الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

دراسات اسلامية، المستويات الذهنية واقسام الشريعة، حسب ابن رشد، (2)

Share

لقد رأينا فى العدد الخامس ( فيفرى 1970 ) من هذه المجلة الاسباب التى حملت ابن رشد على التوفيق بين العقل والشريعة وكيف اهتدى الى ذلك الحجر الفلسفى الاساسى (أعنى الى ذلك الحد الذى بمقتضاه يكون (( فعل الفلسفة ليس شيئا اكثر من النظر فى الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع )) ) وقلنا ان تحديد الفلسفة على هذا النحو كفيل وحده أن ييسر مشكل التوفيق بين العقل والنقل كما انه يتطلب من كل متأول مجتهد معرفة الاقيسة البرهانية والعلوم المنطقية بصفة عامة - وبقى لنا الآن أن نعلم من سيختص بدراسة الفلسفة وهل جميع الناس مطالبون بمعرفة المناهج البرهانية والعلوم المنطقية - لا شك أن الخوض فى هذه الامور لا يجوز لجميع الناس - فما دامت استعداداتهم الطبيعية متفاوتة تفاوت مستوياتهم الذهنية فانه يتحتم على كل صنف منهم أن يتبع الطريقة التى تلائم فطرته حتى يصل من خلالها الى معرفة أمور الشريعة - ويبدو ان الناس على ثلاث درجات باعتبار ذكائهم وقواهم العقلية فمنهم أهل البرهان أى الفلاسفة الذين لا يقرون الا بالادلة الدامغة القوية ويتدرجون الى المعرفة بالاستنتاجات المنطقية المنسقة ومنهم اهل الجدل الذين تشفيهم الحجج المرجحة - واما الصنف الثالث من البشر وهو الجمهور الذى تحركه البراهين الخطابية والأساليب الشعرية التى تنفذ الى مخيلته وتؤثر فيها شديد التأثير - والقرآن - وذاك ما يدل على اعجازه - يخاطب هذه الاصناف البشرية جميعا (( لما كانت شريعتنا هذه الالهية قد دعت الناس من هذه الطرق الثلاث عم التصديق بها كل انسان ، الا من جحدها عنادا بلسانه ، أو لم تتقرر عنده طرق الدعاء فيها الى الله تعالى لاغفاله ذلك من نفسه - ولذلك خص عليه السلام بالبعث الى الاحمر والاسود ، أعنى لتضمن شريعته طرق الدعاء الى الله تعالى ، وذلك صريح فى قوله تعالى : (( ادع الى

سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هي احسن ))  (1) ثم ان كانت هذه الشريعة الاسلامية حقا وان كانت تحث على النظر البرهانى المفضى الى معرفة الله الحق فضرورى ألا تعاكس الطريقة البرهانية تعاليم العقيدة وألا تصد عن الدين (( فان الحق لا يضاد الحق ، بل يوافقه ويشهد له )) (2) ولكن الاشياء ليست بينة جلية كما نظن ! فلو تصفحنا القرآن ونظرنا فى اياته وجدنا انفسنا امام التباسات وتناقضات يعسر حلها بالطريقة البرهانية فنقف وتتملكنا الحيرة ولسنا ندرى هل سنضحى بالايمان ونتمسك بالعقلانية أم سنلقي بأنفسنا فيه وننصرف عن العقل وقد تتفاقم حيرتنا فها نحن شكاكون فلا الشريعة ولا الفلسفة تستطيعان أن تنقذاننا من المازق ونظل بدون جدوى نبحث عن الحقيقة وعن التعقل !

لكن ابن رشد لما فطن الى هذه الشكوك المعتاصة التى قد تؤدينا الى الحكم عل الشريعة أو على الفلسفة ولما كان مقتنعا باتصالهما اتصالا جذريا ، وضع طريقة عقلانية للتأويل الرمزي لاستخدامها كلما واجه العقل نصوصا شرعية ملتبسة المعنى عسيرة الفهم .

وهكذا تبدد الشكوك وتبدو الحقيقة الباطنة والمعانى الدقيقة التى رمز اليها الشارع (( ونحن نقطع قطعا ان كل ما أدى اليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع ان ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربى (3) وهذه القضية لا يشك فيها مسلم ولا يرتاب بها مؤمن )) (4) ولقد عرف ابن رشد لنا هذا التأويل الذي من شأنه أن يضمن موافقة الحكمة للشريعة فقال (( ومعنى التأويل هو اخراج دلالة اللفظة من الدلالة المجازية الى الدلالة الحقيقية من غير ان يخل فى ذلك بعبارة لسان العرب في التجوز من تسمية الشئ بشبهه أو بسببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من الاشياء التى عددت فى

تعريف اصناف الكلام المجازي . (5) وبهذه الصفة يكون ابن رشد قد سلك ما سلكه الفقهاء في كثير من أحكامهم الشرعية وبرر بطريقة التأويل الرمزى واستعمال البراهين اليقينية - وكأن سلطان الفقهاء وركونه اليه لم يكن حسب فيلسوفنا كافيا - اذ هو الا سلطان انسانى محدود مقيد بالنهائي الانسانية ( finitude humaine ) فأراد ابن رشد أن يركز محاولته التأويلية ويؤصلها بقول الا هى صريح (( هو الذى انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات - فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله الا الله والراسخون فى العلم )) (6) - ٠

ولقائل أن يقول لماذا لم يأت القرآن واضحا كل الوضوح ولماذا جاءت فيه آيات متشابهات توهم التناقض واللامنطقية اذا امعنا النظر ونظرنا فيها عن كثب ؟ ان لابن رشد جوابا فى هذا المضمار . فهو يقول ان تضمن الوحي الرموز والمتشابه وأوهم بالجسمية وجعل للالاه أحاسيس ومشاعر انسانية . anthropopo thiques   فليتمكن البرهانيون من تأويله لادراك الحقيقة الباطنة ولتمكث العامة ملازمة لظاهره ان ليس فى مقدورها فهم المعقولات ولا الارتقاء الى ما هياتها - (7) وما دامت الشريعة ترمي الى تقويم أخلاق العامة واصلاح حال الجمهور فمن الطبيعي أن تراعى مستواه الذهنى وتخاطب مخيلاته بدلا من عقله (( مثل ما روى البخارى عن على رضى الله عنه انه قال حدثوا الناس بما يعرفون - أتريدون أن يكذب الله ورسوله )) (8)ولذلك ((فالاشياء التى لخفائها لا تعلم الا بالبرهان فقد تلطف الله فيها لعبادة الذين لا سبيل لهم فى البرهان أما من قبل فطرهم واما من قبل عاداتهم واما من قبل عدمهم اسباب التعلم بأن ضرب لهم امثالها واشباهها ودعاهم الى التصديق بتلك

الامثال اذ كانت تلك الامثال يمكن أن يقع التصديق بها بالادلة المشتركة للجميع أعنى الجدلية والخطابية . وهذا هو السبب فى أن انقسم الشرع الى ظاهر وباطن . فان الظاهر هو تلك المعانى التى لا تتجلى الا لاهل البرهان )) (9) . اذن بتحتم على كل صنف بشرى أن لا يتجاوز المستوى الذهنى الذى يخصه وعلى العامة أن تبقى وفيية الى ظاهر الشريعة والى ما تضمنه من معان جسمانية ومن متشابهات مادامت هذه لا تصادم الافكار البسيطة التى ظلت على سذاجتها الفطرية . ولكن تلك المتناقضات وتلك الصعوبات الكامنة فى الشريعة كلم تجلت للراسخين فى العلم ألزمتهم حلها بوسيلة التأويل العقلانى فينفذون من وراء ظاهراتها المادية الى روح الشريعة غير انه يتحتم عليهم أن يتحاشوا مع ذلك كله الشطط والغلو فى التأويل وأن يلتزموا ويتقيدوا بالظاهر فيما يتعلق ببعض العقائد الاساسية الواضحة (( مثل الاقرار بالله تبارك وتعالى وبالنبوات وبالسعادة الاخروية والشقاء الاخروى - وذلك ان هذه الاصول الثلاثة تؤدى اليها اصناف الدلائل الثلاثة التى لا يعرى أحد من الناس عن وقوع التصديق له من قبلها بالذى كلف معرفته ، أعني الدلائل الخطابية والجدلية والبرهانية فالجاحد لامثال هذه الاشياء اذا كانت اصلا من أصول الشرع كافر معاند بلسانه دون قلبه أو بغفلته عن التعرض الى معرفة دليلها )) (11)- (10)

ان فكرة ابن رشد الجوهرية التى تستخلص من تحليلنا تتلخص فيما يلى ان على كل انسان فهم الشريعة حسب ما يؤديه فهمه ومستواه الذهنى لها ، ثم كلما نجم خلاف بين المعنى الظاهر والمقتضيات العقلانية ، لزم التأويل فيرفع الخلاف وتحصل الموافقة بين العقل والنقل - ويتأتى عن هذا المبدأ نتيجتان .

1- يحجر على كل فكر أن يتجاوز حد التأويل المناسب لمستواه الذهنى .

2- بحجر التصريح بالتأويلات التى تهم الخاصة الى المستويات الذهنية البسيطة - فالخطأ الذي وقع فيه كثير من رجال العلم يتمثل فى عدم مراعاتها لمستويات العامة الذهنية اذ قدموا اليها التعاليم الفلسفية الباطنة المعدة للخاصة  esoteriques  وتوخوا فى ذلك طرقا أزدوج فيها الجدل بالخطابة والخطابة بالبرهان فنتجت عن هذا الخلط والمزج بدع مضلة وتكاثرت الفرق الكلامية والاضطهادات الدينية . لقد اذن الوقت الآن لان نقيم الحد بين الطبقات الذهنية ونفرق بين التعاليم الثلاثة ونخصص التأويل لاهله وبهذه الصفة نكون قد وضعنا الفلسفة فى اعلى درجات السلم لمكان انها تمثل المعرفة الحق والحقيقة المطلقة ، ثم يليها علم الكلام بما يتضمنه من تأويلات جدلية ومن احتمالات عقلية ، وفي آخر درجات السلم تكون الشريعة برموزها واستعاراتها وهكذا تتسلسل وتترتب بكامل النظام ثلاثة مستويات عقلية لفهم حقيقة واحدة تكتسب فى آن واحد معنى ظاهريا ومعنى باطنيا .

ثم اذا كان التأويل مسموحا به ومخصصا للبرهانيين فحسب فلا ينبغي أن يكون اتفاقيا ولا أن تقدم نتائجه سوية الى كل الطبقات الفكرية . لقد وضع ابن رشد للتأويل الرمزى طريقة كفيلة بأن توفق بين الدين والفلسفة إذا ما راعت بعض القوانين وخضعت لبعض المقضيات - ففى آخر كتابه المعروف (( بالكشف عن مناهج الادلة فى عقائد الملة وتعريف ما وقع فيها بحسب التأويل من الشبه المزيغة والبدع المضلة )) يعرض علينا قانونا للتأويل مقتديا فى ذلك بمن سبقه فى نفس القضية ، مبينا لنا ما يصح تأويله وما لا يصح وان صح فلأى طبقة فكرية يجب التصريح به - ان الشريعة تحتوى حسب فيلسوف قرطبة على خمسة اقسام ذات معان مختلفة .

1- يحتوى القسم الاول على كل المعانى التى اذا أخذناها على ظاهرها نكون  قد فهمنا مقصد الشريعة الحقيقي فلذلك جميع الناس مطالبون بالتمسك بظاهرها بدون أى تأويل .

2 - اما القسم الثانى فانه يشمل تلكم المعانى التى ليست ظاهريتها حقيقة الشريعة بل هى لها كدليل أو كرمز يرمى الى معنى معقول - فلو التمسنا حله والوقوف على كنهه بنظرة خاطفة لكان سعينا عبثا غير أن محاولتنا توفق اذا ما اعتمدنا سلسلة من الاقيسة المركبة - فمن الضرورى اذا أن يقوم العلماء وحدهم بتأويل هذه المعانى والبحث عن معقولاتها وأن لا يصرحوا بنتائج اعمالهم الا لمن كان فى منزلتهم ومكانتهم العلمية .

3 - ويحتوى القسم الثالث من الشريعة على معان يعسر التنبه الى رمزيتها فمن الجدير اذا أن تؤول تلك المعانى وأن يصرح بها الى جميع الطبقات الذهنية .

4 - ويقوم القسم الرابع على معان رمزية ترمي الى معقولات - أما رمزيتها فانها تنكشف مباشرة أو بعلم قريب واما المعقولات التى ترمي اليها ، فلكى يتسنى ادراكها فانها تتطلب استنتجات مركبة معتاصة تذهب على العامة - ففى هذا الشأن يضرب لنا ابن رشد مثلا ويأتى بهذا الحديث (( الحجر الاسود يمين الله فى الارض )) فان كان من اليسير التنبه الى رمزيته ، حسب فيلسوف قرطبة ، فالامر ليس هينا لو تطلعنا إلى المعقول الذى يرمز اليه الحديث بل لا بد من براهين عديدة لبلوغ الغاية . فلذلك كله يبقى تأويل هذه المعانى وتفهم جواهرها مقتصرا على رجال العلم الراسخين فيه (( فان الواجب فى هذا الا يتأوله الا الخواص من العلماء ويقال للذين شعروا انه مثال ولم يكونوا من اهل العلم لماذا هو مثال : اما انه من المتشابه الذى يعلمه العلماء الراسخون فى العل واما أن ينقل التمثل فيه لهم الى ما هو أقرب من معارفهم انه مثال - وهذا كأنه أولى من جهة ازالة الشبهة التى فى النفس من ذلك - والقانون فى هذا النظر هو ما سلكه ابو حامد فى كتابه التفرقة - وذلك بأن يعرف هذا الصنف أن الشئ الواحد بعينه له وجودات خمس الوجود الذى يسميه ابو حامد : الذاتى ، والحسى والخيالى ، والعقلى والشبهى - فاذا وقعت المسألة نظر أى هذه الوجودات الاربعة هي أقنع عند الصنف الذى استحال عندهم أن يكون الذي عنى به هو الوجود الذاتى اعنى الذى هو خارج فينزل لهم هذا التمثيل على ذلك الوجود الاغلب فى ظنهم امكان وجوده . وفى هذا النحو يدخل قوله عليه السلام (( ما من شئ لم أره الا وقد رأيته فى مقامى هذا حتى الجنة والنار )) وقوله (( بين حوضى ومنبرى روضة من رياض الجنة ومنبرى على حوضى )) وقوله (( كل ابن آدم يأكله التراب الا عجب الذنب )) فان هذه كلها تدرك بعلم قريب انها امثال وليس يدرك لماذا هي امثال الا بعلم بعيد . فيجب فى هذا أن ينزل للصنف الذين شعروا بهذا من الناس على أقرب تلك الوجودات الاربعة شبها - فهذا النحو من التأويل اذا استعمل فى هذه المواضع وعلى هذا  الوجه ساغ فى الشريعة . واما إذا استعمل فى غير هذه المواضع فهو خطأ )) (12) .

5 - وأما القسم الخامس والاخير فيضم تلك المعانى التى يعسر التنبه الى رمزيتها ولكنه سرعان ما تتضح وتتجلى مفاهيمها ومقاصدها اذا ما ثبتت

صفتها الرمزية (( ففي تأويل هذا ايضا نظر أعنى عند الصنف الذين يدركون انه ان كان مثالا فلماذا هو وليس يدركون انه مثال الا بشبهة وأمر مقنع اذا ليسوا من العلماء الراسخين فى العلم فيحتمل أن يقال ان الاحفظ بالشرع ألا تتأول هذه ، وتبطل عند هؤلاء الامور التى ظنوا من قبلها أن ذلك القول مثال وهو أولى . ويحتمل أيضا أن يطلق لهم التأويل لقوة الشبه الذى بين ذلك الشئ وذلك الممثل به )) (13)

وقد لفت ابن رشد نظرنا الى معانى القسم الرابع والخامس ونبهنا الى انها قد تتولد عنها اذا ما أولت معتقدات غريبة بعيدة عن ظاهر الشريعة فلما تقبلها العامة . (( وهذا هو الذي عرض للصوفية ولمن سلك من العلماء هذا المسلك . ولما تسلط على التأويل فى هذه الشريعة من لم تتميز له هذه المواضع ولا تميز له الصنف من الناس الذى يجوز التأويل فى حقهم اضطرب الامر فيها وحدث فيهم فرق متباينة يكفر بعضهم بعضا ، وهذا كله جهل بمقصد الشرع وتعد عليه . (14) فلكى نتحاشى هذه النتائج الشنيعة ونكون قد وفقنا الى التوفيق بين الدين والفلسفة فضرورى أن يحتفظ البرهانيون بتأويلاتهم وألا يضمنوها مقالاتهم الجدلية أو الخطابية ثم على الجمهور أن يتمسك بالمعنى  الظاهر للشريعة وأن لا يشغل باله بالتأويلات التى قد تضربه وتضله أكثر من أن تهديه الى سوى السبيل .

اشترك في نشرتنا البريدية