لا أدرى مني ظهرت أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم ، وان كان تتبعى لهذا البحث يجعلنى اعتقد ان ذلك لم يكن قبل القرن السادس الهجرى . أما اهتمامى بهذا الموضوع فيعود الى طفولتى حيث كلفني قريب لى ان افتش له في مكتبات دمشق عن ترجمة لمعانى القرآن الكريم باللغة الفرنسية ليهديها الى صديق له فرنسى ، ولم اعثر يومئذ على طلبه ، ولكن هذا الموضوع بقى شاغلا ذهني حتى عثرت لا على ترجمة واحدة ، بل على ترجمات كثيرة : بعضها لمستشرقين مغرضين ، وبعضها لكتاب غربيين لا يحسنون العربية ، وبعضها ليهود ، واخرى لقاديــــــانيين ، ورافق عثورى على هذه الترجمات رؤيتي لبعض زنوج امريكا ولافراد من أفريقية السوداء يقرأون في صلواتهم النصوص الفرنسية أو الانكليزية ، ويتعبدون الله بها . وقد استرعى انتباهي خلال مطالعتي لهذه الترجمات اشياء غريبة تكاد لا تصدق ، فالمترجمون المسيحيون يحاولون جعل القرآن مؤيدا للانجيل وتابعا له ،
واليهود يترجمون على انه من وضع سيدنا محمد صلوات الله عليه ، والقاديانيون يبرزون في تراجمهم عقيدتهم وآراءهم . حتى اهل السنة اخفقوا وخابوا ، وكان الفشل
حليف الجميع . وبين يدي الآن ترجمتان لرجلين من أهل السنة ، احدهما الدكتور محمد حميد الله باللغة الفرنسية وثانيهما لعبدالله يوسف علي باللغة الانكليزية ، وسأقصر بحثي عليهما لاسيما للثقة المعقودة بهاتين الترجمتين .
ترجمة معاني القرآن الكريم للدكتور محمد حميد الله
يضم هذه الترجمة غلاف كتب عليه : Le Saint Coran وترجمتها الحرفية (( القرآن الكريم )) أو (( القرآن المقدس )) وهذه الكلمة اذا وضعت لا يمكن اطلاقها الا على القرآن الكريم المنزل من رب العالمين ، ولا يجوز اطلاقها على تفسير أو ترجمة أو غير ذلك . ولكن هذه الترجمة لا تحوى من اللغة العربية الا :
١ - بسم الله الرحمن الرحيم . وردت في الصفحة الخامسة من المقدمة ، أما الصفحات الاربع السابقة لها فقد نزعت من مكانها لانها تحمل مقدمة للمستشرق الفرنسى ماسينيون .
٢ - سورة الفاتحة ، وقد جاءت على الصفحة الثالثة من الترجمة .
٣ - أوائل سورة البقرة حتى قوله تعالى : (( وبالاخرة هم يوقنون )) .
وما عدا ذلك فالترجمة لا تحوى حرفا عربيا آخر . وقد استرعى انتباهي ما كتب على الغلاف La soint Coran
ترجمة معاني القرآن الكريم لعبدالله يوسف علي
تضم هذه المترجمة المطبوعة عام ١٩٦٨ : بيانا من ممثل اللجنة العلمية بدمشق
الشيخ أحمد القاسمي . وفيه يقول ان اللجنة قد انكبت على تلاوته من قوله الى آخره ، وصححت بعض الاغلاط البسيطة الصادرة عن الناسخ بطريق السهو وقد يتوهم القارىء للترجمة ان اللجنة العلمية راجعت القرآن الكريم ، والترجمة الانكليزية مع أن المراجع هو القرآن الكريم ، اما الترجمة فلم تدخل في نطاق هذا التدقيق والتحقيق . أما الترجمة فقد صيغت بقالب شعرى غير مقفى ، وكأن مترجمها قد نظمها على طريقة الشعر الحر .
وقيل ان ابدأ فى قراءة الترجمتين ، كانت اسئلة كثيرة تجول بخاطرى .
نقاط استفهام حول فكرة الترجمة
قلت في نفسي : هل يجوز ترجمة القرآن الكريم لفظا او معنى ؟ هل يمكن ترجمته ؟ هل تحمل ترجمة القرآن بلاغته وفصاحته وبيانه ؟ هل في القرآن الكريم أسرار الهية ؟ وهل باستطاعة المترجم ان ينقل بترجمته هذه الاسرار ؟
هل يصح التعبد والاستشفاء بالترجمة ؟ هل يجب علينا ان نتطهر للمس الترجمة وقراءتها ؟ هل لنا من الثواب في قراءة الترجمة ما لنا في قراءة الاصل ؟
هل يجزؤنا إذا عاد للاسلام عزه (( وسيعود باذن الله )) أن نقرأ الترجمة على المشركين لنقيم حكم الآية : (( وان أحدا من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله )) ؟
هل امر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بترجمته او ترجمة بعض آياته للرومية أو الفارسية ، أو القبطية ، أو الحبشية ، وقد عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابها للاسلام ؟
هل يجوز للافريقي الذي لا يعرف الا الفرنسية أو الزنجي الذي لا يعرف الا الانكليزية أن يتعبد الله بهذه الترجمات ؟ هل يجوز استنباط الاحكام من الترجمة ؟ اللغات الاخرى ثمارها ؟ وهل . . وهل . .
نظرة عجلى على الترجمتين
* الترجمة الفرنسية :
تبدأ الصفحة الاولى من المقدمة بما يلى : بسم الله الرحمن الرحيم Auteur du Coran
وكلمة Auteur تعني المؤلف ، الصانع ، المبتكر ، المخترع ، المصنف ، أو الذى فعل الفعل . وهنا تساءلت من جديد فقلت أيجوز أن نطلق هذه الالفاظ على الله عز وجل فنقول مؤلف القرآن ، أو مخترعه ، أو الذى فعله ؟ وتذكرت فتنة المعتزلة عند قولهم بخلق القرآن . وتذكرت محنة المسلمين .
وتابعت القراءة : فاذا بي أجد على الصفحة الاولى ترجمة سورة الفاتحة وقد كتب الى جانبها باللغة الفرنسية Prologue وقد جاءت منكرة غير معرفة ، وتعني هذه الكلمة باللغة الفرنسية : الاستهلال ، أو الافتتاحية ، أو المقدمة . فقلت ان كلمة الفاتحة اذا أطلقت عرف كل عربي أنها فاتحة الكتاب ، فهل تنوب كلمة المقدمة عنها ؟ وهل فاتحة الكتاب هى مقدمة للقرآن الكزيم ؟ أم
هي افتتاحية تمتاز ببراعة الاستهلال ؟ والى جانب كلمة Prologue جملة اخرى هى Les Sept Repetés وهذه الجملة اذا
ترجمناها عنت السبع المكررات ، أو السبع المعادات ، وقلت هل تعني السبع المثاني ، السبع المكررات أو المعادات ؟
ثم انتقلت الى سورة البقرة فاذا بي أجد ترجمة لأحرف أوائل السور وأولها ( ألم ) وقد كتب الى جانبها بالفرنسية : Alif , Lâm , Mim senter les chifres de l à ١٠٠٠ des les lettres Separées voici la liste des lettres de l' Alphabet Arabe avec leurs valeurs numerique
Alif = ١ Ba = ٢ ojim = ٣
وترجمة هذه الجملة :
ألف . لام . ميم . تشعر بالارقام من واحد الى ألف فى الاحرف المفرقة ، وهذه قائمة بالاحرف الابجدية مع قيمتها العددية : الألف = ١ الباء = ٢ الجيم = ٣ الدال = ٤ الهاء = ٥ الواو = ٦ الزاى = ٧ الحاء = ٨ الطاء = ٩ الياء = ١٠ الكاف = ٢٠ اللام = ٣٠ الميم = ٤٠ النون = ٥٠ السين = ٦٠ العين = ٧٠ الفاء = ٨٠ الصاد ٩٠ القاف = ١٠٠ الراء ٢٠٠ الشين = ٣٠٠ التاء = ٤٠٠ الثاء = ٥٠٠ الخاء=٠٠ ٦ الذال = ٧٠٠ الضاد = ٨٠٠ الظاء =٠٠ ٩ الغين = ١٠٠٠ وعدت الى التساؤل من جديد فقلت هل المقصود من أوائل السور قيمهتا العددية ؟
الترجمة الانكليزية :
قلت في نفسى : حسبي من الترجمة الفرنسية ما قرأت ، ولألق نظرة على الترجمة الانكليزية .
جاء في الصفحة السابعة عشرة من الترجمة ترجمة سورة البقرة :
( ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ) والى جانب ذلك ذكر في اللغة الانكليزية : A . L . M This is the book In it is guidance sure without doubt t those who fear God
وترجمة هذا الكلام : آ . ل . م هذا هو الكتاب فيه هداية مؤكدة دون شك للذين يخشون الله
فقلت في نفسي أين كلمة لا ريب ؟ وكلمة لا ريب للتوثيق والتأكيد على ان هذا الكتاب هو القرآن الكريم كلام رب العالمين ، وخرجت من تساؤل بأن المترجم ما كان ليدع كلمة : ( لا ريب ) لو ذاق حقيقة طعم العربية .
وهل جاء القرآن الكريم المعجز للخلائق جميعا بأسلوب الشعر الحر غير المقفى ؟
لغة القرآن العربية
ليس في كتب العهدين القديم والجديد ما يشير الى وجوب قراءتهما بلغة معينة ، أما القرآن الكريم فقد نزل بلسان عربي مبين ، وأكد الله عربيته في مواضع كثيرة ، ولا شك ان هذا التأكيد يعني شيئا معينا ، وهذه بعض المواضع :
١ - ( ولقد نعلم انهم يقولون انما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون اليه اعجمي وهذا لسان عربي مبين ) النحل : ١٠٣
٢ - ( نزل به الروح الامين . . على قلبك لتكون من المنذرين . . بلسان عربي مبين الشعراء ١٩٥،١٩٤،١٩٣ )
٣ - ( وكذلك أوحينا اليك قرآنا عربيا لتنذر ام القرى ومن حولها ، وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه ، فريق في الجنة وفريق في السعير . . ولو شاء الله لجعلهم امة واحدة ) الشورى : ٧،٦
٤ - ( ومن قبله كتاب موسى اماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين ) الاحقاف : ١٢
وما ذكرت هذه الآيات لتعدادها ، بل لاستنبط منها نظرية الامة ومقوماتها .
مقومات الامة في القرآن الكريم ( ١ )
لو رجعنا إلى الآيات المؤشر تحتها آنفا وإلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فى احدى خطبه الجامعة (( أيها الناس ان الرب رب واحد ، والاب أب واحد ، والدين دين واحد ، وان العربية ليست لاحدكم بأب ولا أم ، انما هى اسان فمن تكلم العربية فهو عربى )) .
وإلى ما ورد مرفوعا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما رواه ابو هريرة رضى الله عنه (( من تكلم بالعربية فهو عربي ، ومن أدرك له ابوان في الاسلام فهو عربي )) .
وإلى حديث : (( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الثاني منهما )) استطعنا أن نستنتج نظرية الاسلام في حقيقة الامة وكيانها . وانى أراها هنا تقوم على ثلاثة أركان : ١ - العقيدة ٢ - اللغة ٣ - الوحدة السياسية
هكذا أراد الله ورسوله لنا أن نكون امة واحدة ذات عقيدة واحدة هى عقيدة الاسلام ، نتكلم لغة واحدة هي لغة القرآن ، وهي لغة الانذار للعرب وغيرهم نعيش في دولة واحدة لها رئيس واحد .
ولو ان المسلمين ادركوا هذه الحقيقة لكانت الامة الاسلامية اليوم ، امة عربية مسلمة ، تزيد عن الستمائة مليون يدينون بدين واحد ويتكلمون بلسان واحد ويجمعهم كيان سياسي واحد ولكانوا أقوى شعوب الارض ، بل لو أنهم دانوا بهذا المبدأ ، ما أمكن لخصومهم أن ينالوا منهم وربما كان اهل الارض جميعا مسلمين ولو انهم دانوا بهذا المبدأ لما وجدت فكرة القوميات طريقها الينا .
ومن اوائل علمائنا الذين انتبهوا لهذه الفكرة ابن تيمية رضي الله عنه اذ قال في كتابه (( اقتضاء الصراط المستقيم )) ص : ٢٠٧
(( اعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في الخلق والدين ويؤثر ايضا في مشابهة صدر هذه الامة من الصحابة والتابعين ، ومشابهتهم تزيد في العقل والدين والخلق ، وايضا فان نفس اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب فان فهم الكتاب والسنة فرض ولا يفهم الا بفهم اللغة العربية )) .
قراءة الفاتحة باللغات الاجنبية في الصلاة
على ان ثمة من قال بترجمة الفاتحة فقط ، واجاز الصلاة بها وهو الامام ابو حنيفة الا ان هذا القول لم يكن مدعوما عنده بدليل ورجع عنه الامام ابو حنيفة الى رأى صاحبيه ، جاء في رد المختار على الدر المختار لابن عابدين ( ج ١ ص ٣٨٥ ) وهو اوثق كتب المتاخرين من الحنفية :
" وكره الدعاء بالعجمية لأن عمر نهى عن رطانة الاعاجم ، والرطانة كما في القاموس الكلام بالاعجمية ، ورأيت في الوالجية في بحث التكبير بالفارسية (( ان التكبير عبادة لله تعالى ، والله تعالى لا يحب غير العربية ، ولهذا كان الدعاء بالعربية اقرب للاجابة فلا يقع غيرها من الالسن في الرضا ، والمحبة لها موقع كلام العرب . . ان الامام رجع الى قولهما بعدم جواز الصلاة بالقراءة بالفارسية الا عند الضرورة وقد هاجم المالكية هذا الرأى وقالوا (( ان من لا يحسن قراءة الفاتحة يجب عليه تعلمها اذا امكنه ذلك ، فان لم يمكنه وجب عليه الاقتداء بمن يحسنها ، فان لم يجده ندب له أن يفصل بين تكبيره وركوعه ، ويندب أن يكون الفصل بذكر الله تعالى )) . والحنابلة يؤيدون هذا الرأى جاء في المقنع ( ج ١ ص ٥٣٠ من الشرح الكبير ) : (( فان لم يحسن شيئا من القرآن لم يجز أن يترجم عنه بلغة اخرى . . . ))
رأي السيد المنتصر الكتاني
وقد اطلعت على رأى سديد للعلامة الاستاذ السيد المنتصر الكتاني في محاضرة القاها في جامعة دمشق وطبعت في مطبعة جامعة دمشق عن الامام مالك ، اذ يقول في الصفحتين ١٥٨-١٥٩ :
(( فرض مالك على المسلم ليكون مسلما حقا تربية وتعلما وعقلية وأدبا ان يدرس لغة العرب ، ليفهم القرآن العربي بلغته ، ويطيع أوامر السنة ونواهيها ، وعيا وامتثالا ، بلغة صاحب الشريعة العربي صلوات الله وسلامه عليه ، فاستعرب المغرب ، وترك لغاته المحلية ولهجاته ، واصبح ضمن الاسرة العربية لغة ونسبا ، دينا ومجتمعا .
بمالك استعربت الاندلس ثمانية قرون
وبمالك استعربت ايطاليا الجنوبية عدة قرون ، وبمالك استعربت فرنسا الجنوبية قرنين كاملين ونيفا وما غلب مذهب مالك على أرض الا واستعربت ، ولا غلب على قوم الا واستعربوا . ولو ظفرت شعوب المسلمين من ترك وفرس وهنود واعاجم . . . من تلاميذ مالك المغاربة لاستعربوا من قرون ولكانوا في جماهيرهم ومجتمعاتهم أقدر مني على فهم الاسلام ونشره )) .
ولقد وقفت طويلا أمام قوله : فاستعرب المغرب ، وقوله : ولو ظفرت شعوب المسلمين بتلاميذ مالك المغاربة لاستعربوا ، وقلت ليست هذه اولى حسنات مالك فالقوانين الوضعية في العالم تدين لابيها الفرنسى والقانون الفرنسى يدين لمالك ، ولولا جحود القانون الفرنسى ابوة مالك وعقوقه له ، لكان مذهب مالك يحكم الارض ، أى كانت شريعة الاسلام تحكم الارض .
ترجمة القرآن مستحيلة
قد تتكرر الكلمة الواحدة في القرآن الكريم
ولكنها في كل مرة تأخذ معنى جديدا ، وهاتان كلمتان اذكرهما على سبيل المثال هما كلمتا كتاب وكتب فقد وردتا في القرآن الكريم في مواضع كثيرة ومعان متعددة ، فتارة تأتـي كلمة الكتاب بمعنى القرآن واخرى بمعنى الاجل ، وثالثة بمعنى الشريعة ، ورابعة : بمعنى صحيفة الانسان يوم القيامة وخامسة بمعنى الانجيل والتوراة ، وسادسة بمعنى اللوح المحفوظ ، وسابعة بمعنى الحكمة ، وثامنة بمعنى الرسالة . والعربي يستطيع أن يميز بين هذه المعانى لمعرفته باللغة العربية ومن سياق المعنى ، ولكن الغريب عن اللغة ، لا يفهم للكتاب الا معنى واحد ، هو الكتاب الذي يدرسه الطالب في مدرسته ويقرؤه المتعلم في مكتبه ، كتاب من كتابة بشر ، له مؤلف خاص ، وموضوع معين ، اما هذه المعانى فلا يدركها الغريب عن اللغة من وراء هذه الكلمة ، والترجمتان الفرنسية والانكليزية استعملتا كلمة الكتاب في اكثر هذه المواضع وهذا بيان ببعض هذه الكلمات التى تدل على الكتاب والكتابة مع ترجمتها :
الآية القرآنية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم ( ومعنى كلمة الكتاب فى هذا الموضع : القرآن الكريم ) اقرأ كتابك = أى افرأ صحيفة اعمالك (( وما أهلكنا من قرية الا ولها كتاب معلوم )) ولاشك ان كلمة الكتاب هنا بتعني الأجل
السورة ـــــــــــــــــــــــــــــــــ البقرة الاسراء الحجر
الرقم ـــــــــــــــــــــــــ ٨٩ ١٤ ٤
الترجمة الفرنسية ورقم صفحتها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ Une Livre ص ( ١٨ ) ومعناها كتاب وقد جاءت بصيغة التنكير Lis Ton Ecrit أى اقرأ ما كتبته بيدك ص ٣٠٤ ، وليس هكذا المعنى ، بل المعنى هو انظر الى اعمالك Prescription ص ٢٧٩ وهى تعنى الامر والقرار
الترجمة الانكليزية ورقم صفحتها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ A Book ص = ٤١ ص ٦٩٧ Term Decreed ص ٦٣٧ وهي تعنى موعدامقررا او هي اقرب للصواب من الفرنسية
وجاء في القرأن الكريم : البقرة ( ١٠١ ) : (( ولما جاء من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب ، كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون )) ولا شك ان معنى النبذ وراء الظهر هو الجحود والنكران وترك العمل به ، والكتاب فيها يعنى الشريعة ، ولا يعنى بحال من الاحوال شيئا آخر وقد ترجمت هذه الآية في الترجمة الفرنسية والانكليزية ترجمة حرفية .
Et quand leur vint de Dieu un messager confirmer ce qu' il y avait deja devers eux certains à qui le livre avait été donné jeterent derriere leur dos le livre de Dieu . comme s' ils ne savaient pas
وترجمة هذا النص للغة العربية يفيد انهم امسكوا الكتاب ( والكتاب المعنى به في الترجمة الفرنسية هو كتاب محسوس له حجم وهو المرسل من الله وقذفوا به وراء ظهورهم ) .
فاذا قرأ قارىء هذا النص الفرنسى لا بد أن يتساءل عن الرب الذى غضب لالقاء كتابه وراء ظهور مخلوقاته ، وعن هذا الغضب الذى استبدال بالمخلوقات حتى القت هذا الكتاب ، وليس هذا هو المعنى الذي يرمى اليه القرآن .
وما يقال عن الترجمة الفرنسية يقال عن الترجمة الانكليزية ، فقد جاء في الصفحة ٤٤ Confirming what with them a partly of the people of the book threw a way the .book of God behind their backs
والترجمتان تعنيان بالكتاب مطلق كتاب . وبوراء الظهر المعنى الحقيقي لا المعنى المجازى الذى عناه القرآن الكريم ، قد يفهم الانكليزى
شيئا من المعنى المجازى أما الفرنسى فلا ، رغم ان الفرنسى والانكليزى لا يفهمان من الكتاب الا المعنى المادى له .
جاء في سورة الانعام : ١٢ : (( قل لمن ما في السموات والأرض . قل لله كتب على نفسه الرحمة )) فما المقصود بالرحمة ، هل كتب ذلك في كتاب او فرضه على نفسه ولا مكره له ، أم من بالرحمة على عباده ، وهذا اقرب تفسير لها ولكن الترجمتين تأخذان كتابة الرحمة بمعنى الكتابة الحقيقية على قرطاس من الورق ففي الترجمة الفرنسية استعمل الدكتور محمد حميد الله كلمة Prescrit
فرض وأمر ، اما الترجمة الانكليزية فقد استعمل عبد الله يوسف على كلمة Inscribed ومعناها سجل أو كتب . وكذلك وردت كلمة كتب في مواضع كثيرة بمعنى فرض ولكن الترجمتين الفرنسية والانكليزية لم تأخذا بهذا المعنى وترجمتا كلمة كتب بالكتابة الحقيقية واحيانا كانت الترجمتان تستعملان كلمة Prescribter وهى لا تدل على اكثر من الارشاد .
ومن هنا نرى ان ترجمة القرآن مستحيلة ، فالقرآن معجز لاهل لغة الضاد أفلا يكون معجزا لغيرهم ؟
هل تحمل ترجمة القرآن فصاحة وبلاغة ؟
نقد الاستاذ احمد عبد الغفور عطار ترجمة الدكتور عبد الوهاب عزام لشعر محمد اقبال فقال في كتابه : ( كلام في الادب ) صفحة ٢٠٧
(( ترجم عزام قصيدة حادى الحجاز وجعل اللازمة هذا البيت وهو من ترجمة عزام : حتى الخطى قليلا منزلنا قريب
وهى ترجمة غير فنية لبيت اقبال ، وان خللا في ترجمة كلمة واحدة يشوه صورة القصيدة كلها ، وان كلمة واحدة تجعل للقصيدة معنى حيث تقلبها من الصنعة والتكلف الى الطبيعة والصدق ، ان اقبالا لم يقل :
حتى الخطى قليلا منزلنا قريب بل الذى قاله : حتى الخطى قليلا منزلى ليس ببعيد
وفرق بين ظن عزام ان نفي البعد هو اثبات للقرب .
لقد سقت هذه الفقرة من كلام الاستاذ عطار في نقده لعزام للتدليل على عدم امكان المحافظة على الاصل ، فاذا كان عزام لم يستطع أن ينقل ما اراده اقبال الى العربية وكلاهما بشر ، وكلاهما أديب كبير أفيمكن نقل كلام رب البشر وترجمته ، وهو الذي أراد له الاعجاز فقال : (( وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله ان كنتم صادقين فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة اعدت للكافرين )) البقرة ٢٣-٢٤ ؟
ولا شك ان الترجمة لا تعنى الاصل ابدا ولذلك فلا يجوز الاخذ بالترجمة في حال من الاحوال .
هل ترجم النبى صلى الله عليه وسلم أو صحابته شيئا من القرآن الكريم
لقد ارسل النبي صلى الله عليه وسلم رسله وبعوثه الى كثير من الملوك والامراء ولم يرد ان احد هؤلاء السفراء ترجم للمرسل اليه شيئا من القران الكريم ، بل كان يبلغه كلام
النبي صلى الله عليه وسلم ، مع ان الترجمة آنئذ كانت تقع موقع الضرورة ، فالدعوة جديدة كل الجدة والعالم باسره يجهلها ولقد ارسل النبى صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمرى الى النجاشى ، ودحية بن خليفة الكلبي الى قيصر ملك الروم ، وعبدالله بن حذافة السهمى الى كسرى ملك الفرس ، وحاطب بن ابي بلتعة الى المقوقس ، ولم يترجم هؤلاء شيئا من القرآن الكريم الى اللغات التى ارسلوا لاصحابها . ومع انه كان للنبي صلى الله عليه وسلم من يترجم له من العبرانية والسريانية والفارسية والرومية والقبطية والحبشية الا ان كتب الحديث لا تذكر لنا انه أمر بترجمة آية واحدة أو ارسل رسالة لملك أو حاكم بغير اللغة العربية .
وقد أخرج أبو داود السجستاني وابن ابي شيبة عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( انها تأتينى كتب لا أحب أن يقرأها كل أحد ، فهل تستطيع أن تعلم كتاب العبرانية أو قال السريانية ؟ فقلت نعم فتعلمتها في سبع عشرة ليلة )) .
الصحابة رضوان الله عليهم فقد كانوا يتورعون عن تفسير كلمة واحدة من كلمات القرآن الكريم ، وهذا سيدنا ابو بكر رضى الله تعالى عنه يقول عندما سئل عن تفسير كلمة ( وأبا ) أى أرض تقلني وأى سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله برأى .
رأي في هذا الموضوع
والذي أراه أن ندع ترجمة القرآن لفظا ومعنى اذ ان القول بأن الترجمة هى لمعانى القرآن ، هو من نوع التلاعب بالكلمات ، فاننا لا نفعل خيرا بترجمته ، وما سمعنا انسانا أسلم بقراءته للقرآن المترجم ، واننا لنضحك
من ترجمات الانجيل ومن كلماتها الركيكة ، ولا تدع هذه الترجمات اثرا في نفوسنا ولا خشوعا فى قلوبنا . والاناجيل التي بين يدينا هي من كلام بشر ، فكيف تكون ترجمة كلام البشر ؟
واذا أردنا خيرا للمسلمين ، وأردنا أن ننشر دعوة الدين الحق فان كتيبات صغيرة تدعو الى الاسلام يكتبها من يحسن الكتابة في هذا الموضوع هى خير ألف مرة من تقديم ترجمة لمعانى القرآن .
وتحضرنى في هذا الموضع قصة ، هى قصة عبدالله بن الزبير رضى الله عنه عندما ادخل خمسة اذرع من الحجر في الكعبة الشريفة ، وجعل لها بابين متبعا بذلك قول النبى صلى الله عليه وسلم ثم هدمها الحجاج ، واراد الرشيد ان يعيدها كما بناها ابن الزبير فقال له مالك بن انس رضى الله عنه :
(( ناشدتك الله يا امير المؤمنين ان لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك ، لا يشاء ملك الا نقضه وبناه ، فتذهب هيبته من صدور الناس )) .
وانى أناشد المسلمين أن يدعوا ترجمة القرآن الكريم لفظا ومعنى ، واذا كان المستشرقون قد ترجموه فلن نصلح في ترجمتنا ما افسده المستشرقون ، لاسيما وان الترجمات المعروضة في مكتبات اوربا اليوم تزيد عن أربعمائة ترجمة . وعلى سبيل الذكر فان ترجمة الدكتور محمد حميد الله الى اللغة الفرنسية لم تنتشر في فرنسا حتى قدم لها ماسينيون ودس في المقدمة ما شاء له أن يدس .
ان الدعوة للاسلام حق وواجب . أما ترجمة القرآن الكريم أو ترجمة معانيه ففي رأيى لا تفيد شيئا .

