الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

دراسات ادبيرا سلامية، اثر الإسلام في شعرذي الرمة

Share

يعد شعر ذى الرمة فريدا فى عصره وبعد عصره بزمن طويل ، فى الملكة الفنية ، والتأثر بمفاتن الطبيعة واختيار صور ناطقة فياضة بالمعاني والاحاسيس مع استكمال عناصر الشعر الجيد ، التى تكمن في التعبير عن الشعور الصادق ، وهو فى شعره سابق لعصره فيما أرى فقد أخلص لفنه أيما اخلاص ، واستطاع أن ينتزع الخلود في صفحة فحول الشعراء ، فنال اعجاب النقاد والباحثين ، قدمائهم والمحدثين على الرغم من النظرة السائدة فى عصره ، التى كانت تنظر لامثاله ممن لم يشترك في المديح المداجى ، والهجاء المقذع ، نظرة فيها الكثير من الازدراء ، وعلى الرغم من وجود الشعراء الثلاثة : جرير والفرزدق والاخطل الذين طغى ذكرهم على كثير من الشعراء

وثمة جانب من جوانب ذى الرمة تنبه اليه الدكتور شوقي ضيف في كتابه " التطور والتجديد " سماه الرابطة " وهو يعنى بذلك نظرة الشاعر الى الكون نظرة شاملة تربط بين اجزائه بالعلاقات والروابط التى تصل بعضه بالبعض الآخر

لتكون منه وحدة شاملة ، وقد أثر فى وضوح هذه النظرة لدى الشاعر - الدين الاسلامي ، وتعاليمه المليئة بالعطاء العقلي الخصب .

وذو الرمة يولى فنه الشعرى جانبا من اهتمامه وجهوده الفنية لتقويم المعوج واصلاح الفاسد ، ويتعاهده بتقويم المعانى وتهذيب الالفاظ منجنبا في ذلك العيوب الفنية متحملا في سبيل ذلك الارق والسهر دون أن يحتذى مثالا او أن يعمد الى تقليد غيره ، معبرا فى ذلك عن عاطفته دون ان يلجأ إلى التصنع . يقول :

وشعر قد ارقت له غريب

اجنبه المساند والممالا

فبت ، قيمه واقد منه

قوافي لا اعد لها مثالا

غرائب قد عرفن بكل افق

من الآفاق تفتعل افتعالا

عاش ذو الرمة فى لعصر الاموي بعد ان تغلغل فى قلوب العرب ، وامتزج بنفوسهم . وبعد ان تجاوزهم الى الامم الاخرى من فرس وروم ، ووصل الى أراضى الهند والصين وبعد أن دخل الناس في دين الله أفواجا .

وكان يقوم في ذلك الحين الكثير من المناقشات العلمية في الامور الفقهية وشؤون العقيدة بين علماء العصر من امثال الحسن البصرى وغيره .

هذه المناقشات حين نضيف اليها اقتناع الشاعر بالدين الجديد وتأثره به اثرت في

شعوره ، فجرى ذلك التأثر فى كاف الفنون الشعرية التى تناولها . فى هجائه لهشام المرئى وقومه

الا لعن الاله بذات غسل

ومراة ما حدا الليل النهارا

نساء بني امرئ القيس اللواتي

كسون وجوههم حمما وقل

اضعن مواقت الصلوات عمدا

وحالفن المشاعر والجرارا

فهو يهجو نساءهم بترك الصلاة عمدا وتارك الصلاة عمدا يحكم بكفره لاضاعته فرضا معلوما انه ركن من الدين بالضرورة

ويقول فيهم فى موضع آخر :

زرق العيون إذا جاورتهم سرقوا

ما يسرق العبد اوناياتهم كذبوا

وزرقة العيون أمر مستقبح لدى العربي الاول لارتباطه بالاعلاج والزواقيل من بني الحمراء - الروم - والهجناء ، وهو يرتبط لديهم بسجية البخل

وللبخيل على اهواله علل

زرق العيون عليها اوجه سود

وقد وصمهم بالسرقة والكذب اللذين حاربتهما الاديان وحاربهما فلاسفة الاخلاق فى مختلف العصور .

وحين يمدح كان يضفى على ممدوحه الصفات المحمودة المثالية التي دعا اليها الاسلام من تقوى وورع وايمان . فمن ذلك قوله يمدح الملازم بن حريث الحنفي :

صدوع بحكم الله فى كل شبهة

ترى الناس في الباسها كالبهانم

كما يرى فى شعره الذي يصف فيه صحراء ، الكثير من الدلالات الاشارية إلى ض الواجبات الدينية كالتيم وقصد صلاة

ومما نسب اليه هذان البيتان :

تعصى الاله وانت تظهر حبه

هذا محال في القياس بديع

لو كان حبك صادقا لأطعته

ان المحب لمن يحب مطيع

ونحن نشتم فيهما آثار الوضع . واكبر ن أنهما وضعا في العصر العباسي ، عضر انتشار الفلسفة ، وذلك لما نلمح فيهما من قيسة الاستدلالية . والتي هي من آثار المنطق وعلم الكلام .

وهو يحلف بالله . فهو ليس كغيره من فى الشعراء الذين بقيت على السنتهم بعض التعايبر الجاهلية من اليمين . فقد فيهم من يحلف باللات والعزى وغيرهما ،

اما ذو الرمة فهو يحلف بالله وصفاته . من هذا قوله :

فقلت لا والمبدئ المعيد

الله اهل الحمد والتمجيد

ما دون وقت الاجل المعدود

معود رب صادق الوعود

هل اغدون في عيشة رغيد

والله ادنى لي من الوريد

والموت يلقي انفس الشهود

يحلف بالله المبدئ المعيد . أهل الحمد والتمجيد . مؤكدا أن الاجل آت لا مرد له . وان القضاء نافذ . فهو موعود الله الصادق وعده . والذى لا معقب لحكمه . ويلاحظ في البيت الاخير تأثره بالآية الكريمة :

" ولقد خلقنا الانسان ونعلم ما نوسوس به نفسه ونحن اقرب اليه من حبل الوريد "

والابيات بصفة عامة تصور لنا الايمان العميق الذي ينطوى عليه قلب شاعرنا ،

ولا يفوت ذا الرمة ملاحظة النفاق المتفشي فى عصره ، ذلك النفاق الذى يصدر ممن لا ينتظر صدوره منهم . كما لا يفوته أن يسجل تلك الملاحظة . وليت شعري ماذا كان سيقول لو قدر له شهود النفاق الحديث .

أما النبيذ فلا يذعرك شاربه

واحفظ ثيابك ممن يشرب الماء

ذوم . رون عما فى نفوسهم

حتى إذا استمكنوا كانوا هم الداء

مثمرين الى انصاف سوقهم

هم اللصوص وهم يدعون قراء

فهو يحذر من الاعترار بهم والانخداع بمظاهرهم . .

وفي حياة ذى الرمة اشارات تنبئ عن تصاله بالكوفة والبصرة ، وتأثره بالآراء والمنافسات الجدلية التى كانت تجرى فى نينك المدينتين . لا سيما تأثره بالقدريين وقد يستدل من ينسب ذا الرمة الى القدرية بقوله :

وعينان قال الله كونا فكانتا

فعولين بالالباب ما تفعل الخمر

ففي الاغاني عن عنبسة النحوى قال : قلت لذى الرمة وسمعته ينشد :

وعينان . . فعولين . . فقلت له : فهلا قلت : فعولان ؟ قال : لو قلت : سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر لكان خيرا لك !

ويقول

الا ايهذا الباخع الوجد نفسه

بشئ نحته عن يديه المقادر

فكائن ترى من شدة فى كريهة

ومن غية تلقي عليها الشراشر

تشابه اعناق الامور وتلتوى

مشاريط ما الاوراد عنه مصادر

وكان ذو الرمة يمدح لا يبالغ أو يغالي فى مديحه شأن بعض الشعراء فى عصره ، فهو فى هذه المواقف ينزع بالوازع الديني الذي يطالبه بالقصد والاعتدال فيقيد تعابيره بغير قليل من الحذر والتحرز والاحتراس ، ففي مديحه لبلال بن أبي

بردة يقول :

اخا وصله زين الكريم وفضله

يجيرك - بعدالله - من تلف الدهر

وهو منهج اختطه لنفسه في المديح والهجاء فنراه يقول في معرض كلامه عن شعره :

فلم اقذف لمؤمنة حصان

بحمد الله موجبة عضالا

ولست بمادح ابدا لئيما

بشعري ان يكون افاد مالا

ويحلف بالله الذي حج الملبون ببيته فيقول :

اما والذي حج الملبون بيته

شلالا ومولى كل باق وهالك

ورب القلاص الخوص تدمى انوفها

بنخلة والساعين حول المناسك

والأمثلة كثيرة على هذه النزعة الدينية المنبثقة من أعماق نفس ذي الرهة ونكتفى بما تقدم منها للاشارة والتدليل لا للحصر والاستقصاء .

الطائف

اشترك في نشرتنا البريدية