الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

دور ابن أبي الضياف، في إبراز الشخصية التونسية

Share

- 3 - (*)

(3) ومما عرفنا فى الاتحاف ان هيكل الحكم فى مبدأ  العهد التركى يقوم على  الوالى والقاضى أساسا وسوف نتحدث عن هذا الاخير من بعد ، ولكن الزمن تغير من بعد فآل الحكم من بعد الى داى متغلب وباى بالدرجة الثانية ، وأفندى  أى قاض وفى أيام المراديين تغلب الباى على الداى حتى اذا قامت الدول الحسينية ظهرت تونس إيالة شبه مستقلة يقوم الحكم فيها على باى وولى عهد هو باى الأمحال يضاف الى هذا كله أفندى أى قاض وداى.

وبتقدم الزمن ازدادت استقلالا وتشكلا فى هيكل دولة عصرية لها من الهياكل ما للدولة العلية من ملك ووزراء وولاة الى جانبهم نظام قضائى يأخذ بعين الاعتبار المذهب السنى المالكى مذهب عامة الشعب ثم الحنفى مذهب البايات ومن كان تابعا لهم من المماليك ولكل من المذهبين مفاتيه وقضاته .

ولم تصل تونس الى هذا الهيكل الحكمى المستقل الا بعد صراع مرير حدث بين المماليك الذين تتونسوا وفى مقدمتهم البايات وبين الدولة العليه فقد كانت تسعى الى ارجاع تونس الى حضيرة ولاياتها مباشرة يتعاقب عليها ولاة كما كان الشأن فى مبدا ضم الايالة اليها .

وفى الاتحاف عناية كبيرة بهذا الجانب لموافقته لهوى وطنى فى نفس الكاتب وقد جهد ابن أبى الضياف للكشف عن البذور الوطنية فى خلد حكام تونس الاتراك على نحو ما يقدم لنا شخصية عثمان داى وسعيه لاستقلال تونس عن

الدار العلية ( 56 ) واسترجاع جزيرة جربة من طرابلس على يد يوسف داى ( 57 ) وكأنى بابن أبى الضياف ينظر الى أولئك المماليك نظرة لا تخلو من تعاطف مراعاة لارتكاب أخف الضررين بالنسبة لتونس ، فالداى والباى على ما فيهما من بقايا نوازع الدخيل فان انتماءهما الاقليمى ان لم نقل الوطنى الى الايالة التونسية قد خفف من تلك النوازع بفضل المواطنة العشيرية ولا شك بمرور الايام ستفرض الشخصية التونسية نفسها على أولئك الدخلاء ويجعل من رجال حكمهم المواطن المسؤول الساهر على هذه الشخصية بكل مقوماتهم مما يؤدى الى تحقيق شئ من البلورة للذات التونسية . ويوضح هذا ما حصل فى العصر المرادى بين الداى الجمل وبين محمد باى فان الاول على مذهب " الترك يريدون الامر دولة بينهم وطريق الوصول الى الحكم الاقدام والعصبية على عادتهم بالحزائر التى انقرضت بانقراضها وانقراضهم ( 58 ) من ان هذه الايالة " مملكة ملك " لا تريد خرق عادة ورثها الخلف عن السلف " ( 59 )

والاتحاف حافل بهذا اللون من الصراع غير المباشر مرة  وغير مباشر مع الدولة العلية مرارا وكانت تتذرع للوصول الى تونس بما تطالبها به من الاداء السنوى وكثيرا ما يهرب البايات من ذلك يلوذون بكهف الشعب التونسى مقررين انه يرفض هذا الاداء ولا يوافق عليه ( 60 ) بل إن أولئك البايات لاذو بكهف الشعب أيضا لمنع هدية زيت سنوية يقدمونها الى الجزائر وبهذا الكهف أيضا وقفت اسطنبول دون ان تستطيع صنع شىء " لان أهل المملكة أبوا ذلك وأنفوا منه ورأوه ضريبة " ووصل الباى حتى قال لمبعوث الدولة العلية  : " ونجمعهم لتسمع جوابهم " وسمع الجواب بالنفى المطلق ولم تصنع الدولة العلية ولا الجزائر شيئا ( 61 ) وظل هذا الاخذ والجذب من أجل جر تونس من جديد حتى عصر المشيرية إذ يصل التأزم فى عهد المشير الاول الى درجه ان ذهب الى فرنسا يبغى التحالف معها أو الحماية العسكرية لحدود الايالة ولكن خير الدين باشا فيما بعد وصل فى سفرته الى وضع أسس العلاقات التركية التونسية فى موضعها الطبيعى استكمالا لمقوماتها الشخصية ، فقد جاءت تلك البعثة بتأكيد الامتيازات التونسية القديمة على وجه التحديد ويتمثل ذلك فيما لا يؤثر فى الشخصية التونسية استغلالا كالخطبة باسم السلطان وضرب

السكة أما العلم بشكله ولونه المخصوص فسيبقى على حاله كما ان نظام الوراثة لا يمكن مسه وان الايالة تبقى مستقلة استقلالا كاملا فى كل نواحى حياتها وكان ذلك ( 62 ) سنة 1869 .

على ان تونس وخاصة بعد ان أصبحت على عتبة عصر الحضارة الحديثة لم  تعد مقصورة فى صراعها على ما يجد بينها وبين الدولة العليه أو بينها وبين الجزائر فهذه  انتهى الصراع معها بالاستعمار والاخرى بما أقرته بعثة خير الدين بل فتحت عليها جبهة ثالثة ناتجة عن ضغوط الحضارة الغربية الحديثة أو الحضارة الاستعمارية التى اتخذت سلاحا حادا شهره فى وجه الدول المتأرجحة وهى تهمة التخلف عن الركب الحديث ثم بعد ان تركز الحافز للتشبث بذلك الركب راحت تمدها بالقروض وتغريها بالسرف حتى إذا ما استفحل هذا وذاك فيها لفتها بغزلها كما تفعل العنكبوت وهذا ما حصل لتونس فى صراعها من أجل شخصيتها الاستقلالية فلقد كانت على هذه الجبهة الثالثة تحاول اللحاق دون المساس بماهية السيادة ولكنها لم تفلح فراحت تصارع الصراع الشديد وتدافع الغرب الثلاثى ( فرنسا - ايطاليا - بريطانيا ) الدفاع المر  ، واذا تجاوزنا المدافعة الصليبية فى العصر الحفصى والصراغ الحاد على عهد على باشا بن محمد ثم على باى وحمودة باشا فان أول ما يصادفنا من هذا الصراع هو الذى قام من أجل الحصول على الامتيازات فى الايالة التونسية وهى نافذة فتحتها الدولة العلية فى خصوص طبرقة وتامكرت وبعض الاما كن الاخرى التى استرجعها على باشا بن محمد ثم أضاف اليها اخضاع القناصل الاوربية للالتزام بعادات تونس فى استقبال حكامها من خلع النعل وتقبيل اليد وقد حاولت فرنسا وقتها التجاوز عن هذه العادات ولكن على باشا الزمها الزاما ولئن كانت أمورا جزئية هامشية فى جوهرها فانها من حيث الاعتبار لها أهميتها فى الاعتداد بالشخصية القومية القائمة على احترام عادات الشعوب وفى العادات تكمن الشخصية ومهما قيل عن على باشا فان موقفه يساعد على تأكيد الشخصية التونسية مما وطأ لحمودة باشا ان يطرد القنصل الفرنسى حين تطاول عليه ( 63 ) .

وقد بقيت تونس بعد ذلك فى علاقات ودية مع الدول الاوربية الا أن هذه الاخيرة كثيرا ما اتخذت ذرائع لمداخلة قناصلها لشخصيات الحكم واضعافها

حتى اذا ما سقطت الجزائر تكشفت حقائق تلك الدول وخاصة فرنسا التى كشرت عن انيابها وتجرأت على الحكم وخرج قناصلها فى علاقاتهم عن كل عرف دبلوماسى تساعدهم أساطيلهم الجائمة على صدر الساحل التونسى وهنا كان الامتحان القاسى للشخصية التونسية التى لم تلبث ان ظهرت متداعية شعبيا لكثرة ما سلط على الشعب من ظلم وابتزاز الاموال وحملة مسعورة من مماليك البايات للافقار الجماعى وفى هذه الصورة من الانحلال الشعبى وجد الباى نفسه قد انعدمت فيها المثل القائمة فى شخصية الحكم خاصة ايام الصادق باى والتى كانت منشورة أيام البايات المنحازين الى الشعب كحمودة باشا فلدلك ركبه القنصل الفرنسى بسهولة واتخذه مطية لتحقيق امتيازات بني جنسه وكان رد الفعل فى الاتحاف مرا على هذه الحالة قال صاحبه :

" فانت ترى هذا الجواب - جواب القنصل الفرنسى واصراره على ان يطلع على كل ما ينوى الباى القيام به ومفاده الامتنان والجذب الى الاستيلاء على هذا الصقع الضعيف حسا ومعنى بلا مشقة ولا جيش حقيقى سوى جيش التخيل والخطابة والترغيب والترهيب ( 64 ) ويزداد الصراع وتقوى شرته كلما تقدم الزمن بالصادق باى ( 65 ) وهنا تضعف شخصية الحكم ضعفا وتنحط انحطاطا وينال من الشخصية التونسية نيلا قبيحا وذلك حين اقتطعت فرنسا ايام الصادق باى جزء من أرض الوطن فى الجهة الغربية واقتطعت معه سكانه . ولم يجد الحكم بعد الطى والنشر الا ان سجل على فرنسا بالكتابة متهربا لا الى الشعب كما كان يفعل سلفه وانما الى الدولة العلية فاصبح فارا اليها بعد ان كان هاربا منها وليس له سوى منطق الذليل العاجز لجبنه وسوء رأيه فى شعبه : " وحدود إيالتنا هى التى تتصرف فيها كما وجدناها من قبلنا ، واما تجديد التحديد أو ابدال بعض العمالة بجزء من غيرها فمعلوم اننا نتوقف فيما على المشورة من جهة الدولة العثمانية " ( 6 ) .

( 4 ) ومن الجوانب التى اهتم بها ابن أبى الضياف فى بلورة الشخصية التونسية العلم والقضاء وفى خصوص الجانب الاول فان ابن أبى الضياف لم يدخر وسعا فى التأكيد عليه شكلا ومضمونا ، ففى الشكل أفرد له جزءين من

كتابه للحديث عن العلم والعلماء لا بالمفهوم القديم ممن كرسوا مجهودهم للعلم تعاطيا وعطاء بل بمفهوم عصرى يقوم على من كان معدا من أولى الحل والعقد حتى ولو لم يكن عالما بأتم معنى الكلمة اما فى جانب المضمون فنلاحظ ان ابن أبى الضياف أشبه ما يكون فى ايراداته عن العلماء فى أجزاء الكتاب كلها بالمصور العارف بالأوضاع والرؤيا التى يأخذ منها صورته ومن هنا تأتى طرافة الكاتب سواء فى أحاديثه عن العلماء القدامى أو المحدثين وكانه يوحى فى ثنايا تاريخه بوقفته التى يقفها عند كل باى يحاول فيها ان يشير الى رجالاته المعتمدين فى عهده ومنهم العلماء وكانه يريد تسهيل الطريق للوصول الى فهم أولى لسياسة ذلك الباى بمعرفة أولى الحل والعقد عنده كما فعل فى ختام كلمها عن حسين بن على وهذا الاتجاه له اعتباره نظرا لتأثير العلماء فى الحباى الرياضة فى برامحه التعليمية خاصة منها الرياضة العسكرية .

على ان ابن أبى الضياف وهو أحد علماء تونس لم يكن متعصبا لاقرانه فى تعصبهم فيذهب معهم حيث يذهبون أو يناوئهم فيهاجمهم كلما وجد الى ذلك الهجوم سبيلا ، بل انه يمثل المؤرخ الامين والدارس المتأنى يقف عند المزيه فيقول هذه كما يقف عند الزلة ليشير فى نزاهة اليها وفى إنكار أيضا وهو صريح حتى فى ذات نفسه وأمين فى أحكامه حتى ولو كان على ذاته .

ومن هذا المنطق حاء اعجابه بابراهيم الرياحى وطريقة تدريسه الجامعه بين النظر والتطبيق كما كان اعجابه بالشيخ ابن ملوكة معلم الصبيان فى طريقته العصرية الجامعة بين تعليم القرآن وبعض العلوم العملية حين أدمج حصص الرياضة فى برامجه التعليمية خاصة منها الرياضة العسكرية .

والمتتبع لحياة العلماء وأعمالهم فيما تركه لنا ابن أبى الضياف نجد من الفوائد والعظات ما يؤكد هذه الشخصية التونسية فى ايجابياتها وسلبياتها وعلى سبيل المثال كتاب السياسية الشرعية لمحمد بيرم كتبه تبصرة للبايات في سياسة الدولة ومثل ذلك صدور عهد الامان وموقف بعض العلماء المشين وهذا من السلبيات وكيف ان طائفة منهم تحمسوا لهذا المشروع واعطوه من خبرتهم ومن جهودهم كالكاتب نفسه عند كل أمر وطنى مهم .

والملاحظة الاخيرة التى نسجلها هنا هو ان النهضة العلمية منذ الدولة المرادية كانت نهضة رسمية للبايات الفضل الاكبر فيها ، مما قيد الى درجة كبيرة نشاط العلماء ومواقفهم ازاء البيت الحاكم .

(5) واما الجانب القضائى فانه فى الحقيقة ولولا اننا اتخذنا طريقة مدرسية لا يمكن الفصل بين هذا الجانب والجانب العلمى لان هذا الجانب متوقف على ذاك والعراقة فيها متوازية منذ قيام الدولة الاسلامية بافريقيا حتى قيام الدولة الحفصية فاننا نلاحظ ان ادارة الحكم التى كان للقضاء فيها جانب مهم يتوقف هيكلها عن الشرعية المتمثلة فى البيعة العامة ، ومن المعلوم ان القضاء له ايضا تأثيره فى حياة افريقيا تونس اليوم ويمثل أحد الجوانب المهمة فى تكون الشخصية التونسية وسلطان القضاء القوى على الشعب وعلى الحكام معا اذ يجعل أولى الحل والعقد وفى المقدمة رأس الدولة ، محتاطين له حذرين منه وهو لا يقل خطورة فى تاريخ تونس الاسلامى وقد حرص صاحب الاتحاف على الكشف عن هذه الناحية مبينا كيف كانت العناية متجهة اليه ، ففى عصر الولاية التابعة كان الخليفة يرسل مبعوثه لينتخب قاضى الولاية متحريا التحرى الشديد فى اختياره متثبتا غاية التثبت وكان القضاء مع الحكم فى صراع وحين أهل عصر الامارة مع ظهور الدولة الاغلبية يلاحظ ان نحوا من هذا التحرى والتثبت ما يزالان وان كان الامراء كثيرا ما دخلوا فى صراع مع القضاء وعهد سحنون أكبر مثال غير ان حكم العبيديين كان بلية حقا حمل فى طياته بلايا انصبت على القضاء اعتبارا لتشيعهم وسنية رعاياهم وبعد أن غم على تونس بسبب الاعراب وخروج البلاد من أيديهم مع ما حصل بعد ذلك من تدخل الصليبيين نتج عنه الخراب والدمار ، ظهرت الدولة الحفصية باعتبارها دولة تونسية تألف الشعب ويألفها حتى وصل عرشها الى مستوى خلافة الاسلام مشرقا ومغربا مما جعل القضاء يزداد مع الايام تنظيما وتماسكا فقد ذكر ابن أبى الضياف ان القاضى فى دولة الحفصيين لا يبقى فى خطا القضاء بجهته أكثر من ثلاث سنين ثم ينقل اثرها الى غيرها من الجهات وهكذا دواليك حتى يتصدر القضاء الحاضرة ويصل من بعد ذلك الى قمة المسؤولية العدلية وهى الشورى والافتاء ، وكانى بابن أبى الضياف قد أعجب بنظام قضاء بلاده لما كان عليه فى سلم الترقيات العلمية المدروسة المتأنية والتى تجعل القاضى تحت المحك والتجربة زمنا طويلا حتى اذا تبوأ مناصبه العليا استحقها كفاءة وباشرها التزاما " وكما وقع لعاشر ملوكهم أبى زكرياء بن أبى العباس بن محمد اللحيانى - على ما فيه - من اسلام ابنه وفلذ كبده لحكم الشريعة فى جناية لزمه فيها القصاص بالقتل وحكم به القاضى ابن عبد الرفيع من غير توقف ولا احتشام لمقام ابن السلطان ولولا العفو من أولياء الدم ل

ينج من القتل . ولما نجا من القصاص حكم عليه القاضى بسجن عام وضرب مائة كفارة على مقتضى المذهب المالكى اذ كان القتل باقراره (67) .

وحيت ان القضاة التونسبين يخضعون لنظام دورى آخر المطاف فيه العاصمة ، مما يؤكد ان تقاليدنا المعاصرة والحمد لله فى معظمها موروثة عن أصولنا وتقاليدنا العدلية ولسنا فيها بمتساوين مع الذين استوردوا وانغلقوا

غير ان ابن أبى الضياف حين يتطرق الى وضعية القضاء فى العصر التركى يشير الى ان اسطنبول كانت تصدر القضاة الى تونس وقد آل الامر بسبب ذلك الى فساد هذه الخطة الجليلة لجهل اصحابها الترك حيث انهم يقدمون فى صورة سماسرة للثروة وجمع المال ، ومساغهم فى ذلك جهلهم وقله معارفهم حتى اذا جمعوا ما جمعوا عادوا من حيث أتوا وتركوا البلاد مخلفين وراءهم آثار إفسادهم ودامت الحال طول عصر الولاية ومعظم فترة حكم المراديين فكانت نهايتهم فى الديار التونسية ايذانا بانتعاش شخصية تونس القضائية فلقد عمل حسين بن على والرجل مثال للتونسة الاستقلالية لمصلحة فيها ثم من بعده أبناؤه فكان جميعهم عاملا على استقلال القضاء التونسى عن الدولة العلية وقد كاتبها حسين بن على فى خصوص استغناء تونس عن قضاة دار الخلافة ومبعوثيها والاقتصار على ابناء الايالة ينتخب منهم ما ينتخب فأجابته اسطنبول الى مطلبه ومن عندئذ بدأ القضاء يستعيد مكانته وخطره  (68) وانطلاقا من استراتيجية الدولة الحسينية الساعية الى استقلالية الايالة سياسيا واداريا واقتصاديا وفى عصر لم يقع فيه فصل الدين عن الدولة فانه من الصعب ان  يحقق البيت الحسينى مقاصده الا بانماء الشخصية الاقليمية والتحبب الى الشعب ولن يتيسر لهم هذا الا بظهورهم بمظهر رجال الصد الاول مع تفرغهم للعلوم وخاصة منها الدينية وتشجيع المتعاطين لها دراسة وتدريسا بالمال والتقريب والمجالسة والتشريك فى ادارة الايالة بالرأى والفعل وتمشيا مع هذا الخط رأينا مدارسة على باشا الاول ومشاركته فى العلوم ومثله ابن عمه محمد الرشيد وشقيقه على باى الذى راح يقلد بعض خلفاء بنيى أمية فى عقد المجالس الادبية والدينية حتى شارك فى التدريس ولى قطب العلماء يسامرونه ويبيتون عنده وهكذا كانت الارضية التى انمعنى واستقطب العلماء يسامرونه ويبيتون عنده وهكذا كانت الارضية التى انـــ

عليها نظام القضاء فرأينا نظرا الى تمذهب البيت المالك بالمذهب الحنفى تقديم علماء الحنفية فى الخطط على علماء المذهب المالكى والتمييز بينهم فى الرواتب حتى جاء المشير وأزاله.

وفى مبدأ الامر كان شيخ الاسلام حنفيا تم آل الامر فيها الى علماء المذهب المالكى على ان القضاء كان مستقلا الى حد كبير وقد أتيح لهذه الخطط رجال أكفاء لا يخافون فى الله لومة لائم بينما وجد فيهم احيانا من ضعف موقفه ولانت للحكم عزيمته فوصفت مواقفه القضائية بالميل عن العدالة متخذا اختلاف الآراء لنوازعه سبيلا وذريعة يتذرع بها لتحقيق المآرب .

ذكر ابن أبى الضياف ان على باشا سامر المجلس الشرعى فتباهى على أهل المجلس بكونه لم يكن كالحجاج بن يوسف لانه يعظمهم ويقضى حوائجهم ووجم من فى المجلس ولكن القاضى محمد حمودة الريكلى رد على على باشا ردا مفحما : " العلماء المتقدمون كانوا يغيرون المنكر على الملوك " .

ولهم صاغيته من آذان العامة واما نحن فلم نفعل شيئا من ذلك وهل غيرنا عليك شيئا مما أنت فيه من سفك الدماء ونهب الاموال فلأى شئ تقتلنا ولا عداوة بيننا ؟ .

وغضب على باشا فخرج يستمع الى حوار القوم بعده واذا بهم يعزفون بالشيخ الريكلى ووصفوه بانه قد عرض نفسه وجماعته " لسيف سطوته " ثم خرج على باشا عليهم لتقول لمحمد حمودة الريكلى : " مثلك من تفتخر الملوك بمجالسته " فانظر كيف ابتدأت شخصية القضاء التونسى وعندما كان صاحب الخطة يملأ كرسيه كما يقولون . وهذه نادرة اخرى للشيخ القاضى الريكلى دور فيها فقد ذكر ابن أبى الضياف ان المفتى أبا عبد الله محمد سعادة ( حكم على بعض الاقوال بفساد حبس وكان ليونس باى ارب فى فساده فكتب المفتى الحكم بخطه ونسبه الى الشيخ القاضى وناوله الحكم فى المجلس فأبى امضاءه - أى الريكلى - وأصر على الامتناع فقال له المفتى : " كيف نفعل ؟ " فقال له الشيخ الريكلى : "حكم سعادة طابع الباشا والريكلى لا يقتحم جهنم " فصارت مثلا لكل أمر بنى بين اثنين على غير أساس فانكر الباشا ذلك وعذل ابنه وأمر القاضى ان يحكم بالراجح الجارى به العمل ( 69 ) .

وهكذا فان قوة شخصية القضاء لها تأثير فى تغيير مجرى القضايا عندما يكون القاضى عدلا والمواقف العظيمة من هذا القبيل كثيرة فى هذه الفترة لعل أحسن مثال لها مواقف الشيخ ابراهيم الرياحى الذى لم يكن يدارى أو يجارى ويتعقب البايات كلما جاروا ولكنهم لم يبخلوا به فاصطنعوه وتجنبوا سطوته وقد أتيح لبعض العناصر القضائية فضل من نور البصيرة فى القضاء فحاولت ان تبرهن فى بعض الفترات للبايات على ان شكاوى الشعب من الحكام ليس مرده الى الضرائب المفروضة وانما مرجعه الى الزائد الذى ينبهه ولاته وقد حصل هذا أيام على باى ابن حسين اثر مظاهرة صبيان الوطن القبلى بباردو وعزل الباى لواليه المورالى فقد لاحظ فى مجلس الباى القاضى أبو المظفر منصور المنزلى ذلك وحين أظهر استعداده لتحمل مسؤولية الولاية فى الوطن القبلى بالاضافة الى القضاء فى نوازلهم بالحكم الشرعى قال على باى له : "أو تفعل ؟ " فقال : " وما يمنعنى وأنا أعدها قربة أتقرب بها الى الله تعالى بتنقيص الضرر وارتكاب أخف الضررين " .

وسر الباشا بما سمع ولكن بعض العلماء المفسدين راحوا يعارضون القاضى فى توليه وقد وصفهم ابن أبى الضياف بالجهلة المنتسبين للعلم .

وقد برهن أبو المظفر القاضى على رؤية قضائية تذكرنا برؤية السلف الصالح فقد أجاب على افتراضات المعترضين بأن الخطة الشرعية لا تنافى ما فيه صلاح الامة ( 70 ) .

وهذه الرؤية هى التى قدمت لنا فى هذه الفترة كما قلنا اعلاما فى القضاء التونسى من أمثال صالح الكواش واسماعيل التميمى وابراهيم الرياحى  والشيخ البحرى قاضى الحاضرة والمفتى أحمد البارونى.

ولكن الزمن كلما تقدم ازداد القضاء انحسارا عن المسرح السياسى والابتعاد عن مراقبة الحكم حتى وصل الكثير الى الاقتصار على وظيفة القضاء يؤديها كيفما كانت وأصبحت الفكرة على أنهم رجال دين ورجل الدين بعيد عن قضايا الدنيا ، وقد انبرى لهم ابن أبى الضياف ينقدهم نقدا شديدا فى انحسارهم وقصر نظرهم خاصة بعد صدور عهد الامان حين اعتذروا عن المشاركة فيه ، فقد ذكر صاحب الاتحاف ان مصطفى خزندار أخبر الصادق

باى : " بان المفتين من أهل المجلس الشرعى ثقل عليهم الحضور " فقال : " لهم العذر لان ولايتهم تتناول السياسات " وقال ابن أبى الضياف معقبا بمرارة : وهؤلاء العلماء وان قبل عذرهم الباى فى الدنيا ففى يوم العرض يطهر المعذور من غيره " ( 71 ) .

واذا ربطنا بن كلمة الصادق باى هذه وبين كلمة من وصفهم ابن أبى الضياف أيام على باى الثانى بالجهلة المنتسبين للعلم : " ادركنا كيف انتهى القضاء التونسى من انحطاط وتخاذل فى القرن التاسع عشر حتى ان رجلا كأبى الثناء محمود قبادو وقد كان تحمس كثيرا لصدور عهد الامان ينقلب فى جملة المنقلبين على عهد الامان وينحاز الى الباى فى ثورة على بن غذاهم وليته لم يتكلم ولكنه سجل على نفسه وخططه القضائية قصيدة عار وتزلف رخيص . وعلى كل فان تردى القضاء بتردى أهله لهذا العصر لا يمنع من انعكاسات اخرى تدل بطريق السلبية على ان دور العلماء كعلماء فى القضاء قد أوشك على التداعى وان شخصية تونس الشعبية لم تعد تنظر الى رجال الدين للتزكية بقدر ما هى فى حاجة الى التفاعلات الحضارية المعاصرة وقد كانت حركة خير الدين ونشاط الرائد الرسمى التونسى أكبر دليل على ان أداة التنوير الوطنى لم تعد فى رحاب المجلس الشرعى وان تونس فى حاجة الى قيادة بصيرة بالسياسات العالمية والمذاهب المختلفة قدر استيعابها للتراث الفكرى دينا واجتماعا .

ومهما قيل عن مفهوم الشخصية التونسية من كونها لم تتبلور أو تأخذ فى البلورة الا فى القرن التاسع عشر بسبب ظروف ومواقف سياسية غربية  عالمية فان الاحساس الوطنى بالخصوص كان يمثل باكورات البراعم فى الشخصية التونسية عبر العصور وكان ابن أبى الضياف أكبر معلم وضع على طريق الشخصية التونسية بصماته حين قرر فى الاتحاف وأضاف ما أضاف في شعره الوطني وبعض مقاماته ورسائله تعلقا بقضايا بلاده وحبا لمعالم وطنه وتراثه . ه .

اشترك في نشرتنا البريدية