الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

دمعة على صاحب مجلة " الأديب "

Share

- البقية فى حياتك فى صاحب مجلة " الأديب " وديع فلسطين

التفت الى جانبى ، فرأيت الرجل الذي مد لى هذه الجملة على بطاقة وعرفته من اسمه . انه الاديب المعروف ، صاحب الدراسات العديدة البليغة ، وديع فلسطين . . ورأيت دمعه تجول فى مآقيه . . خفق قلبي ودمعت عيناى ، وشعرت ببدنى كله يرتعش . . قبل لحظات كنت القيت كلمة قارنت فيها بين مجله الاديب فى المشرق ، ومجلة الفكر فى المغرب تحدثت عن صاحب - الأديب - و كأنه لا يزال حيا يرزق ، واذا بي أصدم بأن الثرى طواه قبل بضعه ايام فقط كانت خطة المجلتين واحدة ، وهي خدمة الادب ومعالجة قضايا المجتمع ، من خلال القصص والمقالات والاشعار ، فلا ألوان زاهية ، ولا صور خليعة ، ولا وجوه او اجسام مغرية ! ولا حتى اعلانات ملونة جذابة تلفت النطر ، ويدعو من يقف امامها لاقتنائها ، بعد ان يتملكه الفضول والاغراء . . صاحبا المجلتين قاسيا مقاساة شديدة وصمدا . صاحب مجلة - الاديب - كان يملك مكتبه ثرية ، يؤمها الاصدقاء من الادباء للاستفادة والاطلاع ، و كانت مدعاة للزهو والفخر ، لانها كانت تحتوى على امهات الكتب من المخطوطات والمطبوعات على السواء ، جمعت فرادى ومجموعات ، يحار النظر أمامها لما فيها من كنوز غالية !

وجاء وقت ، أعلن فيه افلاس المجلة ، وفقد صاحبها جميع الحيل لانقاذها ، ولم تكن هناك الا وسيلة وحيدة ، وهي بيع تلك المكتبة العظيمة ، حتى تستأنف المجلة مسيرتها كالعادة ! .

حز ذلك طبعا فى نفس الرجل الاديب ، ولكنه جمع جرأته كلها واقدم على التضحيه ببيع مكتبته الثمينة ، وبذلك انقذ مجلته من التوقف ! .

كان هو منشئها وصاحبها ، ورئيس تحريرها ، تصدر مرة فى الشهر ، ولا تتوقف . . حتى عندما يتوعك مزاج صاحبها ويلازم سريره ، يتفحص كل ما يرد على مجلته من ثمار الادب ، ينتقى كل ما هو جيد ومفيد ، يهذب ويصلت كل ما هو بحاجة للتهذيب والتصليح ، ويبعث به الى المطبعة حتى تصدر المجلة فى ميعادها ، وكانت تصل الى كل من يساهم فيها بالكتابة ، ولو بين فترات طويلة ، كهدية ، وان يكن المساهمون فى اماكن قصية . . وحتى عندما اصبح لبنان تهتز تحت وقع القنابل ، كانت المجلة تصدر وتبعث الى محبيها ومشتريها ! .

كانت فى كل شهر ، ترى المجلة النور ، بعد مخاض شاق وعسير ، وبعد تجربة قاسيه لا يقدم عليها الا من ملأت الجرأة فؤاده ، وغمر صدره الوله بالادب ، وتحلى بعزيمة من حديد ، وكان الاخلاص والوفاء قصده ومراده ! ..

منذا شهر توقفت المجلة عن الورود ، وكنت من قبل اهز رأسى اعجابا كلما جاء الساعى بها إلى وأقول : يا له من رجل ! هذا الرجل الذى يصمد هذا الصمود ولا يتوقف تحت القنابل والمدمرات ، وها هي المجلة تتحدى الموت كل يوم ، واذ بها تتوقف ولم تعد تصدر ظننت ان السبب مأساة لبنان والخراب الذي يحيق به يوميا ! لم أكن أعرف ان السبب هو العجز البدني والمعنوى معا ، ويا له من عجز ! لا يستطيع أن يتصوره الا  كل من بلى به ، أو كان له صديق ودود رفيق القلب ؟ . لم أكن أعرف ان صاحب الاديب لم توقفه الحروب ولا المدمرات ، بل العجز البدني المنهك الذي لم يرحمه ، ولم اسمع بنبأ وفاته الا فى ذلك اليوم ، الذى شئت ان اقارن فيه بين مجلتين عربيتين مخلصتين لتمجيد الفكر والادب صاحب - مجلة الاديب - كان كاتبا ودارسا ، وهو من الذين ابدعوا فى الشعر المنثور وكان من طلائعه . هذا الشعر الذي يتضمن معانى كالدرر عندما يكون ناظمه ذا موهبة ونبوغ هل نقول : إنه الادب والفكر الصرف ، وهذا ما انتهجته - مجلة الفكر ايضا ، هل نقول : إن الادب الصرف ، كالحرب التى يدخل الاديب فيها ، حاملا روحه على كفه ، غير عابيء بالحياة ، وكل همه ان يزدهر الادب وينتصر ! .

قال صاحب - مجلة الفكر - الاستاذ محمد مزالي في احدى كلماته : داهمتني مرة نوبه ادارت رأسى وشعرت بخفقان قوى فى قلبي ، نتيجة للارهاق ، وذلك عندما كنت مديرا عاما للاذاعة التونسية فى تلك اللحظات ، لم أفكر الا فى شىء واحد : فى مجلة الفكر ، وتساءلت بفزع : يا ترى ، هل ستتوقف

هذه المجلة بعدى ؟ ٠٠ ولكني الآن اشعر براحة كلية ، لان هناك من يشرف عليها ، وبهذا لن تتوقف عن الصدور ابدا ! . .

سألت الاديب الكبير وديع فلسطين والدموع فى عينى : ومجلة الاديب ، هل ستتوقف ؟

فهز رأسه متأسفا ، وقال : نعم ، اذ لا يوجد من سينوب صاحبها ، ويصبر على العقبات والمصاعب كالمرحوم صاحبها . . صاحبها الذي فتح صدر مجلته لكبار الادباء ، وللناشئين ، ولم يبخل على من في قلمه بذور تبشر بالخير الوفير بالتوجيه والتشجيع ، ورضى ان يرفع قلمه كسهم ماض في وجه جميع العراقيل حتى لا تتوقف المجلة الادبية الوفية لكل مبدأ نبيل عن رؤية النور فى كل شهر من الشهور . لقد غادر هذه الدنيا ، بعد ان ادى واجبه كاملا ، واسمه لابد ان يبقى فى الصدور !..

توقفت مجلة الاديب فى المشرق ، بعد رحيل صاحبها ، وها هي - مجلة الفكر التى تتمتع بالشباب والنضارة تعوض أختها وتتابع المسيرة . فيلحفظها الله ، وليحفظ صاحبها ورئيس تحريرها ، وكل من يخلص للثقافة والفكر المجيد . مشاعل الادب العنيد لا تنطفئ ، فهى تعوض بعضها بعضا ، بوجود الاوفياء المخلصين .

اشترك في نشرتنا البريدية