عندما توقف دحمان عند مسطبة العم على ، تناول هذا قطعة الكرشة الغليظة والشحم فى كفه كعليم برغبة زبونه وسأل :
- كم ؟ . لكن دحمان لوى رأسه فى حركة متعبة ومد ورقة من عشرة دراهم الى الرجل وهو يقول :
- كبد ... غنم . وبدا التعجب على العم على وهو يتناول الورقة ودحمان يردف بعد استراحة :
- كيلو - بشحم ؟ وهز دحمان رأسه موافقا ثم تابع بصوته المتعب :
- شحم رقيق ... كان بوده لو ملك قدرة على الكلام فى هذه اللحظة ، واذن لثرثر كثيرا مع العم على ، وأرضى تساولاته ، لكنه أخذ مطلوبه مع باقى النقود وانصرف ...
أحاط به الاطفال فترة فى البيت ثم تركوه وتحلقوا حول أمهم حين بدأ المجمر يرسل دخانا داكنا لذيذا منعشا . وراقب دحمان حركات الزوجة وهرج الاطفال فى برود ، وتمتم بينه وبين نفسه : انهم فرحون انها تتلمظ .. تتوحم ...
وتصاعد الدخان فى البيت حتى امتنعت الرؤية ، واتكأ دحمان على الحائط ودبيب النمل يسرى فى ذراعة ويشتد ، حتى يصبح خدرا يعم نصف الجسم ويشعر بانه عاجز عن الحركة ... أو عن ارادة الحركة . ولم يتحرك ؟ انه لا يرى ولا ينام ولا يرفض ... لم يكن خدر الذراع يخلو من لذة ... كلذة
اليوم عند جلسته تلك ، على اريكة فخمة مطاوعة ، احس أثناءها كأنه يطير أو كأن جسمه فقد وزنه .
كان ذلك عندما انفتح الباب وأطل الممرض ، فتقدم دحمان ويد رجل مجلبب بشوش خلفه ، تربت على كتفيه وصوت يهمس له من ورائه :
- الكلمة هى الرجل ! . لم يلتفت دحمان وانما تبع الممرض نحو غرفة معقدة التركيب ، واذا هو أمام طبيب شاب تدلت السماعة على صدره ، سأله :
- ورقة الدم ؟ وأخرجها دحمان من جيبه . انسخت لطول العهد وللاهمال وربما لكثرة ما أخرجها دحمان منذ سنين ... من يدرى ماذا كان يخالج دحمان كلما تفرس فى هذه الورقة .. كلما أحس بها معه ؟ منذ سنوات ، منذ الايام الاولى لعلاقته بهذه الورقة ، كان يشعر باعتزاز ، ثم فقد هذا الشعور شيئا فشيئا ، كما يفقد كل جديد رواءه .. لكنه ظل يفاجئ الورقة بين الحين والحين متأملا خطوطها الغامضة التى توحى اليه بالكثير الغامض ....
وسأله الطبيب : - ألم تعط دما منذ مدة ؟ . وبحشرجة صوت غير مطاوع ، أجاب دحمان : - منذ اكادير ... كانت المرة الوحيدة ... وقلب الطبيب الورقة محاولا ان يكتشف شيئا على ظهرها كأن ما على وجهها غير مقنع ، وعاد يسأل :
- علاقتك بالمريضة ؟ . وزم شفتيه حتى لا تتمردا ، فتضيفا شيئا وعاد الطبيب يسأل : - أكلت شيئا منذ الصباح ؟ . تناول خبزا وشايا وعليه ان يكذب ، والا يظهر الكذب ، وعمد الى جواب هيأه فى اناة :
- صائم يا سيدى ...
تمتم الطبيب موافقا .. وقاد الرجل الى اريكة فخمة ، احس دحمان انه يطير او ان جسمه يفقد ثقله وهو يجلس عليها لطراوتها ... واحس كأن نوما يراوده ، والطبيب يعدل من جلسته فى هدوء ولطف . ثم سرت فى ذراعه برودة الكحول وانغرزت شوكة وصوت الطبيب يأمره بلطف :
- انظر الى الحائط . ولم تمتنع الرؤية على الحائط ، فقطرات الدم تتساقط فى الزجاجة داكنة مع نبضاته ، كأنه يحدق فيها .
- اغمض عينيك . وفى الاغماض ايضا لم تمتنع الرؤية ، ففضل دحمان ان يحدق فى كل شئ ، وكأنما يئس الطبيب من أوامره فتركه وشأنه ... والبقعة الداكنة نتراكم فى قعر الزجاجة ، ويد لطيفة مدربة ترفع الزجاجة وتحركها بين الحين والحين . وبعد دهر ، نزعت الشوكة ، وحلت مكانها لزقة ، وقام دحمان وعيناه تتبعان الزجاجة فى طريقها الى مكان آخر ... وظل يسير ملتفتا حتى كاد يصطدم بالممرض وما يحمل :
- قهوة ؟ . ورشف دحمان ، كانت منعشة وخرج . تلقفته عند الباب يد رجل مجلبب بشوش تربت على كتفيه .. كانوا ثلاثة أو أربعة من أهل المريضة ، وعلى بعد أمتار من المستشفى حدق دحمان فى ورقة العشرة دراهم ، والوجه البشوش يردد :
- الكلمة . . الكلمة . . حاول دحمان ان يصرخ محتجا لكن صوته صدر خافتا واهنا : - قلنا خمسين - قلنا عشرة - الكلمة هى الرجل - الكلمة عشرة
والتف الناس حولهم ، كان صوت الخصم أقوى وأوضح : - عشرة . . عشرة يا ناس ! وصوت اكثر قوة ووضوحا : - يبيع حياته بعشرة ! واحس دحمان بالله يثير الاشمئزاز وان الجمع ضده وانه ضد نفسه ... مذنب وظالم وخسيس هو وصوته لا يطاوعه وهو متأكد من ان ذلك ليس نتيجة مرض ، بل لمجرد ان صوته يتمرد عليه ... فليفكر فى طريقة للاحتجاج ينقذ بها موقفه ما دام صوته يتمرد ... ولتطعه اليدان .. وخطف ورقة العشرة دراهم ليقطعها لكن يدا ادركته ، كانت حركته فى التقطيع كاذبة زائفة ، لذلك احس بامتنان نحو اليد التى انقذت الورقة . واختلطت امامه الوجوه والاصوات بعد ذلك ، فانفلت يتحسس الورقة التى كانت تخشخش فى يده ...
اخرجته زوجته من تأملاته بحركة على كتفه وصوت : - نمت يا دحمان ؟ . بل كان يجتر يومه ، وتململ ، وعادت تقول : - خذ ! ..
وتناول منها السلك المعدنى بعد أن أخطأه مرارا لتكاثف الدخان ، أو بفعل خدر الذراع . وبدت له قطع الكبد الملفوف بالشحم ، المتراصة فى السلك ، مجرد بقع دخانية أشد كثافة ، ولاك احداها ، حركها فى شدقيه ولزوجتها تمتنع عن المضغ ، فأعاد تحريكها من شدق الى شدق ، وقد طغت على ذهنه صورة يد ناعمة مدربة تحرك زجاجة فى قعرها بقعة داكنة تتزايد .

