الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "المنهل"

دراسات غربية, فولتير فى الحياة، ١٦٩٤ - ١٧٧٨

Share

((٢))

رجع فولتير من انجلترا الى وطنه ومسقط رأسه ، حاملا معه عدة مؤلفات صنفها في المنفي ، متأثرا بما قاساه من عذاب الاضطهاد ؛ فكانت تلك المؤلفات تحمل من الصراحة والانتقاد ما يوجب اعدامه فى قانون ذلك لزمن ، وبمجرد انتشارها أحس بالخطر يتهدده من جديد ، حيث ثارت ثائرة النبلاء (١) وصودرت رسائله الفلسفية وأحرقت ، كثرت عليه التهم بالزيغ والالحاد ، وتجمهرت أعداؤه ، وتظاهر حساده ، فاضطر الى مغادرة باريس مرة ثانية ولكن لا الى الخارج ؛ بل الى منطقة (( الشمبانى )) فى جنوب فرنسا ؛ وتعرف هناك باحدي النبيلات الغنيات (( المركيز دي شاتلى )) La marquise de chatele وتوثقت العلائق بينهما ، فاصبحا من أعز الاصدقاء ، ومن أوفي الاخلاء ؛ ومن الغرائب التى خلفها لنا القرن الثامن عشر هذه الصدقة العجيبة التى دامت خمسا عشر عاما ، بين شخصين متباينين فى الافكار والاخلاق ، متباعدين فى النشأة والعادات ؛ ففولتير ( شعبى ) بمعنى الكلمة ؛ ( المركيز دى شاتلي ) ( نبيلة ) بمعنى الكلمة ، فمن ياتري يطأطئ رأسه للآخر ؟ هل (( المركيز دي شاتلى )) التى تحمل فيما بين جنبيها نفسا

ملئ بالكبرياء والتى تنظر الى فولتير ، رغم منصبه العلمى والادبى ، نظرة السيد الى عبده تطمئن لفولتير ؟ ! ام هل يخضع فولتير للمركيز دى شاتلى ، مع ما يحمله من سمو النفس والطموح الى العلا . والعجب والاعتزاز بالفكر ؟!

ولكن التاريخ أثبت لنا رضوخ فولتير الذى كان مريضا بداء العظمة كما يقولون لصديقته ؛ فسلمها زمام حياته ، تقوده الى حيث شاءت ، وترسم له أية خطة أرادت ؛ وما عليه الا الانصياع لأوامرها صاغرا طائعا ؛ والحق يقال ، ان لمدام ( دى شاتلى ) الايادى البيضاء على فولتير ، لأننا اذا أمعنا النظر فى حياته نجدها لم ترتكز على أسس ثابتة الا بعد ما تولته هذه المرأة الجبارة بنصائحها الثمينة وارشاداتها التى كان حتما عليه اقتفاء اثرها ؛ ولعل من حسن حظه تسلطها عليه       استسلم فولتير لصديقته ، وعكف على التأليف ؛ فاخذت تصانيفه تظهر تترى فمن قصص ، الى فلسفة ، الى أدب ، وأبت ( المركيز ) الا ادماجه فى ذلك الوسط الذي كان ينفر منه أشد النفور ؛ ومن ثم توسطت لدى الملك لويس الخامس عشر فتحصلت على عفوه عنه ، ولم تكتف بهذا ، بل سعت الى ان قربت فولتير من الملك الذي سرعان ما اعجب بادبه وذكائه المفرط ، فاغدق عليه من نعمه ، وجعله (( مؤرخه الخاص )) ومن هنا بدأ العز والشهرة والثروة تمطر عليه !

وفى ذات يوم فجع فولتير فى صديقته (( المركيز )) التى جاء فقدانها أعظم النكبات عليه ، حيث أصبح ، لا ناصح له ولا مرشد ، واتفق ان كان ملك بروسية ( فردريك الثاني ) يدعوه اليه آنئذ ، بخطابات متوالية ، يغريه فيها بالمناصب العالية ؛ والالقاب الفخمة ، فما كاد يبلغه نعى المرأة التى كان يعلم من غير شك انها كانت تسيطر على قلب فولتير اية سيطرة ، حتى اغتنم الفرصة فكرر دعوته ملحا ؛ ولم يسع فولتير الا ان يهجر لويس الخامس عشر الذي طالما اكرم مثواه كما قدمنا والذى استخلصه لنفسه ، وعرف مكانته الادبية وقدره ، فقصد بروسية . . . ومن هنا يتبين لنا ان فولتير ، مع ما كان عليه من الحذاقة الادبية

والمكانة العلمية لم يكن بالرجل الحكيم المحنك الذي قتل الحياة تجارب ؛ بل كان لا يخلو من الخفة والطيش والنزق ؛ والا فكيف يتسنى له ان يهجر وطنه ، وملكه ومنصبه الذى لم يكن يحلم به من قبل ، وكيف يترك صرح مجده الذى أخذ فى تشييده ؟ ويذهب ليجرى وراء الاحلام الخاوية ، والاماني الخلابة الجوفاء .

أماني فرد ريك الثانى ، الذي كان مشهورا باستغلاله لمن حوله فى مصالحه الخاصة حتى اذا ما حصل على مقصوده منهم اعرض عنهم وربما احتقرهم واهانهم وهو صاحب القول المشهور فى حق فولتير وغيره حينما عذل فى تقريبهم والتساهل معهم . (( انه كالبرتقالة بعد ما ينتهي من عصره يطرح )) :

لم يستطع فولتير التماسك امام هذا السيل الجارف من الامانى البديعة ، والاغراآت الجذابة ، التى أخذ بردد نغمائها له ملك بروسية فى كل بريد ، ففي ذات يوم رحل فولتير الى المانيا من دون أن يشعر بذلك احدا !

فولتير في بروسية

رحب فردريك الثاني بفولتير وقرب به واسبغ عليه من نعمته الشئ الكثير اذ رتب له عشرين الف جنيه ، وجعله (( حاجبه الخاص )) وكان فولتير ، كعادته يتكلم معه بصراحة فائقة ، ويخاطبه كصديق ، لا كسيد ، وكان الملك يغض النظر عن كل ما يصدر منه ، منتظرا كما اسلفنا انتهاء فائدته ، ليلقيه بعد ذلك ، ولم يكن فولتير ذلك الرجل المحدود الآمال الذي يكتفى بهذا المنصب الرخيص الذي هو (( الحجابة )) مع انكبابه الليالي الطوال على تصحيح كتابات الملك واشعاره ؛ وانما كان يرى هذا خطوة مبدئية منتظرا من ورائها وفاء الملك بوعوده المعسولة !

ومن الحوادث التى حصلت له فى بروسيا فسببت خروجه مهانا محتقرا قصته مع (( دى براد )) - ( Deppade )- القصة التى تمثل خلفين متضادين في شخصين من كبار ادباء القرن الثامن عشر وقد اورد الاستاذ ( قازى ) (١) ( Gazier)

هذه القصة مطولة فى كتابه (( مجموعة الآداب )) قال ما ملخصه : كان الشاب ((دى براد)) من تلاميذ [ منتوبان ] وقد تجرأ فى امتحانه الليسانسي جرأة زائدة في نظرية دينية أوجبت اثارة الرأي العام ضده ، واضطرته الى مغادرة باريس الى هولندة وهناك لما اطمأن على حياته ) اتصل عن طريق احد اصدقائه وبواسطة الكتابة بفولتير حاجب ملك بروسية الخاص ومرشده الادبى ؛ فرجا منه ان يتوسطه لدى الملك ليتكرم عليه بالالتجاء الى مملكته وكرمه الذين طالما وسعا ضحايا العلم والادب واستبقيا حياتهم ، ورفعا مكانتهم ، واخذت فولتير العصبية الادبية والرأفة على زميله فى المهنة والنكبة واستعان بزميل آخر ممن ذاقوا آلام ذلك العصر ، وهو :

( لمركي دا رجونس )-( Dar gens ) وشرع الاثنان يبذلان ما فى وسعهما من قوه وجهود لايجاد مركز لائق بزميلهما المستجير وكان الملك وقتئذ فى (( سيلسيه (١) )) ولا يستطيعان عمل أى شئ قبل عودته الى برلين وكانا واثقين بنجاحهما ، ولهذا كتب له ( دار جونس) يطمئنه ويحرضه على الاستعداد للرحيل ( فى كتاب طويل جدا يقول فى آخره : (( أرجوكم يا سيدي عدم المؤاخذة من هذه اللهجة الصريحة التى اخاطبكم بها ، ولكن فى علمكم انه لم يحملنى على ذلك الا ذكرى تلك المصائب العديدة التى ذقتها والتي جعلتني اقدر حقا خطورة الحالة )) الخ و كتب له فولتير ايضا عدة خطابات وكلها تنبئ عن عظيم اهتمامه بمسألته ، وفعلا لما عاد الملك الى عاصمة مملكته :(برلين) اهتم بالشاب الاديب وقربه واكرمه الى ان جعله سكرتيره الخاص واصبح ذلك المنكوب الشريد ذا جاه ونفوذ فى بروسية ، وكان اول ما جرب نفوذه في منقذه الكبير ((فولتير)) فاخذ يشى به لدى الملك حتى نبذه وجفاه ومل هذا من منصبه الحقير وتلاشت أمانيه فارتحل من بروسية سنة ١٧٥٣ م بعد ما اهانه بعض حجاب الملك . . .                            (( يتبع ))

اشترك في نشرتنا البريدية