الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

دراسة المكان فى قصص يوسف ادريس

Share

عنصر المكان فى القصة الذى سنتعرض اليه لا ينفصل عن الزمان الذي سنتناوله فى الفصل الموالى من وجهة نظر البنيويين (*)

لان الزمان والمكان عنصران يتفاعلان ويتبادلان التاثير والتأثر والانسان باعتباره محورا للزمان والمكان فهو واقع حتما تحت تأثير مزدوج من هذين القطبين . ولهذا فان الكاتب مهما كان نوع خيالية اعماله لا يمكن ان يتخلى عن هذين العنصرين ولا يمكن للدارس كذلك ان يهمل الاهتمام بهما . فهما مترابطان شديد الارتباط .

"الحقيقة ان الزمان غير منفصل عن المكان وان قضية الانسان لا تختلف إذا قلنا انه فى صراع مع الزمان او مع المكان على اساس ان نفهم من الزمان الزمان المكانى ومن المكان المكان الزمانى ... وقد أدرك هذه الحقيقة الفيلسوف والشاعر - س الكسندر حين قال : " ان قليلا من النظر المتأمل يكفى بيان كيف انهما ( اى الزمان والمكان ) يعتمد الواحد منهما على الآخر ومن ثم فليس هناك مكان بلا زمان وليس هناك زمان بلا مكان .

تماما كما ان الحياة لا تقوم بغير جسم . والجسم لا يستطيع ان يؤدى وظيفته حيث هو جسم حي دون الحياة فالمكان بحكم طبيعته ذاتها زمانى والزمان مكانى " وقد ترتب على ذلك انه " ليس هناك لحظة زمانية بغير موضع فى المكان ، ولا موضع فى المكان بغير لحظة فى الزمان ... فالموضع يتمثل فى لحظة واللحظة تشغل موضعا . وليس هناك تلك الاشياء التى يقال لها مواضع او لحظات تقوم بذاتها كل ما هنالك لحظات موضعية وأحداث صرف " (1) .

وبناء على ما ذهب اليه س . الكسندر من ان الزمان مكانى والمكان زمانى فنحن من خلال نظرنا الى المكان سنحاول ان ندرك تأثيره فى المناخ القصصى تكوين الشخصيات وحركية القصص واسياب وصف المكان والاهتمام به فالشخصية الواحدة تختلف باختلاف الزمان والمكان عليها وهذا يتضح بجلاء فى قصة - اليد الكبيرة - هذا الفتى الريفى والقروى الذي إذا ما عاد الى قريته أحس انه كان هناك فى القاهرة غريبا مضيعا لا أهل له اما هنا في القرية فهناك احباؤه ولا نشك ان لحظة العودة أو عندما يطا المرء تراب موطنه تجتاحه مشاعر معينة تشتد به احيانا حتى تطفر الدماع من عينيه فاذا ما استقر تغيرت اشياء كثيرة وهدأت عواطفه الجياشة بل نشك انه اذا عاد الى القاهرة او المدينة استقبلها بذلك الشعور من الاغتراب والرهبة بل على العكس ربما شعر أنها تفتح له يديها وتستقبله بمباهجها وفخامتها وحسانها وأنواع تسليتها التى ينسى معها الانسان حياته فى المدينة فاذا هي تنزلق من بين اصابعه كالقابض على الماء وهو يجرى جادا مكدا حينا متسليا مرفها عن النفس حينا آخر لا يعرف طعما للتأمل والنظر الذى يتمتع به القروى الذى كأنه ينتظر القيامة فى سكينة وصمت على حد تعبير يوسف ادريس .

لذا فان الاديب الواقعي شاعرا كان او قصاصا او روائيا فهو يعير البيئة والمكان القدر الذى لابد منه ليبين تأثير ذلك فى شخصياته الذين هم بدورهم جزء من الواقع .

" وتقوم الرواية الواقعية أساسا على ربط الانسان بالبيئة التى كونته وبالمكان الذي احتضنه ، والبشر ولا شك يختلفون باختلاف الاوساط التى كونتهم لان البيئة هي المهاد المادى والمعنوى للشخصيات التى يكتشف عن طريقها العوامل المتحكمة فى سلوكها ، ثم لا تلبث البيئة ان تنتفض وتتحرك وبحركيتها يتحرك الابطال متفاعلين مع الاحداث يتأثرون بها ويؤثرون فيها حتى تصل الرواية الى نهايتها المحتومة ( 2 )

لذا نجد الشخصيات التى مكانها الريف ، شخصيات تغلب عليها القناعة والطيبة فى قصص يوسف ادريس بل ان عالم الريف كله وديع ساكن لا جديد فيه " الاحداث قليلة ومعروفة ، بل تكاد تعرفها حتى قبل ان تقع وتعرف ان هذه

البنت المفعوصة التى تلعب الحجلة ستكبر بعد عدد من السنين ، وسيصفو لونها الملبد ، ثم يخرطها خراط البنات وتتزوج بالتاكيد واحدا من هؤلاء الصبية الذين يرتدون الجلاليب الممزقة على اللحم ، ويستحمون فى الترعة وينطون كالقرود المسلسلة من فوق الكوبرى .

غير انه ، أحيانا ، تقع حوادث لا تكون معروفة ولا يمكن التنبؤ بوقوعها ، مثل ذلك اليوم الذى ترددت فيه الصرخات فى الغيط ، الصرخات الغامضة الغريبة التى ينشق عنها فضاء الريف الواسع احيانا ، فتدوى بطريقة مفاجئة ومرعبة ومستغيثة دون ان تعرف مصدرها ، ولكنك لابد ان تدرك منها ان شيئا مهولا قد وقع ولابد ان تفيق فتجد نفسك تجرى لتنجد او على الاقل لتعرف الخبر (3) . والناس فى الريف كأسرة واحدة يعرفون كل شئ حتى اين يخفون نقودهم القليلة ولكن لا يعتدون على بعضهم ولا يسرقون بعضهم فالمكان هو حلقة الوصل بين افراد القرية " فالعزبة صغيرة ، والناس فيها عائلة واحدة ولا يعرفون بعضهم البعض معرفة دقيقة فقط ، ولكن كل واحد يعرف عن الآخر أدق دقائقه وأخص أموره ، حتى النقود القليلة التى قد يكتنزها أحدهم ، يعرفون مكانها بالضبط وعددها والطريقة التى يمكن ان تسرق بها . ولكن احدا لا يسرق من أحدهم ، هم اذا سرقوا يسرقون من محصول العزبة ، وحتى هذه مجرد سرقات صغيرة لا تتعدى ملء عب قطن او حجر كيزان ذرة (4)

بل حتى الحركة رتيبة وهادئة وحتى الاوز كذلك هادىء يعود عند الغروب الى بيت اصحابه واذا ما حدثت حركة كأن يجرى الناس فى القرية فذلك دليل على ان امرا جليلا حدث بالقرية ، حيث تعود الناس على المشي بهدوء ودون عجلة فى الريف لذا تؤثر البيئة فى حركية القصة واندفاعها " ان ترى انسانا يجرى فى شارع من شوارع منية النصر ، فذلك حادث فالناس هناك نادرا ما يجرون . ولماذا يجرى وليس فى القرية ما يستحق الجرى ، المواعيد لا تحسب بالدقائق والثوانى . القطارات تتحرك في بطء الشمس ، قطار إذا طلعت وآخر حين تتوسط السماء ، ومع مغيبها يفوت واحد ، ولا ضجيج هناك يثير الاعصاب ويدفع الى التهور والسرعة . كل شئ بطئ هادىء عاقل ، وكل شئ قانع مستمتع ببطئه وهدوئه ذاك والسرعة غير مطلوبة أبدا ، والعجلة من

الشيطان (5) .

اما تأثير البيئة على الشخصيات فهو أقوى ، فالقروى الذي يقيم فى القرية له اخلاق خاصة تكاد تختلف ملامحها عن المدني في قصص يوسف ادريس وتتفاعل تلك الشخصيات مع بيئتها القروية وتتأثر بها وتؤثر فيها ومن أمثلة ذلك المبالغة فى الكرم .

" فقد جرت العادة ان يخرج مع العروسة عدد كبير من اهل بلدها أثناء الطريق ، مكونين بموكبهم قافلة طويلة جدا على رأسها جمل العروسة الذي يقوده العريس فى العادة ، او من ينوب عن العريس ... ان موكب العروسة كان حين يمر ببلدة من البلاد أو بعزبة من العزب يخرج أهل البلدة والعزبة بأعيانها وشيوخها وشبابها ليعزموا العروسة وبلدياتها ولكى يثبتوا جدية العزومة كانوا يذبحون الذبيحة فعلا ويعلقون رأسها فوق نبوت احدهم ، وينتظرون حتى يقترب الموكب ... " (6) .

فالقرية كمكان تؤثر فى شخصية القروى الذى يخشى ان يبوح بأفكاره وأسراره خشية الوقوع تحت ظلم الحكام ويختلط هذا الخوف من الحكام فى نفوسهم بالخوف من الاولياء الصالحين الذين لهم دور كبير وسلطان على الحياة فى القرية . " وكنت اعرف اهل بلدنا جيدا ، كانت لا تخيفني منهم وجوههم المكشرة على الدوام ، ولا ذقونهم التى تشوك او نظراتهم التى تظن انها خالية من الرحمة والشفقة . كنت أعرفهم تماما ، واعرف انهم لا يقولون ما يعتقدون الا بينهم وبين انفسهم . أمام العمدة او الموظفين ، يقولون كلاما عاليا كثيرا ، ويحلفون الايمان المرتفعة المغلظة ، واذا سألهم الغريب قالوا عكس ما يضمرونه ، هم لا يخرجون ما فى اعماقهم الا رغما عنهم ، فى كلماتهم المتناثرة ، فى همساتهم الخافتة وراء ظهور موظفى الحكومة ، فى حديث الرجل الى زوجته بعد العشاء حين يركن بظهره الى الحائط ويمدد ساقيه على طولها " (7)

كما يصور بوضوح شخصية الفلاح المصرى وبلا شك للمكان تأثير كبير وفعال فى بناء نوعية تلك الشخصية " فالفلاحون لا يرفعون الكلفة الا بصعوبة

شديدة ، واذا خاطبوك بلا القاب ، وتحدثوا اليك كما يتحدث الجار الى جار كان معنى ذلك ان احترامهم لك يرتفع الى مرتبة التقديس .

" والحقيقة بدأت تنتابني الغيرة من السلطان حامد وبدأت أحسده على تلك المكانة التى يحتلها فى قلوب الناس مع انه لم يكن يملك لهم حولا ولا قوة هذه الكمية من الحجارة القائمة عند حافة الجبانة كيف يكون لها كل هذا الاجتماع والتقديس " (8) وتصويره للريف ليس لمجرد التصوير بل كما بينا لتوضح كيف انه يكون حلقة وصل بين الافراد وتصوير ما يعانيه اهله من خوف الحكام او قناعة الفلاحين .

ويهتم الكاتب برسم المكان لشخوصه ليوضح الصورة فى ذهن القارىء عن البيئة التى يعيشون فيها وقد نجد ذلك خلال القصة وقد نجده فى اولها كما فى قصة - اليد الكبيرة " هبطت من القطار فى العصر ودائما اصل بلدنا فى العصر والمحطة على ناحية من السكة الحديد وبلدنا على ناحية والشمس صفراء ، فى صفرتها هدوء وسكون ومرض وبلدنا ايضا تقبع صفراء بيوتها المصنوعة من الطين ، اشجارها حتى قمم النخيل كانت تظللها صفرة (9) ويقول في موضع آخر واصفا الريف رابطا بين ذلك الاطار والناس الذين يعيشون هناك ربطا فيه تشاؤم " وسواء نترك حقول القمح المحصود لندخل حقول الذرة ونخرم وسط اقطان ونرقب خيالاتنا المعتمة فى الارض الغارقة فى الماء تنتظر زراعة الارز ، ارض كثيرة شاسعة ممتدة كل شبر منها مزروع ومعتني به وعرق من أجله هؤلاء الغلابا الراقدون في بيوتهم وكانما ناموا من الحزن . يتقلبون فى انتظار أن يأتي النهار ويغرقهم بقبضته ثم بكل عزمه يبذرهم ليفرش بهم وجه الارض فيقبلوا سوادها خضرة وخرابها عمارا وطميها خبزا (10) .

والمناظر الريفية عند يوسف ادريس قليلة وغير مهيمنة وانما ينصب اهتمامه على ناس يعيشون فى الريف وتؤثر فيهم هذه الحياة لذا فان اهتمامه ينصب على الشخصيات وما الاطار الا وسيلة " ولتصوير احداث ، القصة وتطوير شخصياتها صلة وثيقة بما يسمى المجال او البيئة او الجو العام . اذ ليست الحكاية معزولة من مجالها الطبيعي والاجتماعى ولا وجود كذلك لافراد

معزولين . وانما يستلزم تصوير موقفهم موضوعيا ان ينظر اليهم مرتبطين اشد رباط بمجتمع خاص فى فترة معينة وبيئة طبيعية خاصة والا جاءت القصة متكلفة وفقدت ما يبررها والا كان موقف القاص اذن كموقف دارس التشريح ، حين يعزل الحيوان الذي يشرحه فى معمله ، بعيدا عن بيئته وجنسه (11)

والوصف للريف انما هدفه تصوير الآلام والصراع والاخلاق اما الطبيعة وجمال الريف او الناحية الرومانتيكية فهى معدومة عنده .

لان الكاتب واقعي والواقعية هي أساس نظرته للريف فهو الاطار لمجموعة بشرية ولهذا الاطار تأثير فى تكييف هذه الحياة ويغلب ان يكون هذا التأثير ابعد ما يكون عن الاشراق واقرب ما يكون الى السواد .

ففي قصة آخر الدنيا يصف أسرة مجتمعة حول الطعام وفي هذا الوصف كبر دليل على الشقاء الانسانى فى الريف المصرى .

" ويحين العشاء . والعشاء دائما خضار من الغيط مسلوق او أرز بالتفلية والطبلية تزدحم بأيد كبيرة خشنة وحتى النساء اللاتى يخجلن فى حضرة الرجال لا يخجلن ساعة الطعام ويروح الكل يأكل فى نهم والايدى تتسابق بلقم كالفؤوس تفرغ الغاموس فى ومضة ويده صغيرة كيد القطة يمدها خلسة ويدعى الاكل خائفا ان يدرك احد ان الطعام لا يعجبه وانه دلوعة وانه طفل ... ولا تكون به حاجة الى الادعاء فلا احد يفطن اليه والكل مشغول عنه " (12) .

المدينة :

اما المكان في المدينة فتأثيره على الاشخاص يتمثل أبرز ما يتمثل فى العمل المضنى والسعى الى الرزق بدون قناعة كل ذلك فى سبيل حياة اكثر رفاهية . على ان الصراع يشتد فى المدينة لان متطلباتها اكثر . لذا نرى بعض الطبقات العمل فى شقاء قد يبلغ مستوى شقاء الفلاح ويتجسم ذلك في الطبقات الدنيا من المدينة التى تعيش حياة بائسة " وكان البيت الذى يقطن فيه عم مح محمد بعيدا عند سفح الجبل ، عبارة عن حوش واسع فى وسطه كومة هائلة من الزبالة وحولها حجرات اكثرها منهار ومع هذا فلكل حجرة سكان وقاطنون .

ولم يثر مقدمنا ضجة ولا صراخا ولا صخبا . كان كل شئ هادئا وكأن لم يمت احد ، كل ما حدث ان بعض الكلاب هبت فصرخ فيها المعلم وابعدها . وكانت الحجرة مظلمة لا يضيئها غير النور الداخل من الباب وكان عم محمد راقدا . بحوار الحائط ومغطى بأوراق جرائد المانية قديمة لا يدرى احد كيف جاءت الى هذا المكان . وزعق المعلم فى "الصبى" الجديد

- اكشف يا جدع وانحني الصبى الشيخ بسرعة وازاح الجرائد ويده تهتز وترتعش . وبدا عم محمد ممددا وميتا ووجهه الى الحائط كالتلميذ المذنب . كان ممددا بنفس ملابس الشغل وجسمه الصغير يكاد يتكور على نفسه وقدماه اللتان طالما لفتا الدنيا جريا فى جرى ، كانتا مستكينتين وعليهما حذاء سميك من الطين الجاف والتراب " (13)

الحركية : وتأثير المدينة على حركية القصة عظيم فالاشخاص يتحركون فى كل اتجاه فى ازدحام وتدافع نحو اهداف مختلفة او متشابهة كما فى قصة الاورطي .

المهم ليس انه كان جريا ، المهم انه كان فى أكثر من اتجاه ، يكاد فى كل اتجاه ، لكأنه يوم الجرى الأكبر ، نوع غريب خاص من الجرى ، فهو ليس جرى الخائف او المستعجل او من يبحث عن بقعة يبدأ منها الجرى والاسراع ولهذا فلا احد يعرف هدف الآخر او غايته ، انما الكل فى حالة ترقب خائف ان يعثر أحدهم على بدايته التى ربما حددت لهم البداية . ولهذا ايضا كنت ترى الشخص يجرى كالمجنون وكالمجنون ايضا يحاول عبثا ان يراقب خطو الآخرين وجريهم بحيث ما ان يبدو احدهم يتردد فتقل سرعته .. ... عملية كانت البقعة فيها تبدو إذا نظرت اليها من عل او من بعيد وكانما تنبض نبضات تجمع مفاجئ يعقبه التفرق نبض يحدث فى اكثر من مكان فى نفس الوقت حتى يبدو الميدان وكأنما فرش بقشرة لولا تلك النبضات العشوائية الحادثة هنا وهناك والدالة وحدها والدالة على الحياة لظننت الآدميين المتجمعين كتل ركام مختلف الالوان " (14) .

او كانت هذه الحركة والتدافع والتزاحم ليس فى الشوارع فقط بل حتى فى الحافلات كل ذلك يفرضه المكان وهو المدينة كما فى قصة المحطة (15) التي تتسارع الحوادث فيها عبر بضع محطات لحافلة عمومية تخترق القاهرة .

وأما تأثير المدينة فى تكوين الشخصية فعظيم فلاجل مطالب المدينة وحاجياتها ومصاعبها يفتقدون القناعة ويتملك روحهم نوع من الحمية من العمل المتواصل لتحسين مستواهم فيؤثر كل ذلك فى حياتهم وسلوكهم كما فى قصة الورقة بعشرة " ان حياته معها كره فى كره وخلاف فى خلاف ومواقع اثر مواقع هذا صحيح ... ليلة ان صفعها مثلا وخربشته باظافرها وتدشدش طقم الشاىء ليلة اختلفا حول اسم تامر ، ليلة ان اصطدمت بالمرحومة امه الف ليلة وليلة من الالم القاسى الممض .

العجيب انه لا يحس شيئا من هذا الالم الآن ... فكل ما يحسه انه كان شابا وانها كانت صغيرة وانهما كانا طائشين وما اعذب الطيش حين تمضى أيامه ويصبح مجرد لحظات تستعاد ... والخلاف عمر بيته فقد كان لهما حجرة واحدة والآن عندهما ثلاثة ولم يكن هناك اولاد والآن لهما أربعة حين تزوجها لم يكن معه الا التوجيهية والآن معه بكالوريوس وهى تزوجته وهى مدللة لا تعرف سوى قلى البيض وتخطيط الحواجب والآن بشهادته هى أمهر خياطة وطباخة وكانت بالكاد لا تقرأ الا حواء وهي الآن تناقشه فى السياسة وتبزه تلك التى يعتبر نفسه ضليعا فيها " (16)

هذا الاندفاع نحو تحسين المستوى المادى الذى تفرضه حياة المدينة قد يؤثر تأثيرا سيئا على اخلاقهم ويدفعهم الى نوع من القسوة المتناهية أحيانا في سبيل قليل من المال ولو كانت هذه الشخصيات من اصل قروى الذين عرفوا بالقناعة والطيبة .

وهذا كما فى قصة - فوق حدود العقل (17) فان البيئة الجديدة تكون لها المفعول القوى عليهم بل ربما تدفعهم الى تعقيدات نفسية خطيرة كشخصية الدكتور الحديدى فى قصة لغة الآى اى الذى يجرى وراء المناصب بالاعتماد على

مواهبه العلمية ومجهوداته الشخصية ولكنه لا يحب ان يعرف الناس انه من اصل قروى وينتهي به الامر الى الشعور بأن الحياة عبث ولا معقول وان كل ما بذله من مجهودات انما هي عبث فى عبث " وأحاطت فهمى الصغير بيديها بينما استدار الحديدى بحمله الصارخ المولول ، ومضى يتقدم الموكب ونظرات السكان وأهل الحي تتبعه وتحبط به وتهمس وتسرى بينها الهمسات الضاحكة لقد عاش في الحي سنتين مرعوبا ان يكتشف أحد اصله وفصله وتبدو للاعين النائمة شعرة واحدة تكشف عن الجذور والسيقان التى يمت اليها . . ولا ريب ان كثيرا من سكان الحي كانوا يفعلون مثله ، فها هو يرى النوافد والمداخل حافلة بكثير من الجثث . وهو الآن يستعجل اللحظات التى يغادر فيها الحى ... وقد أصبحت الرائحة لا تطاق " (18) والمدينة كمجال وبيئة القصه قليلا ما تنجو شخصياتها من عقد وصدمات نفسية تبلغ حد الارهاق العصبي الذى يشرف بصاحبه على الجنون خصوصا عند تغير النظم السياسية فالمدن هي المنبع لكل حركات فكرية وسياسية لذا لا غرابة ان يظهر أول ما يظهر ذلك التأثير على اهل المدن من أبطال قصص يوسف ادريس وهذا كما فى قصة " ذى الصوت النحيل "

" وكل يوم عامل زى ما يكون يقطع منلحا كل يوم حتة لماح يجى اليوم اللى ما يفضلش فينا حاجه ، وبيسلطهم علينا وكل يوم تأميم ، هم سمعوا حكاية التأميم دى وخرجوا لك من الضباب وحاصروني ...

اسأل ابتاع الجراج يقولك بقوا ايجيبوا سلاليم حبل بينطو علينا من الشابيك فسمرنا الشبابيك بقوا يجولنا من تحت عقب الباب فبقيت أحط رمل وراء الباب وأحط الكنبة كمان . . (19)

على ان المدينة رغم ذلك جعلت في شخصيات قصصه صلابة وقوة ومقدرة على المجابهة والصراع لا نجدها فى ابطاله من القرية ذوى الشخصية المسالمة وخصوصا فى الميدان السياسى الذى قد تكون له آثار وخيمة على حياتهم وفي هذه الحالة - يجنح الكاتب الى الرمز كما فى قصة - اللعبة (20) وقصة

شئ يجنن (21) التى يعبر فيها عن تمسك الانسان بحريته غير قابل لاية نعم بديلا عنها وقد حدد هذه السجون بانها فى المدن بقوله

" وعلى اية حال فالسجون العمومية ليست كثيرة والحمد لله بالكاد يوجد منها سجن فى عاصمة كل مديرية مخصص للمحكوم عليهم بالسجن او الحبس من المديرية نفسها وما يحيط بها من مراكز او محافظات " الا انه يقول فى موضع آخر عن الكلب الذي هو بطل قصة - شئ يجنن - مشيرا اشارة واضحة الى عدد المساجين الهائل " ولا يعرف احد للآن على وجه الدقة ماذا رآه الكلب بالضبط وأثاره . . ريما هو مشهد الخارجين للمحاكمة الجالسين القرفصاء ببدلهم البيضاء القذرة على الارض فى تشابه لا تكاد تميز فيه شخصا عن شخص ولا بدلة عن تراب ربما هو الجو العام للسجن الذي يطبع كل شى بطابع غريب مرير ويبدو فيه آلافا من البقع الزرقاء والبيضاء المنتشرة كالجراد البشرى مرصوصة على الارض تقطع الطوب متعلقة بالحيطان تطليها " (22) .

المدينة والتفكك :

وان كان للمجتمع فى القرية تأثير حيث يربط بين افراده فان المدينة تخلق فى المجتمع شيئا من التفكك والروح الفردية في قصص ادريس نلاحظها بجلاء فى قصص مثل فوق حدود العقل - الورقة بعشرة - والزوار . فالناس لا يحترمون ابسط المشاعر الاسروية ليس كرها فى بعضهم او حقدا ولكن الاطماع ووتيرة الحياة الحادة تخلق فيهم توترات عصبية وتشنجات كما تشغلهم حياة المدينة عن ابسط الواجبات العائلية والانسانية لعيادة قريب فى المستشفى رغم اقامته به مدة أشهر .

" وكانت سكينة الضعيفة الرقيقة الحنون التى تحس اذا أطلت النظر اليها أو عمقته ان هناك أناسا ضعفاء محتاجين الى الشفقة ، كانت مريضة بمرض مزمن ولها فى المستشفى ثلاثة أشهر وأمنيتها الكبرى ان تغادره وتخرج : ولكنهم لا يخرجونها ولا يصرحون لها بالخروج ...

وسكينة لم تكن مقطوعة من شجرة ... كان لها أخوة ... فى الحقيقة أخ واحد غير شقيق وأختان وكان لها خالات وعمات وقريبات كأى انسان منا ولكن رغم هذا كله فلم يكن لها زوار بالمرة . طوال الاشهر الثلاث التى مكثتها بالمستشفى لم يزرها احد ... من يوم ان أتى بها أخوها وأودعها العنبر .

لم تر وجهه ... تلك حقيقة تعرفها هى ويعرفها الجميع حتى التوموجية السليطة اللسان تعرفها " (23) .

ومثال آخر لتأثير المدينة على الاسرة وتفككها فى قصص يوسف ادريس ما جاء في قصة - الورقة بعشرة " كل يوم يفكر حتى فى خيانتها . وكل يوم لا يخونها ما الذي يربطه بها حتى الاولاد ، انه يكرههم من أجلها ويكرهها اكثر من اجلهم ومع هذا لا يتركهم جميعا ولا " ويهج " ولا يتركونه ما الذى يبقى هذه العائلة السخيفة متماسكة وكل ما فيها متنافر مع كل ما فيها ، الخلاف البسيط يؤدى الى نقار والنقار الى شجار ثم يتطور الامر ويغادر المنزل غاضبا وحين يصل السلالم تخرج له الزوجة ، وتقطع الشجار وتقول - اياك تنسى تشترى البزازة ! . " (24)

هذا وكان تأثير المدينة على اخلاق بطلات قصصه تأثيرا جنسيا وتحلل من من احترام شرف الزوج والاسرة تحلل مشينا وهذا كما فى قصة الستارة - وقصة " لان القيامة لا تقوم " و " الستارة بعد هذا تؤدى عملها مع اختلاف بسيط اذ كانت تستخدم لتحول بين بهيج وبين رؤية الشاب الاعزب اذا كان موجودا فى البيت . ولتحول بينه وبين رؤية الواقفة تحتمي بها لتستطيع ان ترى الشاب ويراها دون ان يلحظها أحد وبالذات بهيج " (25) ومن قصة لان القيامة لا تقوم نقتطف الفقرة التالية :

" والدق لم يعد يستيقظ عليه ، انما قبله من الاقدام الثقيلة وهى تزحف فى الطرق المظلمة كان ينبه ويعرف ان القهوة اغلقت وانها اقدام اسماعيل ابو السباع ولم يكن وحده الذى ينبه والسرير يزيق وتتسلل ساقا أمه وتشخشخ غواشيها ثم الحفيف وفتحة الباب والهمسة الناعمة الصادرة عنها : مساء الخير ، حتى هي التى نبدأ بالتحية - والحشرجة التى مهما بولغ فى جعلها همسة تظل دائما حشرجة بغير معنى ، ثم ، ثم تلتهب عيناه ، وكانما تضيئان بعد هذا كل شئ فى الحجرة " (26) وبعد دراستنا للمكان ننتقل لدراسة الزمان .

اشترك في نشرتنا البريدية