الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

درجتان في الكتاب ونمطان من اللغة

Share

هذان فصلان من قصتين : الأولى بعنوان (( العابرون)) ، والثانية عنوانها (( اللاهون )) وقد نشرت من الأولى بعض الفصول على صفحات هذه المجلة ولم أنشر من الثانية شيئا . وقد أردت بعنوان (( درجتان فى الكتابة ونمطان من اللغة )) أن أدلل على طريقتين فى الكتابة تخضعهما اللغة التى يختارها الكاتب .                    الكاتب

- 1 - العابرون ( * )

(( . . . لم يكد يخرج على الى الشارع حتى ضج الغبار متصاعدا ملتويا كالتواء الثعابين ثم همد لحين ليعاوده الحنين مرة أخرى . فكأن الأرض ضاق بها الحال فتنهدت وتأففت طويلا ثم خمدت منها الأنفاس لحظة ، حتى تستكمل قواها من حديد عاتية غلابة . وأغمض على عينيه من القذى ولكنه ناله ، وضم شفتيه ولكن فمه امتلأ غبارا فتنفس وشم رائحة التراب جافة اذ لم تعرف منذ زمن طويل نعيم الندى فتوغل فى الطريق الرئيسية وما أن شارف السوق حتى سمع وراءه ركضا وصوتا يصيح :

- بالك يا محمد كلاك البارود ( ابتعد يا محمد فقد يصيبك الطلق النارى ) . فابتعد واذا بسيدى عمار يجرى وقد صوب عصا غليظة أمسك بها كالبندقية كأنه بهاجم عدوا ثم وقف وأمالها نحو الأرض وصرخ بصوت أجش يحاكى طلقة نارية :

- بف .

ولم يهتم على بما يقوم به هذا المعتوه اذ أصبح ينظر الى الدنيا نظرة أخرى وأصبح يرى ما لم يقدر على رؤيته من قبل . لم يكن يشعر عندما كان صغيرا أن هذه الدور والدكاكين المبعثرة على جانبى الشارع حقيرة صغيرة تبعث الكآبة فى النفس . انه لم يذكر يوما أن أحدا من أقربائه (( العقلاء )) تذمر من هذا القبح . وحاول أن يجد له تفسيرا . كل ما ظهر للعين بصورة من الصور فهو الواقع الذى كتب له أن يقع لا مرد له اذ هو قضاء وقدر .

لم يكن يشعر بالاستغراب عندما كان يسمع من أمه أو بعض اصحابه أن الجار بات هو وعائلته فى منزل من هذه المنازل الحقيرة يتضور جوعا فى ظلام دامس ولم يفطن اليه أحد ولم يدر بخاطره أن يشعر أحدا بذلك . هو الحياء من الفقر والجوع وهو الصبر والقناعة . وهى خلال محبوبة يشيد بها خاصة بعض الاغنياء ويذكرونها فى اجلال واكبار .

وهو لم يكن يستغرب ايضا عندما يبلغه خبر هلاك عائلة كاملة مرضا وجوعا لأن أهل القرية كلهم لم يكونوا قادرين على الاستغراب . فهم يبحثون دائما عن خطيئة صدرت من رب العائلة أو من أبيه أو جده ليبرروا نقمة الله : لقد كان جده (( سرابا )) يخفى المسروق فى البيت الذى يسكنه حفيده أو كان أبوه يتزوج الأرامل ويمتص ثروتهن ويطلقنهن وقد قيدهن الفقر والذبول ، أو كانت أمه شريرة ذاقت منها حماتها العجوز الضريرة الويلات والويلات حتى خرجت من الغرفة يوما رافعة الى الله يديها شاكية باكية فسقطت فى البئر ولاح لها نور البصر ثم ماتت بعد يوم وبضع ليلة عطشا وظمأ الى حياة جديدة .

وهو لم يكن ليستغرب أيضا عندما يمر أمام بيت من البيوت ويرى الصغار يجيئون ويذهبون ويسمعهم يرددون بأصوات ترن نشوة وسعادة :

- يا سعادتنا الليلة ، عشانا باللحم وباش نشعلو فتيلة ( لقد كمل حظنا الليلة ، وسنأكل اللحم ونضئ البيت بفتيلة من الزيت ) .

أو يرى بعض الصغار يمد كفه ويمررها أمام أنوف اصحابه ليشموا رائحة اللحم التى حاول الابقاء عليها ليوهم نفسه ويوهمهم بالغنى . وهو لم يكن ليجد فى سلوك جاره امرا غريبا عندما يشترى اللحم ويشكه

فى خيط بعد أن يعد القطع قطعة ، قطعة ، اذ على زوجته أن لا تفك عقالها وأن تتركها تغلى فى القدر وهى مقيدة حتى تتهيأ الى الزوج الحازم فيطلق سراحها ليدخلها فى الحين الى عالم الظلمات . ولم تنقصه الحجة فى ذلك اذ كان يخاف على عياله من ضغط الدم عند الاكثار من أكل اللحم بينما المرق وحده فيه شفاء للنفوس .

لقد ضجت هذه الذكريات بنفسه كما ضج الغبار وأخذت تتوارد عليه متزاحمة فى غير نظام : هو بين الحنين اليها لانها تذكره بطفولته وتشده الى قومه وتذيقه طعما هو نكهة القدم ، وبين الكفر بهذا الخنوع والاستسلام ، شعور ممزق وأسف ممض وضرب من الصراع لا ينى يخد جبينه خدا وتغور له عيناه لتنظر الى أبعد من ماضيه وتخفى غشاوة الاسى والحزن الساكن بهما .

أين هو من طمأنينة طفولته الوادعة الضحوك بين اقرباء يذيقونه من حلاوة التبجيل والتقدير لأجل مكانة والده وهو فى غفلة غافلة ومن هذا الجحيم الذى فتح له بموت والده .

أعاد سيدى عمار مرة أخرى صرخة البارود واعترضه فى طريقه سالم فحذره مثلما حذر على :

- بالك يا محمد كلاك البارود . كلهم محمدون عنده ، استووا دينا واخلاقا وجاها ورهبة وخوفا منه ومن كراماته وحيرة أمام غموض شخصه .

لقد سر على بظهور سالم اذ مر زمن طويل على مفارقته له وبعد السلام الحار أكد له سالم أن هذا (( الولى )) صادق فى اشاراته وأن كارثة ستحل بهذا البلد . لم يجادله على فى قوله وسكت لأنه تعلم من تجربته القاسية أن السرعة فى الحكم على الاشياء أو لها هى الجهل المطبق . فالى أى رأى سيستند ؟ الى ما تعلمه من تيهه فى الحياة فلا معلم ولا مرشد اللهم الا القسوة الشاملة والمعاملة السيئة والتلف النفسى ؟ كل شئ له براهينه وأدلته ومستنداته وكل له مقاييسه المتلونة كالحرباء . ليس من حقيقة مطلقة فى مجتمعه الا الانحناء أمام القوة ولا من باب لضمان الرزق الا الخنوع . فاذا انت عرفت كيف تنحنى وتحنى ظهر من هو أضعف منك فذاك فوزك . واياك اياك أن لا تجد من تحنى له ظهره فذاك هو التلف بعينه .

وبينما كان سالم يحدثه اذ بهما يسمعان عن بعد جلبة عظيمة وأصواتا تترنم بأغان شجية تصحبها جماعة كبيرة تتقدمها ثلة يظهر عليها الوقار . بادره سالم وأعلمه بأن هؤلاء هم الحجاج رجعوا من مكة المكرمة وكان فى الحسبان أن يدخلوا عشية أمس الى البلدة ولكنهم حطوا الرحال فى البلدة المجاورة وأكرمهم اهلها وبالغوا فى اكرامهم حتى سقوهم (( اللاڤمى القارص )) وسكروا سكرا شديدا من اجله تعذر عليهم مواصلة السير فباتوا ليلتهم هناك .

تقدم الجمع ووصلوا الى بطحاء السوق حيث وقفوا ليهنئهم الناس وتقدم على فلمح (( المدب الفالت )) من بينهم فأسرع فى مشيته ووضع الدراجة على حدة ووقف أمام المدب فرأى أن الشيب زاده وقارا رغم انحناءة خفيفة أخفاها البرنس . بارك له حجته وقبله فشم رائحة (( اللاڤمي )) . وبادره قائلا :

- كيف كانت حجتك . - عناد ٠٠٠عناد ٠٠٠ (أى لم تكن الا مماراة ) . لم يحر على جوابا ولكن سالم أعلمه أنه عندما ودع القوم الحجيج فى ذهابهم خارج البلدة رأوا رجلا يجرى ويتعثر أمامهم باكيا مولولا . فلما أخذوا بيده وجدوه (( المدب الفالت )) وهو يعيد عليهم هذه الكلمة بين الشهقة والشهقة :

- شوقت ... شوقت . لقد انتظره القوم حتى جهز . وها هو اليوم يعود مخمورا ولا يجد ما يقول غير أن حجته ليست الا مماراة لا طائل تحتها .

قال سالم : - ما عادش يضبط ( لقد اختل عقله ) . وبينما هما كذلك اذ برجل يقود جملا ويصيح فى الناس : - دعاء الاستسقاء . . دعاء الاستسقاء . . ان شاء الله ربى يرحمنا . . . دعوة الحجاج مستجابة .

وينتظم القوم فى صف متلائم ويسيرون داعين مستخيرين الله ويمرون بسيدى عمار ويحملونه عنوة على الجمل وهو يصيح :

- يا وجوه النساء . . يا قلوب سوده . . اطلبوا ربكم يعطيكم . . . يا دين كذا كذا . . . هبطونى . . . هبطونى . وينزلوه من فوق الجمل ويبتعد عنهم ويطلق ضحكة ساخرة تعلو دعاءهم فتفتته وتنثره هباء ....

- 2 - اللاهون

(( عندما كان (( رستمار )) طفلا يتطلع الى كنه الحياة مشتاقا الى اكتشاف عالم الكبار ، محاولا حل الغازه عثر - وهو الشغوف بالكتاب - على جزء من الف ليلة وليلة ، تناثرت أوراقه ، واصفر لونه ، وعشيت كلماته ، وأكلت من رونقه الأيام .

غرق فى ليالى حروفه مستجليا مغلقاته ، ونثر من أقماره زمرا ، ومن أهلته أشتاتا ، وشق من ظلماته أستارا . فانكشفت له شهرزاد ، وكأنها لم يدركها صباح ، ولم تبح بكلام لشهريار ، ولم يكحل عينها نوم ، فلم تسكت . لم تسكت (( لرستمار )) وأسرت فى أذنه هامسة :     (( عجز الانسان فانطلق اللسان ، وانفتح الخيال )) . وانطلق من خوارق السحر وعجائب المخلوقات وغرائب الاصقاع . فهاله ضعف الانسان وتشتت قواه وزيف جهوده وقال فى نفسه معرضا عن شهرزاد :

(( ما روعة ألف ليلة وليلة الا فى الضآلة استحالت قوة والتفاهة انقلبت عتوا)) . ومضت الايام وأعرض عن ألف ليلة وليلة وخاض الزمن وأحب واقع الناس وأقبل بكل حوارحه يعب من قصة الانسان فى وعيه لضعفه ووصفه لبؤسه وبكائه المصير . فتذكر شهرزاد وقال لها لو كانت تعى :

(( الآن انقطعت صلة انسانك بانساننا وبطل السحر وآمن الانسان بعجزه )) .   وقفز الفكر قويا و كفر بالضعف والتهالك واستبد بالطبيعة يخضعها ويصنعها صنعا . وانطلق بكيانه الى مجالات الفضاء واصبح الخيال خلقا ووجودا وصارت قصة الانسان بلا قصة . فانفتحت له من فراغ الوجود كوة وأطلت منها شهرزاد وقالت بنبرات الواثق : (( الآن انتهى الانسان )) .

قال فى شعور اللاشعور : (( آن أوان الانسان واكتمل لهوا )) والتهم الحوار فيض نفسه .

شهرزاد : انسانك اكتمل قوة واقتدارا فهو عفريت من عفاريتى ألجمت به بطش شهريار ، وأطفأت عاصفة نفسه وقتلت جامح الانتقام فيها وأججتها عاطفة خلاء ، فهى الى ضياع .

رستمار : شهريار شبح لياليك ، وعفارينك طعام وحشتك ، وأبطالك أكلهم الشقاء ، شقاء انفسهم انك انتقمت منهم جميعا وشفيت غلتك من الانسان خوفا من الانسان .

شهرزاد : هربا من الموت وافلاتا من القدر ، قدر شهريار . لم أحس بوجودى احساسى به فى تلك الليلة ، فى تلك اللحظة ، أنا لم أكن كائنا قبل ذلك بل هبة نسيم ونفحة عطر . وهل للنسيم أن يشعر بهبوبه وللعطر أن يشم عبيره ؟ ما عرفت قبل أن لجسمى تلك النعومة ولا لانفاسى ذاك اللهيب .

رستمار : حكت لى جدتى لأمى أن زوجها الاول عمر طويلا وكان فارع الطول موفور الصحة ، ذرب اللسان . وكان له صديق عاشره عشرة تعاطف وتآلف . وفى يوم من أيام عقده التاسع جدت بينهما نفرة فتنابزا بالألقاب كأحد ما يكون التنابز ورشقه صاحبه بلفظة أماتت الحجة فى حلقه وأحالته شخصا غير الذى كان .

شهرزاد : كما أمت أنا الكلمة فى حلق شهريار طيلة ألف ليلة وليلة . رستمار : صاح صديقه فى وجهه قائلا : يا أعرج . فما كان من جدى الا أن مد رجله ونظر اليها ثم رفع بصره الى حيث الافق هامسا : نعم ما فطنت الى ذلك ولا خطر لى منذ تسعين عاما . واعتل من ساعته ومات فى يومه الثالث . شهرزاد : لم يحتمل كونه الأعرج .

رستمار : أما أنا فقد خفت أن يكون بزوغ فجر الليلة بعد الألف سقوط جذوة نفسك ونهاية أمرك . شهرزاد : نعم كان فجرا لنهاية تتابع الميلاد وتعاقب الخصب ، فجرا قتلت فيه شهريار ونفخت فى روحه العجز والتخاذل .

رستمار : دفعته الى نهار أشد ظلاما من لياليه تلك : تنقشع عن دم مسفوك وعرض مهتوك . شهرزاد : احلته انسانا . رستمار : أكلما عبر الكائن دفقة الحياة وألقى به تيارها فى خضم الوجود فاصطدم بصخوره وعضته أنيابه وتنكر لنفسه ولأصيل كيانه سميته انسانا . إنسانى تجاوز التيه ، فلم يعد يحفل بالفرد يثبت وجوده بالتساؤل والشك والعبث أو يقر حضوره بالفعل كرد فعل وبالثورة كغضبة طفل ، انسانى تجاوز التيه وانصرف الى الخلق ، خلق نفسه ، خلق الانسان .

شهرزاد : ( ساخرة ) انسانك اكتمل لهوا ؟ رستمار : لم تكونا فى ليلتكما الاولى ، أنت وشهريارك ، الا سكون الزمن وتردد الحركة انكما لم تعيا كونكما ، أنت غضة جميلة لم تعرفى الحياة ولم تسبرى طاقة نفسك . وهو عاصفة عاجزة عن التوقف والتروى . شهرزاد : ولكن كانت ألف ليلة وليلة .

رستمار : افترقتما فيها افتراقا حسبته الفاصل بينكما . وظننت أنك الخلق والطاقة وتجاوز الكيان واللهو المتناهى وشهريار الحيرة والشك واحتمال الوجود ، والكون الأخرس . ولكنكما التقيتما فى الليلة بعد الألف وكان لم يكن خلقك وكأن لم يكن تيهه . وعفا عنك وأحلته أبا . انكما انتهيتما الى حيث انطلقتما . فكانت لياليك زيفا وخلقك تردد خلق وتمتمة حياة .

شهرزاد : وكانت نهاية شهريار . رستمار : وانتهاؤك شهرزاد . اعلمى أنه لا يكتمل الانسان لهوا الا بالخلق خلق نفسه ، خلق الانسان . وامتلأت عين (( رستمار )) من نور الصباح وخمدت جذوة الكلمة واستحالت هشيما وانقطعت الرؤية . وانكب على مخطوط أمامه يقلبه ويفحص أوراقه المتناثرة ويحاول أن يجمع أوله بآخره ويرتب صفحاته فى حيرة تارة وعجب أخرى . وأين له أن يعرف الاول من الآخر والتابع من المتبوع ؟ وقد خلت الورقات من الرقم واختلطت كاختلاط الحياة فى ظاهرها : القشور باللب والزائف بالصلد ...

اشترك في نشرتنا البريدية