أبى . . حبيبى لا شك انك لم تنم ليلة أمس . . ان قلبى يقول لى ذلك . . وانك لم تجرب ولو الذهاب الى فراشك . . بل لعلك قطعت الليل بأكمله تجوب خلال أشجار البرتقال . . وبرنسك الرمادى فوق رأسك . . وكلبنا " ندند " يركض خلفك . . وقطرات المطر تتساقط على كتفيك من على أوراق الشجر . . تماما مثلما تعودت أن تفعل ذلك كلما قربت ثمرة البرتقال أن تنضج .
آه عفوك يا أبى.. لقد نسيت .. نسيتأن الجنود قد قطعوا كل تلك الاشجار الحبيبة . . وانهم قتلوا أخى حينما حاول أن يعترضهم . . وضربوا جميع سكان حينا . . وضربوك أنت يا أبى بتهمة مد ثوار المنطقة بالخبز . .. ولم يكن كل الذى فعلوه ليرضى غرورهم . . فعمدوا الى أختى " سعدية " وأخذوها من بيننا . . دون أن يستطيع أحد منا أن ينبس بحرف واحد . . ولم أنس يا أبى ما حييت منظر أختى . . والجنود يسوقونها أمامهم . . ودموعها تتقاطر .
ولقد حاولت يا أبى فى تلك اللحظة أن أرفع عينى الى وجهك . . ورأيت وجهك . . كان لونه فى لون الدم . . ثم بدأ يصفر . . يصفر الى أن أضحى فى لون الليمون . . والدموع . . الدموع من عينيك اللتين لم أعرف انهما بكيتا قبل .
وحتى عند ما مات جدى . . فقد كنت ألحظ جميع الناس عيونهم تبكى . . الا عينيك أنت يا أبى . .
وخفت عليك فى تلك اللحظة أكثر مما خفت على أختى ، وأكثر مما كنت خائفة على نفسى .
ومضت برهة من الزمن . . وأنت طارق الى الارض .. دون أن تبدى أى حركة . . ثم رأيتك ترفع رأسك ..
لم يكن فى وجهك أى تعبير عن حزن أو عن ألم . . كان وجهك جامدا لا يقول شيئا . . ثم انك تحدثت الى أمى بصوت تعب قلق قلت :
- لا يمكن أن يرى الانسان ابنته تساق أمام عينيه قسرا ، وهو يتفرج عليها كالمعتوه .
وأجابتك أمى : - ان المعتوة حقا هو الذى يفكر أن يفعل شيئا فى مثل هذه الاحوال .
ولكنك قلت لها يا ابي: - أرى من الانسب أن تاخذى ابنتك، وتفارقى هذه الارض.. فالحدود التونسية قريبة منا... وسوف تجدا من يساعد كما في الطريق.. انهم كثيرون أولئك الذي يرحلون عن الجزائر هذه الايام.
- وقالت لك أمى : وأنت . . ألست تنوى الذهاب معنا ؟ ورأيتك تشيع عينيك يا أبى عبر الحقول . . عبر الاشجار المقطوعة ..
وقلت فى عزم : - كلا . . أنا سأبقى هنا .
وأردفت أمى تقول لك : - اذن وأى داع لذهابنا نحن ما دمت أنت ستبقى هنا . . واذا كنت تخشى علينا فأقول : ان ما كنا نخشاه وننزعج منه قد حصل بعد - سواء أكان ذلك بقتل ابنى ، أو اختطاف ابنتى أو قطع أشجار الحقل - قد حصل وقضى الامر . . وماذا ننتظر أكثر من ذلك ؟ . . اننا سوف نبقى حيث أنت ، نموت أو نحيا معا .
وكنت يا أبى وأنا أتبع حواركما مستندة بظهرى الى الحائط ، قد شعرت انك لا تقول كلاما صحيحا . . وان ما تقوله أمى يبدو لى معقولا . . وكنت أخشى أن يظهر منك ما يدل على التزامنا بالرحيل .
وظللت أرقب عينيك . . وانت تنتقل بهما بين الحقول ووجه أمى ، وأنتظر ماذا ستقوله بعد ان فرغت أمى من كلامها ، وجاءنى صوتك : أعرف أنه خير لنا أن نبقى معا ، من أن نفترق . ولكن هل ترضين الموت
وأنت جائعة ، صامتة ويداك مكتوفتان ، فى الوقت الذى يتساقط فيه مئات الابطال ، وجوههم ملوثة بالدماء ، وأيديهم متشبثة بالارض ؟ !!
وكانت عيناى يا أبى وأنا أنصت لكلامك مثبتتين على صدر أمى . . واذا بى أراه يهتز . . فتطلعت اليها فاذا هى تبكى .
لقد تأثرنا من كلامك أمى وأنا ثم اننا رحلنا بعد ذلك وحيدتين .. وفى الطريق اعترضنا أناس كثيرون كما أعلمتنا بذلك . . نساء ، وكهول ، وأطفال , صغار . . وكانوا فقراء تعساء . . ثيابهم عفنة ممزقة ، تتصاعد منهم رائحة كريهة . . رائحة لم أذكر انى تنفست مثلها فى حياتى .
ولقد نمت بينهم يا أبى . . أجل بل ان واحدة منهم ظلت تحتضننى كامل الليل ، وتقبلنى وتقول لى : اننى اشبه ابنتها - التى قتلها الجنود - فى كل شئ . . شعرى الاسود الطويل ، عينى الشهلاوين ، قدى الممشوق . . بل حتى فى صوتى وفى ابتسامتى .
وكنا نسير ملتصقين والجوع . . الجوع يا أبى يعصر أكبادنا . . وصراخ الصغار المزعج . . ثم ان هناك الجنود يتعقبوننا ويقتلوننا الواحد بعد الواحد . . وأشياء أخرى كثيرة . . لا استطيع أن أنساها على طول عمرى .
وليلة أمس يا أبى . . عبرنا الحدود الفاصلة الى تونس . . ولكنى لم أصلها بصحبة أمى . . لقد وصلتها وامرأة أخرى . . تلك التى قلت لك انها تحتضننى وتقبلنى وتجفف دموعى . . لقد ماتت أمى . . فهل تراك يا أبى كنت نائما ليلة ماتت أمى . . ان قلبى يقول لى انك لم تنم .

