الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "المنهل"

دراسة وتحليل لديوان الشاعر القاسم بن على بن هيتمل

Share

رائع نشاط الاستاذ محمد بن احمد عيسى العقيلي ، في كل ما يمت الى مخلافه السليماني بصلة من قريب او من بعيد . وقد اتسعت دائرة هذا النشاط ، فشملت غير التاريخ " المحض " للمخلاف . . شملت  شعراءه القدامى ، ممثلين الآن في احدهم   أو اوحدهم القاسم بن على بن هتيمل ذلك الشاعر الفحل الواسع الاطلاع على أفانين الثقافة المعاصرة . . والسالفة . . فهاهو  الاستاذ العقيلى يخرج لنا ديوان هذا   الشاعر ، محققا له ودارسا لبيئته وحالته  وشاعريته على النمط الذي يسير عليه محقق المؤرخين المعاصرون . . فقد كان  ديوان ابن هتيمل مغمورا فى رفوف المكتبات الخاصة ، مجهولا مدفونا فيها . . وجاء  مؤرخ الجنوب . . فاستخرجه من مكمنه . .  وابت همته العالية واخلاصه لعلمه ومخلافه  الا ان يحققه تحقيقا علميا . ويطبعه وينشره على نفقته على غرار ما فعل في كتابه عن   تاريخ المخلاف السليماني في جزايه الاول  والثاني .

وفي مقدهة الديوان سرد لنا محققه . ما عاناه من متاعب في سبيل نشر هذا الديوان الزاخر المجهول . . لهذا الشاعر المعلوم في زمنه والمجهول فيما بعد ذلك . . حتى جاء عهد احياء مؤرخ الجنوب لذكراه بطبع ونشر

ديوانه على الآفاق .

حاول محقق الديوان " ترجمة حياة الشاعر . . فتمكن بعد لأي من ان يتوصل إلى انه كان  عائشا في القرن السابع الهجرى . . وصل الى هذا نتيجة مقارنات علمية منطقية دقيقة  . . ولم يتمكن من تحقيق سنتى ميلاده ووفاته . . لان كتب التاريخ اهملت ذلك . . كان الاهمال كان جزاء ادباء الجزيرة بعد  عهد اوائل السلف .

كما حلل شاعريته ونوه بذيوع صيته في  عصره . . كما وصف ما كان عليه من تقلب اتجاهات وتناقض مدائح . . وعلل ذلك باضطراب عصره واضطراره لمسايرة الظروف الطارئة . .

وافادنا بانه خزاعي النسب ، ثم عاد الى تحليل . الاطار الزمني " بالنسبة لحياة  الشاعر . . فحلل مجريات الحوادث في  المخلاف في عصر الشاعر وما قبله مسلسلا  الحوادث التاريخية حتى بلغ بها إلى عصر ابن هتيمل . فافادنا بذلك فوائد مزدوجة ، ثم  صفي لنا الحكم والامثال من شعر ابن  هتيمل ، وجمع اسماء ، مواضع وقرى المخلاف السليماني التى ذكرها الشاعر في ديوانه . . في اماكن متفرقة .

وقدم لنا ترجمة الشاعر كما وردت في بعض المراجع التاريخية

وابدى لنا في ختام مقدمته للديوان ، ان المنشور فى هذا الكتاب هو " مختارات " من شعر الشاعر . . وليس كل ديوانه ، وقد  رتب هذه المختارات على الحروف الهجائية  بخلاف ما كان عليه الديوان . . وكان هذا الترتيب يتمثل فى الطريقة التالية :

اولا - الخلافات والتهاميات . . المديح والمراثى

ثانيا الرسوليات . . وهو ما قاله فى الملوك الرسوليين ووزرائهم ورجال دولتهم

ثالثا- الاماميات ، وتشمل مدائح الإمام احمد بن الحسين والامير احمد بن المتوكل وغيرهما

رابعا - الكنانيات . . مدائح امراء حلى .

-خامسا شعر الغزل .

هذا وتعريفا لمكانة ابن هتيمل الشعرية نورد هنا بعض نتائج دراستنا لشعره :

بديع قوله في مدح ابي بكر بن عمر العبيدى :

انتم يا بني عبيدة كالاجبا

ل حلما وكالشموس ضياء

تردون الردى ظماء الى الم

ت اذا قابل اللواء اللواء

مستقل اذا هو لم يقت

ل عاف الحياة حياء

ولو ان الكرام من كلم كا

نوا حروفا لكنتم اسماء

ولطيف قوله فى مدح الامير قاسم العلوى :

بلد طيب ورب غفور

وعطاء سكب وريح جنوب

والشاعر يؤنث " الخمر فيقول فى  شعره . الخمرة ، . . على ما نسمعه من  بعض عوام المعاصرين ونقرؤه فى بعض

اشعار وكتابات بعض عوام الادباء المعاصرين تبعا وتقليدا اعمى للعامة فى لهجتهم .  وما كنت اظن ان هذه الصيغة سبق ان قيلت حتى اطلعت عليها فى شعر ابن هتيمل . . يقول :

والتحفها تشن ما شنت الخمر

ة فى السكر مدحها والنسيب

ويقول فى قصيدة اخرى :

يعل بخمرة القدح المعلى

خضاب انامل الكف الخضيب

والشاعر مطلع على اكثر الشعر القديم والحديث بالنسبة لعصره . . وهو كثير " المعارضة " لقصائد فحول الشعراء . . يدرك هذا من يتبع ديوانه فتراه تارة يعارض المتنبي وتارة البحترى وتارة ابن الفارض وتارة ابا تمام وتارة عمر بن ابي ربيعة وغيرهم . . وقد يتدرج الى شعراء الجاهلية فنجده يعارضهم . . معارضة اخفي من دبيب النمل . . فله قصيدتان احداهما فيها نفحة من روح النابغة الذبياني والثانية  فيها نسمة من روح عنترة العبسى . . ان لكل مقام مقالا . . وعلى هذا نستطيع ان نعد ابن هتيمل من مجددى الشعر العربي فى عصر ركوده . . القرن الهجرى السابع . . وتجديده فيه تقليد وفيه ابتكار . . وفيه على كل حال روعة و " محلية " محلاة  بالوشى البياني الجميل . . الصقيل .

فى قوله :

حياة المرء صحته ووصل

الاحبة والكفاية والشباب

ينظر الى المتنبي في قوله :

آلة العيش صحة وشباب

فاذا وليا عن المرء ولى

وفي قصيدته فى مدح الامير عبد الله بن

قاسم بن على الذروى ، وهي من الشعر الراقص نلمس قوة المعارضة فيه كما نلمس  تمكنه من ازمة اللغة والشعر مع نفحة من التجديد ومع السيولة والامتناع فكانه تقمص روح عمر بن ابي ربيعة الغزلية اذ يقول :

اذلك طرفه الادعج

كطرف الرشا العوهج

غزال مر بالصب

فما عاج ولا عرج

ضعيف الخصر واهيه

قوى العصب العدمج

فما اتحف ما وشح

بل انعم مادملج

ابخلا بسلام الل

ه يا صاحبة الهودج !

تناءيت فلو عجت

لقومت لى المعوج !

واجريت لى الزعز

ع بعد النسب السجسج

فما المدخل في حبيك

الإعسر المخرج

وفي قوله :

توهمت فى رقي لمن هو خالص

اللقاسم الذروى ام للاحامد ؟

خضارم جود خضرم بعد خضرم

على ويكفى ماجد فقد ماجد

روح خفية من قول المتنبي :

وانت ابو الهيجا ابن حمدان يا ابنه

تشابه مولود    كريم  ووالد

وحمدان حمدون . وحمدون حارث

وحارث لقمان ولقمان راشد

وقوله في الامير القاسم الذروى يذكره بوقعة بيش ووجوب العفو والصفح عن الخارجين عليه من بعض القبائل :

هم منك في العرق البتولى من اب

وام ومن عم وخال ومن جد

اذا  نسبوا في مشهد جمعتكمو

اصول كمثل السلك منتظم العقد

يشبه الى حد بعيد قول المتنبي لسيف

الدولة فى مثل هذا الموقف :

وكيف يتم باسك في اناس

تصيبهم فيؤلمك المصاب

وقوله فى مدح الامير خالد الذروى :

يرد الكريهة دارعا او حاسرا

طلب المنية صادرا او واردا

يقظان اقتل من مسودة القنا

رايا ومن بيض السيوف مكائدة

يحلو لعينك راكبا او ذاهبا

او ناهبا او واهبا او زاهدا

مقتبس الى حد بعيد من قول المتنبي في ممدوحه :

سل عن شجاعته وزره مسالما

وحذار ثم حذار منه محاربا

الى ان يقول :

أن تلقه لاتلق  الا قسطلا

او جفلا او طاعنا او ضاربا

او هاربا او طالبا او راغبا

او راهبا او هالكا او نادبا

وقوله :

وحر النفس ان نزلت ضيوف

عليه رايته للضيف عبدا

هو نفس المعنى الذى طرقه الشاعر القديم :

واني لعبد الضيف ما دام نازلا

وما شبه لى غيرها تشبه العبدا

وقصيدته العصماء ، في  مدح الرسول صلى الله عليه وسلم . والتى مطلعها :

لولا محبة اهل الدار والدار

ما غاض صبرى وجفني ماؤه الجاري

ولا عكفت واصحابي تعنفني

ماذا تحبون من نؤى واحجار ؟

لا تخلو من نفحة شذية من قصيدة قالها النابغة الذبياني في نفس الوزن والقافية . . وبنفس السهولة والروعة ، ومطلعها :

عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار

ماذا تحيون من نؤى واحجار

و " سينيته " اللامعة التى قالها على لسان الامير قاسم بن على   الى المبارز على بن  الحسن بن برطاس القائد الرسولى وزير   الملك المظفر والتي يقول فيها :

اياك تطلب من على موئلا

فعلى حسبك في الندى والباس

عضد الخلافة والزعيم ليوسف

بالنصر ، والجبل الاشم الراسى

يضع الهناء مواضع النقب الذي

يدوى ويبني الملك فوق اساس

فيها " لمسة " من " سينية " ابي تمام

التى مطلعها :

مافي وقوفك ساعة من باس "

و " لاميته التى مدح بها الامير " وهاسا ،  ومطلعها :

اجيران وادى الاثل ما فعل الاثل  وما علمكم بالرمل هل سقي الرمل ؟

وقد قال فيها :

وقالت ونبل البين ترشقنا به

قسى لها فى كل جارحة نبل

تجرع اجاج الصرم واصبر على النووى

فلولا اجاج الصبر ما عذب الوصل

اشتم فيما رئحة لامية ابن الفارض التى مطلعها ( :

هو الحب فاسلم ما الهوى بالحشا سهل

فما اختاره مضنى به وله عقل

و " ميميته " التى قالها على لسان الامير خالد الذروى والتي يقول فيها :

أتت خيلنا عشرون لا شئ غيرها

وهم مائتا علج فصيح واعجم

سن كناهم في غيرة جاهلية

تداعس فيها كل اعجم طمطم

ترى الخيل تردى فارسا نحو فارس

كفاحا ويمشى ضيغم نحو ضيغم

فكم من عزيز السلب ليث غشمشم

ثوى جزرا من بأس ليث غشمشم

تساير من قريب معلقة عنترة . .  

للبحث بقية في العدد القادم ان شاء الله ،

اشترك في نشرتنا البريدية