الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

دمعة طبيب

Share

" انى أزورك للمرة الرابعة . وفى كل مرة تبعث فى الامل . ولكنه مجرد أمل . كأنى بالشفاء قد أصبح مستحيلا . فاذا يئست من معرفة مرضى أرجوك ان ترد لى بأسى فهو أروح من شىء لن يأتى ابدا "

لقد حيرت هذه الكلمات الطبيب الحائر ، وزادته شكا واضطرابا . فهو يشعر انه يعرف مرض منصور ويعرف دواءه ، ولكنه يجهل موقع الداء ربما يرجع هذا الشك الى تردد منصور بنفسه فهو ايضا لا يعرف اين يحس بالالم . فتارة يشتكى من وجع فى ظهره . وتارة اخرى يقول ان الوجع انتقل إلى يده اليمنى ورجلة اليمنى . وفى غالب الاحيان يشكو الصداع . هذا ما حير الطبيب . وهذا ما جعله يعجز عن حصر الداء ، لذلك اعاد فحصه مرات ولم ييأس من اكتشاف أصل الداء :

- هل ترتعش يدك أحيانا ؟ - لا ترتعش ، وانما أحس كأنها جمدت كلما استلقيت على ظهرى - وظهرك هل يؤلمك عندما تستلقى - نعم نعم يؤلمنى كثيرا وخصوصا عندما أحس بالصداع

والقى عليه كثيرا من الاسئلة الاخرى . والمريض يجيب بكل صبر آملا ان تكمن أجوبته مبعث راحة وشفاء . ولكن الطبيب قد توقف عن سؤاله فجاة وطلب منه ان يلبس ثيابه . ثم جلس الى مكتبه واخذ قلما وعرض على المريض الاقامة فى المصحة

- لكن لا استطيع أن أدفع ثمن الاقامة والمعالجة اذ انى توقفت عن العمل منذ ان حل بى هذا الداء

ففكر الطبيب جيدا . هذا النوع من المرض يهمه كثيرا . فهو يعد دراسه حوله وقد بان له انه اكتشفه هذه المرة واكتشف دواءه . وادا نجحت هاته التجربة فهو يفرض نظريته على المجامع الطبية فى أوروبا . ستكون له شهرة عظيمة بين كبار أطباء أوروبا . ستتحدث عنه كثيرا صحف بلاده . سيفتخر وطنه بانتاج رجل عظيم حير كبار العلماء ووجد ما لم يجدوه رغم كل وسائلهم وآلاتهم و . . .

- ستقيم فى مصحتى . . مجانا - شكرا لك . . انى لن أنسى فضلك أبدا .

واختار له الطبيب أحسن الغرف وأحسن الممرضات . وأخذ يزوره كل صباح ويبتهج بنتائج العلاج . لاحظ ان سبب دائه من الاعصاب وذلك بعد ان أخذ له عدة صور وحلل دمه مرات . فركب له دواء هو مزيج من عدة أدوية أخرى . تجنب بواسطته اجراء عملية جراحية قد تذهب بحياة المريض واخذ فى كل يوم يوصى ممرضيته جميلة ان تسهر على المريض وتركب له الابرة مع شديد الحذر . وقد صارت بدورها معتنية بتطورات صحة منصور وشعرت كأنها شاركت الطبيب نجاحه . فهى ايضا قد قضت وقتا طويلا بجانب سريره تراقب كل حركاته وتساعده بالحديث على قتل الوقت الذى يسيل ببطء فى مثل هذه الامكنة .

لكنها هذا اليوم يوم السبت قد جاءت الى المصحة أكثر سرورا من ذى قبل . وقد لبست ثوبا أبيض جميلا متناسية انها فى عيادة طبيب . وأسرعت منذ دخولها الغرفة الى منصور وهمست فى أذنه : " انك تقترب من الشفاء . لذلك ساتركك وحدك هذه الليلة . أتسمح لى بالخروج بعد العشاء ؟ "

وفهم منصور سبب هذا السؤال . فهم أن لها موعدا مع صديق لها . لقد مر فى شبابه بكل هاته المغامرات ، فلم يشأ ان يحرمها لذة لقاء جميل فابتسم لها مداعبا وقال : " سأخبر الطبيب عندما يزورنى غدا أن ممرضته عاشقه " فاحمر وجه الفتاة خجلا وأرخت جفنيها ثم أطرقت . فأحب منصور أن يخلصها من حيرتها فطلب منها أن تركب له الابرة قبل ان تخرج

وقضت كامل العشية فى بهجة لم تعرف مثلها كامل المدة التى قضتها فى هاته المصحة : كانت تجرى من غرفة الى أخرى وعقارب الساعة تدور بسرعة ، والصور الجميلة تبدو لها ثم تختفى والاحاسيس اللذيذة تنشطها نشاطا

" سنملأ الدنيا شموعا وزهورا هذه الليلة . كن فى انتظارى يا حبيبي سأكون عند الموعد للرحيل الى عالمنا . سألبى النداء وأجيئك فأجدك تنتظر فى آخر الشارع . سأضحك كثيرا عندما أراك قد رفعت رقبة معطفك لتقيك البرد . وقد ينزل مطر . فتلتجىء تحت رواق البلدية . سأجد شعرك مبتلا كفرخ الدجاج . هذا تشبيه تحبه أمك كثيرا . أتذكر ذلك ؟ ستكون لنا ليلة من ليالى الصيف التى راحت ، والتى قلت انها لن تعود . وكنت أقول لك : لا تيأس ، سنغلب الايام . سنغلب الزمان . فغلبنا وانتشينا . سيمر

وقت قصير بعد وقت الموعد . فتحسبه ساعات ثم يقف تاكسى فى آخر الشارع ، فأطل منه ، فتسرع اليه وتفتح الباب وتأمر السائق بأن يواصل الطريق الى . . السينما . ستمسك بيدى وتسألنى لماذا تأخرت . فأجيبك بأن المريض لم يتناول عشاءه باكرا . فتضحك ، واضحك . . ثم نبقى فى آخر القاعة ، فى ظلمتها ، وتهمس فى أذنى كلاما كثيرا ، لما كنت تهمس فى أذنى كلاما كثيرا . وتعرض صور . ثم . . . آه . لقد حان وقت الابرة بل فات . . "

ثم أسرعت إلى خزانة الأدوية ، واخذت احدى القوارير الصغيرة وهى تنظر في ساعتها ، وأفرغت الدواء فى الابرة ، وهى تنظر فى ساعتها ، وركبت الابرة فى ذراع منصور ، ومسحت له ذراعه ، وهى تنظر فى ساعتها . وتمنت له الشفاء ، واسدلت الغطاء على وجهه وخرجت مسرعه ، ونزلت المدرج بعد ان اوصت احدى الممرضات بأن تزور مريضها من حين الى آخر . ثم نادت تاكسى كان مارا أمامها . وركبت

قال الطبيب لزوجته عندما وصلا أمام السيارة : " أنت التى ستقودين هاته الليلة ولابد ان نعرج على المصحة قبل ان نأخذ طريق المسرح فسبقته زوجته الى المقود ودفعت السيارة .

لماذا تذهب إلى المصحة ليلة الاحد ؟ ألم تعدنى بأن تكون ليلة الاحد لى وحدى ؟ ألم تؤكد لى انه ليس لاى مريض ان يشاركنى اياها .

- نعم وعدتك بذلك . لكن عندى مريضا من نوع خاص . حيرنى مرضه أول الامر وقد تناقش كثير من اطباء أوروبا حول أصله ودائه فلم يوفقوا الى معرفته وانى أعتقد أني اهتديت الى فهم سببه : ارتخاء عصبى نتج عنه صداع في الدماغ وتعطيل اليد اليمنى والرجل اليمنى مع وجع شديد فى العمود الفقرى . . دواؤه مركب من . . .

انى لا أفهم أسماء أدويتك ، نتيجة ذلك ، هل شفى المريض أم لا ؟

- انه فى طريق الشفاء

- أفهم من قولك انه اذا شفى وعرضت اكتشافك هذا على بقية الاطباء تصير لك شهرة .

إل- قد يكون ذلك لكنى منذ أيام لم أعد أفكر فى المجد أو الشهرة . صار يهمنى شفاء المريض أكثر من كل شىء . لقد أصبحت أحب هذا الرجل محمد عندما أساله عن صحته فيجيبنى بتفاؤل عجيب

- أود ان أراه - اننا وصلنا ، اصعدى معى الى غرفته

وما كاد الطبيب يفتح باب الغرفة حتى وقف مشدوها : منصور يضرب رأسه على السرير ويدق برجليه الارض وكل أغطيته ممزقة . وعندما رأى الطبيب صاح بأعلى صوته : " قتلتنى . . قتلتنى الابرة " . فأسرع اليه الطبيب وركب له ابرة مسكنة للاعصاب ، وقبل ان يسدل عليه الغطاء سأله عن جميلة فلم يقدر أن يجيب . فسأل الممرضة التى فى الطابق الثانى فأجابته أن جميلة خرجت منذ حين . ثم اخذ يبحث عن سبب هاته النوبة العصبية . فذهب الى خزانة الادوية . ولم يتمالك أعصابه عندما تفطن الى ١ ممرضته قد اخطأت الدواء فحاول أن يتدارك خطأها فأسقى المريض دواء مضادا لمفعول الابرة السابقة . . لكن دون جدوى ان كامل أعصابه قد تسممت . عند ذلك التفت الى زوجته وأخذ يكلمها وكأنه يحدث نفسه :

" أرأيت كيف ضاعت كل جهودى ، أرأيت كيف تخسر اسابيع من البحث والاجتهاد . . بمجرد غلطة صغيرة ، أرأيت كيف يموت ذلك الرجل امام عينى ولا استطيع انقاذه ، انى أنا أعطيته الصحة والعافية ، أعطته الحياة اعطيته الأمل ، انى أنا صنعته بعد ان كاد يخسر أيامه ، أنا الذى بعثت فيه الروح ، آنظرى الى وجهه كيف فقد كل أثر للحياة . آنظرى اليه كيف يحاول ان يكتم ألمه . ان تقلبه على هذا الفراش يمزق أحشائى . انه يريد أن يصيح ولكن قواه تخونه "

ثم أخد منصور يهدأ شيئا فشيئا ، ويستسلم للموت الذى يدب فى مفاصله دبيبا . عند ذلك آقترب منه الطبيب وقبل أن يغمض له جفنيه سقطت دمعة حزينة على ذلك الوجه الذى قاوم الأم . . قاوم الموت

اشترك في نشرتنا البريدية