الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

دهاليز الزمن الممتد

Share

أوقف الرحل الحمار . غرز فى الارض وتدا أوثق به رسنه . أنزل جرتين من الزنبيل ومقعدا كان على ظهر الحمار . حمل الجرتين ومضى بخطوات وئيدة إلى ثنية يتخذها الناس طريقا . ثبتهما على الارض المتربة . ارسل زفيرا طويلا  ثم عاد ليحمل المقعد .

القي نظرة إلى حماره . كان يلتهم الهشيم بشراهة ويذب الذباب بذيله رفع الرجل المقعد . وضعه أمام الجرتين . سوى مظلته التى مالت على كتفه . تراجع قليلا وبقي يتأمل مقعده . تنحنح . قوم جذعه . نفخ صدره . رفع صدره  ثم تقدم مختالا وحلس على المقعد بتوان . اهتز قليلا فتحركت اللوالب وظل لحظات يعلو وينخفض . دهمته موجة فرح مفاجئ . فرد يديه على المتكأين وما رجليه . فغمرته نشوة عارمة .  

افتر فمه عن ابتسامة . ضحك . ازداد ضحكه . قهقه . ارتفعت قهقهته . دمعت  عيناه  أحس وخزات في بطنه . انتابه سعال حاد . امتدت يده الى اناء فرق الجرة اليمني . سكب فيه قليلا من الماء . ألقى به فى جوفه . ظلت يده ماسكة بالاناء وهى ترتجف . أسند ظهره . ارتخت أطرافه . فجأة أحس نارا تصهد رأسه . أشعة كاوية تسقط مركزة على جمجمته . امتدت يده الى المظلة التى وقعت على الارض . تأملها قليلا ثم أعادها فوق رأسه

أحال بصره حواليه . الحقول تمتد أمامه صفراء باهتة . بعض مزارعين يلوحون في الافق بصدد جمع أكوام التبن على جرار . وعلى مسافة بعيدة عن يمينه اشجار زيتون وطوابى التين الشوكى .

الشمس تزداد اقترابا من السمت . أحس حبيبات عرق تنمو فوق جلده تتجمع ثم تنحدر سيلا رقيقا على قفنه . امتد بصره مع التواءات الثنية . التقى  بشجرة يتيمة تنام على الطريق . وخروبة مترامية الاغصان يلوذ بها الطير فى  الهاجرة . راودة خاطر

" تود لو تنقل عدتك وتحتمى بظلها انت ايضا " .

ولكنه سرعان ما انمحي

" سيتوقف عندك كل غاد ورائح . سيروون ظمأهم من مائك . قد يشتد  بأحدهم العطش وينهكه التعب ، فيجلس حذوك ليستريح . وحين تسرى فى كيانه بعض الراحة وتنجلي عنه آثار الفتور يسألك .

هل تجيبه ؟ هل تحكى له حكايتك يا سالم يا بوراس ؟ هل تخرج للنور اياما دأبت على حشرها في سراديب الظلام ؟ هل تحكى اتصالك بذلك الشخص الذي ظل يمتصك كخلايا اسفنجية ؟ تستفيق الذكرى من سباتها هل كان حقا سباتا ؟ ! انها مجرد غفوة لتعود الى نهشك من جديد . ترى الناس تضيق بجموعهم الشوارع ، يهتفون ، يهزجون على انغام الطبول والمزامير ويرقصون . ويرفعون اعلاما كان مجرد الحديث عنها مخالفا للقانون كنت مبتهجا يطفح بالفرحة وجهك حين سألك صديقك : " ماذا تنتظر ؟ فقلت : " الشئ الكثير " وفى ذهنك أفكار تجول مزدحمة . ظلت تجول حتى برزت من بين الزحام احداها . نمت ، كبرت ، عظمت حتى أتت على كل ما حولها . استبدت بذهنك وافقت يوما تجاحف جدران المبانى الرسمية  وتهرئ على مدارجها رجليك . تحس أشياء تضطرب لها روحك ، تئن تختلط ، تتصادم ، تتبعثر ، تتجمع فى بؤرة . يقتحمها ذلك الوجه الصخرى ويعود يتارجح أمام عينيك . هل تبوح بذلك يوما ؟ هل تميط النقاب عن  البيض والدجاج والارنب والغلال والخراف والعجول ؟ كانت الوعود تنفخك وترسم لك ملامح عالم سحرى يراودك فى نومك وصحوك . وكانت الكلمات تهد صبرك فتذبل فى أعماقك أشياء حلوة وتورق أشياء لها مذاق الصبار

يهدك الانتظار ويعشش فى ذاتك القلق فتقصده فتكون الطعنة التى خلفت فى نفسك أخاديد .

ارتفع النهيق فجأة . انقبضت يداه زفر طويلا . زحف بصره على بقايا هشيم يدعسه الحمار . نهض . خلع بلوزته . صفن ذراعي قميصه

هه ! ابن الفاجرة ! فضل عليك قريبه العائد من المهجر . قال : إنه يحمل شهادة جامعية . طز ! هل عرف السجن مثلك ؟ ! الاعتقال شهادتك وتاشيرتك إلى كل المناصب . الجندرمة المتاريس الكلام الذي يسلخ الجلد الزنزانة الليالي البيض على البلاظ الاملس البارد

كان الباب موصدا . احتمي بمكتبه . قال صاحبه : " مسافرا ! " وقال ثان : "  مشغول " فتفرعت من رجليك عروق تجذرت فى الرواق . وجاء حاجب - غالبا ما تمتد يده الى قفنك - بما خلف فى نفسك مرارة العلقم  ، وعادت بك الدرجات الى اغوار خيبة سحيقة . انتظرته . اقتحمت ذهنك صورته  وانت تبقر بطنه وتخرج منها البيض والارنب والدجاج . ولكنك كنت تشعر  ان خيطا رفيعا ما زال يشدك اليه

حين لمحك لوى ظهره  . ركضت نحوه . لحقت به . طعنك بنظرة جانبية .

السجن الجندرمة المتاريس الاهانات

وعادت الوعود تنهشك من كل جانب حتى فاجأك يوما بأن ما تطلبه صعب المنال . قال : يلزم الشهادات . ولكنك تعرف من صار سفيرا لانه صفع بوليسا . ومن اسندت اليه أمانة أو كتابة لان بوليسا صفعه .

اتخبو الجذوة حتى يكاد يغمرها الرماد فتقنع بما ستجود به الايام وتمر  الأيام رتيبة متشابهة لا تحمل فى طياتها غير العلقم والصبار "

جف ريقه . أحس بمرارة فى حلقه . ملأ الاناء ماء وسكبه فى جوفه . ولكن المرارة ظلت عالقة بحلقه . تقل مرة ، اثنتين حتى تيبست شفتاه من جديد ، انصهد ظهره . أخذ البلوزة وسواها على كتفيه . عادت المرارة تسد حلقه . شد انتباهه شبح يلوح في الافق . نهض من مقعده . وضع يده متعامدة على جبينه . دقق النظر . رجل قادم نحوه . غمره نشاط مفاجئ . تفقد الجرتين . نظر في قعر الاناء يتفحصه . ثبت مظلته على رأسه . سوى بلوزته . عدل جلسته على المقعد وانتظر

كانت عيناه تتابعان سير الرجل في المسلك الملتوى حين غاص ثانية فى دهاليز ذاكرته

ظللت تلهث خلف السراب حتى جف ماء وجهك . رضيت بما لا يرضى به القنوع ولم تنله . وحين ضاقت بك السبل ولذت ببلدتك ، كانت مسيرتك على أفواه الرحال والنساء وحتى الاطفال حين تتقاطع طرقكم يحيونك وتنساب الاسئلة تحاصرك : لماذا ؟ كيف ؟ من ؟ . . " تلتفع بالصمت  والسخرية تنخس جنبك . النظرات تأكل ظهرك ، والهمسات تلسعك . ولم  يكن ذلك كله كافيا ليثنيك عن عملك . ترشحت لمنصب دون طموحك بكثير وخاب سعبك . وفاضت كاسك علقما فانحبست فى غرفة لا تغادرها وانطويت على ظلام اعماقك الذي امتص نور الغرفة . وهامت فى صدرك الهواجس .

ومضت الايام لا تحمل بصيصا من امل تسير بطيئة ثقيلة مسربلة بالكآبة وارتفعت موجة للاغراء ذات يوم كالجبل واقدمت من جديد دون تردد . وعدت كالطائر المهيض الجناح منطحنا . تدك السنابك ظهرك . زارك فى ذلك اليوم صديق . تذكر انه قال لك : " لم كل هذا ؟ أليس من الافضل لك ان تعمل ككل الناس ؟ ! ألم تدرك ان حظك سئ ؟ " .

كاد الجنون يطفر من عينيك وان تقول : " ليس أتعس من الحظ السئ الا الرضى به . لسنا من نفس الطينة . انا لم اخلق للاعمال التافهة التى تقومون بها . انا خلقت لشئ آخر .

ورسخ الاغراء فى أعماقك ينفث احلاما سحرية . وتراءت لك صور عديدة ذكرتك بحكايات جدتك عن الملوك والسلاطين . كانت تلك الحكايات تستهويك دون سواها .

تتأمل الرجل من بعيد تتابع حركاته ما زال يتقدم مال قليلا نحو  اليمين خطواته بطيئة امتدت يده الى جبينه لا شك انه يزيل بعض العرق غاصت رجلاه فى الارض بدأ يغيب عن ناظريك توارى تماما . خفق قلبك . نهضت برزت مظلته ثم رأسه فكامل بدنه ما زال يتقدم أخذ يقترب له بلوزة رمادية السروال داكن    أسود . . لا بني القميص باهت أبيض ؟ ربما " . عاد الى الجلوس . كان الرجل  بادى الارهاق ، يسير بخطى ثقيلة يرزح تحت الاشعة المتأججة . بلغ الخروبة توقف تحتها قليلا . أجال نظرات عجلى . مال الى جذعها يفك حصر نفسه استأنف السير

الرجل يقترب يا سالم يا بوراس . تهيأ . لطالما انتظرت هذه اللحظة . وخط الشيب سالفيك ولم تقطف مباهج الحياة بعد . لا زوج ولا عيال . . تتأمل الجرتين . يعانق بصرك الرجل وهو يدنو منك . تشتعل حواسك . يتدفق فى شرايينك شباب جديد مثل أشعة الهاجرة . تجتاحك موجة كبر عارمة  . تشع عيناك ببريق   يتوقف الرجل . يحييك . ترد بغمغمة . يتحدث عن الحر والعرق والاتربة والجدب والغلاء وانت صامت ترمقه بنظرات جانبية وتحرك رأسك مهمهما . سحنة احرقتها الشمس مظلة سعف مرقعة . عروق نافرة  في يدين برزت عظامها . يستمر فى حديثه . يركز نظره على الجرتين . تنفر حواسك . تسمعه يقول : " العطش الماء وهو يرنو الى الجرتين ببصر زائغ . يتخضب وجهك بالدم . تنزلق الكلمات من فمه :

- جرعة ماء ابل بها ريقي !

فترد بايماءة من رأسك والنشوة تسرى فى حواسك . يرفع غطاء الجرة التى عن يمينه ، يأخذ الاناء ، يهم بملئه . فيصطدم باعتراضك :

- املأه من الجرة الاخرى !

توقف في هالة من الحيرة . يبدو أن الكلمات انزلقت فوق وعيه دون ان نترك اثرا . امتدت يده من جديد الى الجرة التى عن يمينه . أوقفه صوتك . اكتنفه الفراغ . ترامي على وجهه القلق وساد صمت متوتر

قال بصوت خفيض :

- انها مملوءة ماء ! - أعلم . - غير صالح للشراب اذن ؟                                                                          بلى

اتسعت عيناه . ارتسمت على وجهه أقبح صورة للحيرة . رنا اليك مضطرب النظرات . سألك :

- لماذا ؟

لويت شفتيك امتعاضا وقلت : " اشرب ! اشرب من الجرة التى عن يسارك ! " .

قطب منزعجا . تشابكت في صدره رغبتان : يشرب أو لا يشرب ؟

قدرك بنظرات عجلى . دنا من الجرة التى عن يساره . ملأ الاناء . ودلقه على الارض . ثم وضع الاناء وانصرف

يغوص قلبك في صدرك . تضطرم فى اعماقك الهواجس . يتسرب الظلام إلى حنايا نفسك . فحأة تجتاحك شعلة غضب . يتعتعك الغيظ تطفح عيناك  بالحنق . تفكر في تحطيم الجرتين . رفع الحمار عقيرته بالنهيق . رماه بحجر  لم يصبه . وقع نظره على غصن يابس . رفعه واسرع الى الحمار وانهال عليه ضربا . تلوى الحمار من شدة الالم . اقتلع الوتد وفر هاربا وسط الحقول الباهتة وغاب عن الانظار .

عاد يجر رجليه . لم يعد يفكر فى تحطيم الجرتين

" ربما يأتي شخص آخر . حتما سيأتي . وسيشرب من الجرة التى تحددها له . وستندلق فى النشوة الى قمة رأسك ، صبرا يا سالم يا بوراس صبرا ! " .

ويعود سالم الى مكانه . ينفخ صدره . يمد رجليه . يفرد ذراعيه . ويظل ينتظر .

اشترك في نشرتنا البريدية