حينما يبكى القلم فانما يسطر على صفحات الطروس ادق ما فى النفس الحزينة من لوعة واسى ، وهو حين يبكي يكون بكاؤه صمتا رهيبا دونه صمت الكهوف الخالية ، وهو ايضا حين ينتحب يكون نحيبه كلمات متقطعة ينفثها القلب الملتاع نفثة اثر نفثة على تلكم الانامل المختلجة التى ترتجف وتتشنج كلما اهاب القلم الباكي بالنفس لتصور له مبلغ ما بها من اسى وحزن هما كل مالديها حين بكاء القلم من احساس وشعور.
والقلم حين يبكى ايضا تعصف به الذكريات المريرة وتنقاذفه أعاصير الحزن الطاغي الذي يجرف النفس القريرة فيفتت فيها نياط القلب الرقيق المعلق بين جنبيها بعروق وشرايين لا تكادان تثبتان أمام تيار الحزن الجارف حتى تعصف
بهما هاتيكم الذكريات التى كانت وما احلى ما كانت فيه - من رقه وعذوبة وأمن وهناء- فأضحت محطمة عند صخرة الاحزان القاسية مريرة تذكرها النفس الملتاعة فيبكى من اجلها القلم الباكي الحزين ،
وما بكاء القلم الآن ودموعه الاصدى لزفرة عميقة وأنة مدوية من قلب حزين تأني والتاع لعاطفة نفسية كانت كامنة بين خلجات الفؤاد فعصف بها حادث الحزن واهاجها من مكمنها فجعلها تئن وتزفر على موتك يا أبا عبد المقصود اننا نتألم كثيرا ولكن لا نبكى الا لحزن عميق او نكبة فادحة ، واذا بكينا فسريعا ما تمر الايام فتسدل على احزاننا حجب النسيان فتكون به لكربتنا فرجا ومخرجا .
على اننا اليوم لا نبكى فقط وانما اقلامنا تبكى معنا وتنتحب وجدير بالقلم حينما تجرفه لوعة الحزن ويبكى ان يلطم القراطيس ويمزق الطروس .
ومتى بكي القلم وسكب من قلبه كل ما فيه من مادة الحياة فانما يسطر صفحة خالدة من صفحات التاريخ ، فهو لا يلطم القرطاس حينما يلطمه انما يمحه وفي هذا المس ادق احاسيس النفس في شعورها ، وهو لا يمزق الطرس حينما يمزقه انما يقتطع منه ما يريد وبين سطور تلك القطعات اسمى معاني الوفاء لصديق نبيل قضى نحبه مبكيا عليه من اصدقائه وخلصائه.
اجل يقتطع من الطروس قطعا يضمها الى التاريخ فتكون ذكرى جليلة حافلة .
هذا أنت يا عبد المقصود اختارك الله بعدما عانيت ما عانيت من وصب وألم وبعد ما عاني اصدقاؤك وخلصاؤك معك ما عانوا من حزن واسي وهذا نحن نبكيك وكلنا لوعة ونذرف من اجلك الدموع السخينة وقلوبنا واجفة ، وتنعيك اقلامنا وقد كانت فيما مضى تهنيك فهى سنة الله فى خلقه "ولن تجد لسنة الله تبديلا" - :
يا عبد المقصود لقد توفى ابوك فكان موته لنا عبرة الى جانب عبر الحياة على ان يتمك وبعدك عن ابيك او بعد ابيك عنك هو العبرة الخالدة التى يتعزي بها يتيم درج فى احضان اليتيم ونشأ دون ما اب يلبي نداءه ثم جاءك اليوم يبكيك بقلبه وقلمه فهلا تأسيت به ؟.
الهمك الله الصبر واغدق على ابيك شآبيب رحمته ورضوانه . يا عبد المقصود ان قلمي اليوم يبكي ويذرف دمعا سخينا على ابيك وان كان للناس ان يتعزوا بالبكاء فأنا اليوم نبكى وليس لهذا البكاء من معنى غير الذكرى الخالدة التى تركها لنا ابوك الراحل ممثلة فى شخصك المحبوب.
يا عبد المقصود ليكن لك فى شجاعة ابيك الراحل واقدامه ووطنيته وصدق عزيمته ووفائه لاصدقائه وتفانيه فى الصالح العام، ليكن لك فى كل هذا وغير هذا خير مثل وخير نبراس ينير لك الطريق فى طفولتك .
هذا وما اعظم ما اريد ان اسجله لك الآن ولكن هو القلم يبكي على ابيك .... وما اكثر ما بكى هذا القلم .... !
