الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "المنهل"

دراسة ادبية :, الشاعر على محمود طه

Share

تحدثت فى الفصل الاول من هذه الدراسة عن نقد الدكتور طه حسين لديوان الملاح التائه واسلوبه فى الكتابة ، ووعدت القراء باللقاء مع الاستاذ الرافعى فى الفصل الثانى منها ، فماذا قال الرافعى ..

استهل أديب العربية الكبير حديثه الادبى الممتع قائلا : (( اذا أردت أن أكتب عن شعر فقرأته كان من دأبى أن أقرأه متثبثا اتصفح عليه فى الحرف والكلمة الى البيت والقصيدة . الى

الطريقة والنهج ، الى ما وراء الكلام من بواعث النفس الشاعرة ودوافع الحياة فيها ، وعن أى أحوال هذه النفس يصدر هذا الشعر ، وبأيها يتسبب الى الالهام ، وفى أيها يتصل الالهام به ، وكيف يسترسل الى طبعه ، ومن أين المـأتى فى رديئه وسقطه وبماذا يسلك الى تجويده وابداعه ، تم كيف حدة قريحته وذكاء فكره ، والملكة النفسية البيانية فيه ، وهل هى جبارة معتسفة تملك البيان من حدود اللغة فى اللفظ الى حدود الالهام فى المعنى ملكة استقلال تنفذ بالامر والنهى جميعا . أو هى ضعيفة رخوة ليس معها الا الاختلال والاضطراب ، وليس لها الا ما يحمل الضعيف على طبعه المكدود كلما عنف به سقط به أتبين كل ذلك فيما اقرؤه من الشعر ثم ازيد عليه انتقاده بما كنت اصنعه أنا لو انى عالجت هذا الغرض أو تناولت هذا المعنى . ثم أضيف الى ذلك كله ما اثبته من انواع الاهتزاز التى يحدثها الشعر فى نفسى .. فانى لاطرب للشعر الجيد الوثيق انواعا من الطرب لا نوعا واحدا وهى تشبه فى

التفاوت ما بين قطرة الندى الصافية فى ورق الزنبقة ، وقطرة الشعاعة المتألقة فى جوهر الماسة ، وموجة النور المتألقة فى كوكب الزهرة )

بهذه الكلمات المنمنمة والجمل الموشاة أبان الرافعى عن طريقته فى النقد ونهجه فى التذوق ومقاييسه فى التقويم .. كل ذلك باسلوب يجمع الى رصانة التمهيد رشاقة التعبير .. فهل ترى من فضول ؟ لا .. وانما هو الفن وانما هو الزخرف وانما هو الادب وليس بأديب من لم يصنع فى اساليب البيان ما تصنعه النحلة فى ازاهير الجنان ترشفه رحيقا وتمجه عسلا ، ورحم الله البحترى فكأنما نظر من وراء الف سنة ونيف الى ما يكتبه الرافعى من أساليب النثر الفنى حين قال :

لتفننت فى الكتابة حتى

          عطل الناس فن عبد الحميد

فى نظام من البلاغة ما شـ

          ـك امروء انه نظام فريد

وبديع كانه الزهر الضاحـ

          ـك فى رونق الربيع الجديد

ومعان لو فصلتها القوافى

         هجنت شعر جرول ولبيد

كالعذارى غدون فى الحلل البيـ

         ض إذا رحن فى الخطوط السود

واحسبه - أى الرافعى - وبين يديه ديوان الملاح التائه كالخميلة الفينانة ، زهرا وعبيرا وظلا وغديرا نظر إلى ما تقذفه المطابع وتسيل به انهار الصحف من الشعر الممجوج والادب الركيك فهاله ان يرى حديقة الشعر العربى هدفا لغزو الطفيليات وغارات الحشرات فالتفت يمنة ويسرة

واسل صيحته المدوية قائلا : (واكثر الشعر الذى ينظم فى أيامنا هذه لا يتصل بنفسى ولا يخف على طبعى ولا أراه يقع من الشعر الصحيح الا من بعيد وهو منى كالرجل يمر بى فى الطريق لا أعرفه فلا ينظر الى ولا انظر اليه فما ابصر منه رجلا وانسانية وحياة أكثر مما أراه ثوبا وحذاء وطربوشا والعجيب انه كلما ضعف الشاعر من هؤلاء قوى على مقدار ذلك فى الاحتجاج لضعفه والهم من الشواهد والحجج ما لو الهم بعدده من المعانى والخواطر لكان عسى . فاذا نافرت المعانى الفاظها واختلفت على معانيها قال ان هذا فى الفن هو الاستواء والاطراد والملاءمة وقوة الحبك واذا عوص وخانه اللفظ والمعنى جميعا واساء ليتكلف  وتساقط ليتحذلق وجاءك بشعره وتفسير شعره والطريقة لفهم شعره قال انه أعلى من ادراك معاصريه وان عجرفة معانيه هذه آتية من أن شعره من وراء اللغة من وراء الحالة النفسية من وراء العصر من وراء الغيب كان الموجود بين الناس هو ظل شخصه لا شخصه والظل بطبيعته مطموس مبهم لا يبين ابانة الشخص ، واذا أهلك الاستعارة وأمراض التشبيه وخنق المجاز بحبل قال لك انه على الطريقة العصرية ، وانما سدد وقارب واصاب واحكم ، واذا سمى المقالة قصيدة ، وخلط فيها خلطا وجاء بها فى أسوأ معرض واقبحه وخرج إلى ما لا يطاق من الركاكة والغثاثة قال لك هذه هى ( وحدة القصيدة ) فهى كل واحد افراغ افراغ الجسم الحى رأسه لا يكون

الا موضع رأسه ورجلاه لا تكون الا موضع رجليه )

بمثل هذه السياط النقدية جلد الرافعى ظهور المتشاعرين فى أيامه وكشف الستار عن ازيف والزغل وما به كما يقول - زجر الضال ولكن ليمنع المهتدى أن يضل - كان ذلك منذ ربع قرن تقريبا والنهضة الادبية فى عنفوان شبابها والحركة الفكرية فى ذروة اشتبابها ، والشعر بخير والذوق فى عافية ، فكيف كان يكتب الرافعى لو اطلع على هذا النموذج من الشعر الحديث وهو :

الموت عبر حدودنا فليزحفوا .. وليهجموا ، وليعتدوا ، وليعرفوا ان الدماء دماءنا خلف الحدود تغلي وتصنع من جديد تاريخ شعب يهتف .. فليزحفوا .. وليعرفوا .. أنا سنرجع بالارادة بالحديد أرض الجدود وليصرخوا ، وليكذبوا ، وليهرفوا

وبعد فلنعد الى ما نحن بصدده .. ولننظر ماذا قال الرافعى فى ديوان الملاح التائه بعد ذلك التمهيد البارع والاستطراد البليغ قال : ( اما فريق المتشاعرين فليمثل له القارىء  بمن شاء وهو فى سعة وأما فريق الشعراء ففى أوائل امثلته عندى الشاعر المهندس على محمود طه - اشهد انى أكتب عنه بنوع من الاعجاب الذى كتبت به فى المقتطف عن اصدقائى القدماء : محمود البارودى واسماعيل

صبرى وحافظ وشوقى رحمه الله - وديوان الملاح التائه لا ينزل بصاحبه من شعر العصر دون الوضع الذى أومانا اليه ، فما هو الا أن تقرأ وتعتبر ما فيه بشعر الآخرين حتى تجد الشاعر المهندس كأنه قادم للعصر محملا بذهنه وعواطفه وآلاته ومقاييسه ليصلح ما فسد ويقيم ما تداعى ويرم ما تخرب ويهدم ويبنى هو شعر تعرف فيه فنية الحياة وليس بشاعر من لا ينقل لك عن الحياة نقلا فنيا .. وليس فى شعر على طه من عصرياتنا غير القليل . ولكن العجيب انه لا ينظم فى هذا القليل الا حين يخرج المعنى من عصره ... ويلتحق بالتاريخ كرثاء شوقى وحافظ وعدلى .. وفوزى المعلوف ، والطيارين دوس وحجاج والملك فيصل فان يكن هذا التدبير عن قصد وارادة فهو عجيب وان كان اتفاقا ومصادفة فهو اعجب على أنه فى كل ذلك انما يرمى الى تمجيد البطولة فى مظاهرها متكلمة وسياسية ومغامرة ومالكة ، اما سائر اغراضه فانسانية عامة .. تتغنى النفس فى بعضها وتمرح فى بعضها وتصلى فى بعضها وليس فيها طيش ولا فجور ولا زندقة الا ظلال من الحيرة والشك كتلك التى فى قصيدة ( الله والشاعر ) واظنه يتابع فيها المعرى ، ولست ادرى كم ينخدع الناس بالمعرى هذا .. وهو فى رأيى شاعر عظيم غير أن له بضاعة من التلفيق تعدل ما تخرجه (لانكشير) من بضائعها الى اسواق الدنيا ..

واسلوب شاعرنا ( وهذا بيت القصيد ) اسلوب جزل أو الى الجزالة تبدو اللغة فيه وعليها لون خاص من الوان النفس الجميلة .. يزهو زهوه فيكثر منه فى النفس تأثيرها وجمالها وهذه لغة الشعر بخاصة ولابد ان ننبه هنا الى معنى غريب وذلك انك تجد بعض النظامين يحسنون من اللغة وفنون الادب فاذا نظموا وخلا نظمهم من روح الشعر ظهرت الالفاظ فى اوزانهم وكأنها فقدت شيئا من قيمتها كأن موضعها فى هذا النظم غير موضعها فى اللغة .. وعلى طه اذا حرص على اسلوبه وبالغ فى اتقانه ، واستمر يجريه على طريقته الجيدة متقدما فيها متعمقا فى اسرار الالفاظ وما وراء الالفاظ وهى تلك الروعة البيانية التى تكون وراء التعبير وليس لها اسم فى التعبير معتبرا اللغة الشعرية- كما هى فى الحقيقة - تأليفا موسيقيا لا تأليفا لغويا فانه لا ريب سيجد من اسعاف طبعه القوى وعن فكره المشبوب والهام قريحته المولدة ما يجمع له النبوغ من اطرافه بحيث

يعده الوجود من كبار مصوريه وتتخذه الحياة من بلغاء المعبرين عنها فى العربية

وبخيل الى ان الرافعى - وهو فى نشوة الاعجاب بديوان الملاح التائه - أغضى نظرا عن الهنات الطفيفة التى كشفها الدكتور طه حسين فى نقده لذلك الديوان .. وانا بالرغم من اعجابى ببيان الرافعى وأسلوبه أرى أنه كان متأثرا فى نقده للديوان بشعور الاغتباط لفنه وعاطفة الانتصار لمذهبه لما اشتمل عليه الديوان من تماسك النسج وجمال التنسيق وعروبة الذوق فغفر - غفر الله له - كل ما عدى ذلك من غلطات النحو وسقطات الوزن ولسان حاله يقول :

وما نبالى اذا اعراضنا سلمت

       بما فقدناه من مال ومن نشب

رحم الله الرافعى وعوضنا عنه

رافعيا جديدا ..

اشترك في نشرتنا البريدية