدت نفس صاحب البستان من رؤيتها فهوى عليها بفأسه واجتثها وجعلها وقودا لناره وهذه عاقبة كل من لا يبض له حجر ولا تندى بالخير له يمين فانه ينتحر بحرصه وتقتيره.

عاد الربيع الى الدنيا بموكبه

فازينت واكتست بالسندس الشجر

وظلت النينة الحمقاء عارية

كانها وتد فى الارض او حجر

ولم يطق صاحب البستان رؤيتها

فاجتثها فهوت فى النار تستعر

والنتيجة ان :

الناس للناس من بدو وحاضرة

بعض لبعض وان لم يشعروا خدم

وان ((خير الناس أنفعهم للناس )) وما أروع بيت أبى العلاء المعرى (( رهين المحبسين)) الذي يمثل اسمى معانى الانسانية والذوبان فى خير المجموع الا وهو :

فلا هطلت على ولا بأرض

سحائب ليس تنتظم البلادا

وما أروع قول الآخر :

اقسم جسمى فى جسوم كثيرة .

واحسو قراح الماء والماء بارد

وهذا ما أوجزه ايليا فى :

من ليس يسخو بما تسخو الحياة به

فانه احمق بالحرص ينتحر

هذا هو ايليا نسيج وحده ، هذا هو المصلح الاجتماعى والفيلسوف والحكيم .

و (( لا يأخذك العجب والطرب فى شاعرية ايليا او يرعك منه وصفه وعاطفته ووجدانه وخياله ، فحسب . . انه فوق ذلك فيلسوف وحكيم عظيم )) .

و(( للشاعر ايليا ابى ماضى طريقة يكاد يكون نسيج وحده فيها ، فهو لا يلتزم الخيال المجرد من الذهن كالعدد الكبير من شعرنا فى المهجر ، و لا يحجر فكره فى الوصفيات الذهنية كما هو شأن البعض من شعراء سورية ولبنان  فى  بعيد

عن هؤلاء وأولئك . . وهو مى كل ما يكتب - إذا استثنينا بعض قصائده وبعض الطلاسم منها - يصل ياقوتة الشاعرية بلؤلؤة الحقيقة . . ولا يغرب عنا ان الشاعر أبا ماضى يرمى فى شعره الى هدف ، فهو فى المجتمع مصلح صارم ( ١ ) . .)) -

وفي ختام هذه الحلقة نهدى لانفسنا ما أهدى اليه من جورج سلستى عندما رفع الى شاعر الجمال قصيدته :

ايها الشاعر الرقيق سلاما

كنسيم الصبا ونفح الورود

كنت انعى الجمود فى الشعر لولا

نفثات في الفكر او في القصيد

أنت روضت جامحات القوافى

والمعانى الحسان بعد الصدود

حلقت نفسك الرقيقة فى الجو

وجاءت بالرائع المنشود

أيها الشاعر الرقيق فدتك الر

وح من شاعر مجيد فريد ( ٢ )

وحقا انه شاعر مجيد فريد تربع على قمة مملكة الفريض مع أضراب له قلائل ، فى وقت قل فيه المجيد .

- وللبحث صلة -

اشترك في نشرتنا البريدية