1 إذا كان الحديث ) * ( يتناول دور ابن أبى الضياف فى ابراز الشخصية التونسية فمن الطبيعى ان لا نسرع بالخوض فيه الا بعد ان نقف قليلا عند كلمة " الشخصية " دلالة ومفهوما ، وعن المقصود من ربط صاحب الاتحاف بمفهوم الدورية لايقاظ الشخصية التونسية ، نشدنا للمحافظة عليها وبالتالى انطلاقا تأصيليا فى النماء
ان كلمة شخصية فى نسبتها هذه ثابتة الى جذر المادة الذي هو شخص ومعناه ارتفع وظهر ، كما فى اللسان والشخص بالتسكين سواء الانسان أى ذاته وجسمانه . إذا عرفنا هذا ، فالشخصية اذن صفة بطريق النسبة اللغوية الى مادة " شخص " ولا شك انها تدل على الصفات والاحوال ، والأشياء الخاصة بالشخص فنقول : هذه الامور شخصية أى انها أمور خاصة بالشخص مقصورة عليه لا تتجاوزه وبذلك تميزه بما انضاف اليه زيادة وظهورا ، وفي هذا إلحاح الى مفهوم النسبة فى هذا الاصل اللغوى ، اما في معناه المحلى أو الاجتماعى الخاص فالمعنى المقصود هو ان لتونس من المواقف والمذاهب الحياتية والقيم ما يجعلها تتميز عن غيرها وتنفرد . والمعايير نسبية كما نعلم ، ومعنى هذا ان لتونس من الخاصيات والمبادئ ما يجعل لها كيانا قائم الذات عبر تاريخها الطويل فكرا وسياسة واجتماعا ومتلائمة تبتعد بها عن التبعية المضللة والذوبان فى كيانات أخرى مشبوهة أو حتى غير مشبوهة
ولا شك ان الحديث عن تحديد مفهوم الشخصية يجرنا إلى الحديث عن تحديد مفهوم القومية والاقليمية فاذا قلنا : دور ابن أبى الضياف فى ابراز الشخصية التونسية ألم نكن كأنا قلنا : دور ابن أبى الضياف فى ابراز القومية التونسية ؟ هذا إذا سلمنا جدلا بأن لتونس قومية خاصة بها .
لا شك ان بين التعبيرين نسبا قويا لكنه لا يصل الى درجة التماثل اذ فى التعبيرين ما يذكرنا بالمفارقات بين افراد الاسرة الواحدة بالرغم من وجود الاصول الطبيعية المتشابكة او قل : المتحدة ، على ان تلك المفارقات لا تنفي وحدة الروابط بينما فى التعبير الثاني ينصب البحث عن الجذور والاصول لتلك الاسرة نفسها ومن هنا نستطيع ان نقرر ان بين التعبيرين خصوصا وعموما اذ بامكاننا وصف الشخصية بالقومية فنقول : هذه شخصية قومية اى ان هناك الشخصية المنتسبة للمفهوم القومى انتماء ليست شخصية انفصالية نافية لذلك الانتماء فى حين لا نستطيع أو قل يتعذر علينا ان نقول : هذه القومية الشخصية لما سبق ان أشرنا
اما الاقليمية فانها نسبة الى ذات كالشخصية ولكن هذه الذات اطار ظرفى بستوجب مفهوم الشخصية لتشمله بصورة اتحادية أو ملابستية لا تصل الى هذه الدرجة وتؤدى مفهوم المحدودية فى اطار جغرافي قد يصل بها الى معطيات تعصبية انتمائية لان الصفات الاقليمية قد لا تقدم لنا مفاهيم تجددية بقدر ما تقدم لنا مفاهيم خارجية وأكاد أقول جاهزة وأكثر محدودية بسبب ما توحى به كلمة إقليم من ايماءات ظرفية
وهذا المفهوم هو الذى نجد بداياته فى الحقل الادبى عند الثعالبى فى " يتيمة الدهر " حيث نظر الى مفاهيم اقليمية فيما تعرض له من تصنيف لشخصيات كتابه بينما نجد النسبة للمفهوم الثاني بدايات لعل اظهرها الدراسات التى أقيمت حول المتنبى وأبعاد قوافيه وهو الاتجاه الذي سار فيه ساطع الحصرى وتفرد به أو كاد ، وكان أبو القاسم كرو قد شغل بهذا الموضوع وقتئذ
ويبقى لنا بعد ذلك المفهوم الاول الذى هو عليه مدار بحثنا وهو الذي سار فى خطوطه بالموازاة باحثون كثيرون امثال جواد ظاهر وابراهيم الوائلى ومحمد كامل حسين وأمين الخولى واستهوى العقاد وبعض معاصريه فترة من الزمن ، ولعله اتجاه سليم باعتباره مرحلة تحضيرية معمقة للوصول الى ما يسمونه بالشخصية القومية
وعلى هذا فنحن عندما نقول : " دور ابن ابى الضياف فى ابراز الشخصية التونسية " فاننا قد لا نستطيع ان نقرر الا ان هذه الشخصية اطار أو طابع خاص بالشعب التونسي في رقعة جغرافية متكاملة تمت بالاسلام والعربية واستعمالنا العبارات تمت للاشعار بالرصيد المتقدم فى الحلقات التاريخية المتعاقبة من قرطاج الى العصر الحاضر ، وفي هذا الاتجاه بعد كامل عن مفاهيم الانفصالية وان كانت تأخذ بالجانب الاقليمي ولكنها ايضا تأخذ بالجانب القومى فان شعبا كالشعب التونسى يضم فى ملفه الحضارى أمثال حنبعل ويوغرطة وطارق بن زياد وسحنون وابن خلدون وابن عرفة وامثالهم حتى العصر الحديث لا يمكن ان يوصف فى بعث شخصيته بالانفصالية حتى ولو انعكست فيها ظلال إقليمية فيها من المبادىء والكليات ما يجعلها أساسية عند كل بحث لان بحثنا والحالة هذه بحث تكاملى وأساسى عند كل شعب ينتمي الى هذه الامة
واذن ، فما دور ابن ابى الضياف فى ابراز الشخصية التونسية ؟ وهل بامكاننا تحسسها ؟ لعل أهم ما ترك لنا ابن أبى الضياف من آثار فاعلة هو اتحافه المهتم فيه الى حد كبير بنفض الغبار وأيضا الكشف عن الشخصية التونسية وانعاشها ببعثها المتأصل ، ولقد اعتمد فى تبويب كتابه على العامل السياسى باعتبار الكتاب تاريخي الموضوع سياسي الطابع متوخيا من حيث الاسلوب ، طريقة الايراد والترديد بين التحليل والتعليق واستخلاص للعبر مقتصدا فى احكامه يجمع بين حيطة العالم ورهافة حس الناقد مستهديا فى كل ذلك بكثير من قواعد المدرسة الخلدونية فى النقد التاريخي وأصول علم العمران البشرى
ويظهر ان ماضى تونس الاسلامى وحاضرها العثمانى يشده شدا قويا مما حدا به الى ان يقصر اهتمامه على البلاد التونسية ، وعلى الاخص منها الفترة الاسلامية ، متغافلا عن الفترات السابقة اما لعدم تصور كاف لتاريخ تونس القديم أو لنظرية درج عليها ، وأمن بها فلذلك عمد مباشرة الى التاريخ لتونس الاسلام ، انطلاقا من عصر الفتح وابتداء بعصر الولاية وهو عنده وهذا الواقع عصر التبعية الكاملة ثم عهد الامراء المستقلين ومن عناوين الابواب التى انعقد بها الكتاب نتبين ان ابن ابي الضياف لا تعنيه كثيرا تبعية تونس الاسمية ويرى فيها نظام المملكة المستقلة مثل : بيت الملك لبنى الأغلب ، بيت الملك لبني عبيد الخ ، مع العلم ان بني الأغلب مثلا لا يتمتعون الا بالاستقلال الداخلى فى كنف الخلافة العباسية ومثلهم الصنهاجيون فانهم كانوا ولاة لبنى عبيد وقل ذلك أيضا فى بيت الملك لبنى حفص قبل استقلالهم عن المغرب الاقصى
وكأنى بصاحب الاتحاف لا يعنيه الشكل الاعتبارى فى السياسة بقدر ما يعنيه واقعها وهو فى هذه الحال بالنسبة لتونس واقع استقلالي والشخصية التونسية فيه قائمة ، ذلك ان اى حاكم من اولئك الحكام الامراء لا تثبت له شرعية ولا يتم له اعتراف الا بعد تزكيته من قبل أولى الحل والعقد فى البلاد ساسة وعسكريين وعلماء وما لم تتم له البيعة فان ولايته ليست بشئ وان زكاه الخليفة أو امضاه السلطان ولذلك درجت بيوت الملك والامراء فى تونس على أخذ البيعة من الشعب فان تمت تم الحكم ومضت السيادة والا فلا سيادة ولا حكم ، وهكذا اصبحت البيعة اطارا للحكم ، وبندا لا يمكن التخلى عنه تحافظ عليه تونس محافظتها على وحدة المذهب والسنة حتى ان الوالى أو الامير اذا ما انتقض عليه فان انسحابه مندحرا ، ثم رجوعه الى الحكم منتصرا يقتضى تجديد البيعة له حتى تتجدد شرعيته
هذه هي هيكلية الكتاب عامة اما فيما بعد فان صاحب الاتحاف اظهر انه متمسك بالمدرسة التونسية فى التاريخ والعمران البشرى مقيم الدليل على ان لتونس طابعها بل وشخصيتها فى ميدان العلم والبحث فكان كتابه امتدادا من حيث المنهجية العامة لتاريخ ابن خلدون ، ولما كان هذا الاخير بني كتابه " العبر " على مقدمة وموضوع فكذلك أحمد ابن أبى الضياف بني اتحافه على مقدمة وموضوع لكنه - على خلاف ابن خلدون - اقتصر على تاريخ تونس الاسلام فى المقدمة وعالج ماهية الحكم وأصنافه من ملك مطلق الى مقيد بقوانين وضعية الى جمهورى ونظام خلافى وهى الامامة اى الملك المقيد بالشرع وهو فى حديثه عن هذه الاصناف كلها يعتمد على ايرادات مختلفة من كتب التراث والقرآن والحديث وأقوال الصحابة ودراسات لكتاب متقدمين ومتأخرين من المسلمين وحين وصل الى بحث أسباب قوة الملك وأسباب انحلاله وجدناه يعود تونسيا خلدونيا مستشهدا بما ورد فى المقدمة سعيا لتصحيح رأيه وتقوية حجته وتقويم اجتهاده ، مؤكدا على هذا الفتح الخلدوني الجديد فى البحث منبها على أهمية ما توصل اليه الباحث التونسي ولقد ظل ابن أبى الضياف متشبثا بنظريات ابن خلدون من أول اجزاء كتابه حتى آخرها وكانه يوحى الينا بأن دراسته التاريخية هذه ان هي الا حلقات جديدة ترتكز على نظرية ابن وطنه فى الاطوار التاريخية للامم والشعوب منقحا حينا فى النظرية رادا حينا آخر مطبقا لها ومن الافضل ان نقف هنا قليلا :
يقول ابن ابى الضياف معقبا على كيفية انقراض دولة بنى حفص : " وانظر ما آل اليه الحال بعد تلك القوة وعز السلطان وعلو الكعب من انتقاض الجهات وانتزاء الثوار على البلدان ، واستطالة ايدى العربان بالفساد والنهب حتى استاقوا ظهر السلطان من مرتعه بالجبل الاخضر فى ظل قصره بباردو ، بعد ان تقاسموا المملكة بالاقطاعات من بعض سلاطينهم ، والعرب إذا تغلبوا على الاوطان أسرع لها الخراب لمنافاة طباعهم للعمران حتى وقع الاجلاب على المملكة بغير أهل الملة واستعانوا بهم على الملك المطلق الموزع اكثره بين جفاة الاعراب وصعاليك البوادى وصار آخرهم كالمسجون فى حجرته لا يملك الا موضع قدميه مع مقاسمة شريكه الغالب المثابر على استجلاب القلوب بالعدل والرفق وصار معمور المملكة بلقعا يتأنس به الوحشي ويتوحش به الانسى " ثم يقول الكاتب معللا هذا الوضع المزري ) 3 ( : " واذا جال الفكر فى هذا الانقلاب تجد له أسبابا معقولة تعضدها الاخبار المنقولة ، وذلك أن الوازع فى أول ملك القوم كان على قانون شرعى أصوله الكتاب والسنة دانوا به فى أنفسهم وحضوا عليه من وراءهم مع الاقتداء بالسلف الصالح فى خشونة مأكلهم وملبسهم والاقتصار على حد الكفاف فى ابنيتهم وشعار ملكهم يتباهون بالانحياز لى سيرة الخلفاء الراشدين والناظر فى كلام صاحب الاتحاف يجد اكثر من موطن يلتقى فيه تأثرا بابن خلدون فى كون الاعراب تتنافى طباعهم والعمران البشرى ، وانهم اذا تغلبوا على أوطان أسرع اليها الخراب وهو في فهمه للمقدمة كان انفذ بصيرة ممن اتهموا ابن خلدون بالتعصب على العرب والبغض لهم ، فانظر كيف يقتفى أثر ابن خلدون بقوله مع مقاسمة شريكه الغالب المثابر على استجلاب القلوب بالعدل والرفق وجعل ذلك مرتبطا بالاقتصاد والتقشف وعدم الترف فان كل هذا دلالة على تبنى الكاتب لنظرات ابن خلدون التاريخية شكلا ومضمونا . والعبارة : " إذا تغلبوا على أوطان اسرع اليها الخراب " وانظر أيضا الى ما يقرره فى أسباب ستقوط الدولة الحفصية ( 4 )
" وانسلخ أواخرهم عن هذا الخلق وارسلوا سوائم نفوسهم فى مراتع الشهوة الحيوانية وشر الناس لنفسه من جهل مقدارها ولم يتهم اختيارها وقفا - ان شرهت - أثارها وطار بجناح طمعها الى وخيم مرتعها من الجرأة على القتل
وأخذ الاموال بغير وجه شرعى ولا عقلي والتصرف بالقوة الحيوانية بلا وقوف عند حد الى غير ذلك مما تقدم فى العقد الاول من المقدمة والطبع الحيوانى لا يقتضى الخلال الحميدة التى هى اصل الملك
ويواصل المؤرخ كلامه فيقول : " وقد عقد ولى الدين ابن خلدون فصلا فى مقدمة كتابه محصله : " ان من علامات الملك التنافس فى الخلال الحميدة وبالعكس " قال في آخره : " إذا تأذن الله بانقراض الملك من امة حملهم على ارتكاب المذمومات وانتحال الرذائل وسلوك طرقها فتفقد الفضائل السياسية منها جملة ولا تزال فى انتقاص الى ان يخرج الملك من ايديهم ويتبدل به سواهم ليكون نعيا عليهم فى سلب ما كان الله قد أتاهم من الملك . " ) 5 ( ثم قال صاحب الاتحاف معقبا : " واستقرأ ذلك وتتبعه فى الامم السابقة تجد كثيرا مما قلناه ورسمناه " ) 6 (
والذى تجدر الاشارة اليه فى الفترة المتقدمة أولا : ان ابن أبى الضياف فى تحليلاته التاريخية يذكرنا بصحة مقاييسه التى وضعها فى مقدمة كتابه : الى غير ذلك مما تقدم فى العقد الاول من المقدمة ) 7 ( والطبع الحيوانى تقتضى الخصال الحميدة التى هى اصل الملك
ثانيا : تعضيد مرتاه بكلام ابن خلدون فى أسباب انحلال الملك ولكنه لا يردد آراء ابن خلدون ترديدا ببغائيا بل انه يأخذها هضما ويتمثلها فى حيز التطبيق من منطلق ثقافة عصره ووضوح رؤياه فلذلك نراه يقرر ان بقاء الحكم وضمان العمران البشرى لا بد له من أحد الوازعين ، الديني أو السياسي ويظهر هذا فى حديثه أيضا عن بنى حفص : " ولم يكن للمتأخرين منهم ما يردع أغراضهم النفسانية من وازع شرعى أو سياسي ولذلك كثرت الثوار والخوارج والدين واحد ، ولا يخفى ما فى الحروب الاهلية من نقص العمران وخراب البلدان ولو كان لهم قانون سياسي يردع الجاهل منهم كقانون دول الحضارة المحترم عند ملوكها وعامتها ما التهبت نيران الثوار ، ولا وقع بغير
اهل الملة الانتصار وهذا من ثمرات الملك المطلق فان من فعل ما شاء لقى ما ساء " .
وفي هذا الرأى اضافة جديدة لمبادئ ابن خلدون فى عمر الدول وأسباب انحلالها فان الدول قد لا تنحل إذا حل محل الوازع الدينى وازع آخر وضعى يتمثل فى ايجاد قوانين ودساتير على نحو الدساتير الاوربية وقتئذ فانها فى رأى ابن أبى الضياف سياج كاف للحيلولة دون انحلال عمر الدولة ويزيد لرأيه توضيحا حين يتعرض لحموده بن عبد العزيز صاحب الكتاب الباشى الذي أخذ نظرية ابن خلدون فى عمر الدول اتباعا وتقليدا قال صاحب الاتحاف يرد عليه هذا اعظم الاسباب يقصد انعدام الدساتير فى انحلال عرى هذه الدولة وزوالها لا ما ذكره الوزير الكاتب أبو محمد حمودة بن عبد العزيز فى مثل هذه المحل من كتابه حيث قصر السبب على ما يقع عند تناهى الحضارة من الخراب وعلى الاعمار الطبيعية للدول ( 8 ( لان القوم أى الحفصيين - فى ذلك الوقت لم تبلغ حضارتهم مبلغا تقتضى هذا التأخير والخراب وهم الى السذاجة أقرب ومبانيهم شاهد لذلك كالجوامع الحفصية بتونس فانها بعيدة عن ترف الحضارة وزخرف التحسين على ان ما ذكره ولى الدين غير مطرد وناهيك بحضارة القسطنطينية مقر السلطة ومجمع البحرين ومحشر الوفود وينبوع العمران ، وسوق التجارة الاعظم وشوكة الاسلام ومدينة مصر وغيرهما من أمصار المسلمين عمرها لله ) 9 (
فالكاتب هنا كما نرى ناقد لسلفه بن عبد العزيز فى اتباعياته ، منقح لنظرية سلفه ابن خلدون مدعما تنقيحه بالمشاهد في بلاد الاسلام من جهة وبما يشاهده فى البلاد الاوربية من جهة اخرى ملاحظا ان الحضارة لم تزدهم الا قوة وما ذلك عنده " الا لجريان العدل فى بلدانهم على قانون معقول تنقاد اليه الخاصة والعامة ويقف عنده الامير والمأمور ليس لهما نبوة فيه ولا لسلطانهم فيه شهوة الا بعفو عن مذنب والعدل اذا دام عمر والجور ان دام دمر ( 10 ) .
ثم يقول : " وأما أعمار الدول الطبيعية فانها بما تكون فى المتغلبين بقبائلهم وعشائرهم ، وفي غير الحواضر وناهيك بالدولة العثمانية فانها الان فى المائة السادسة من العمر يتجدد دم الشباب نتيجة القانون الذي أساسه الشريعة الاسلامية وسياسة حال الوقت ودول الفرس ودول الامم المسيحية فانها تجاوزت العمر الطبيعى بكثير " ) 11 (
وهكذا فان ابن ابي الضياف قد عدل فى نظرية ابن خلدون القائلة بأن العصبية هي أساس الملك على ان ابن خلدون نفسه قد نقحها بعد ان انتقل الى الشرق واتصل بتيمورلنك والمهم ان صاحب الاتحاف يشير من طرف خفي الى رأى ابن خلدون الاستقرائى فى حدود المجتمع القبائلي والعشائرى دون المجتمعات الحضارية مما جعله كما رأينا قبل حين يكمل النظرية الخلدونية بما ذكر من قوة القوانين والدساتير الوضعية التى تطيل عمر الدول وقد يتأبد بوجودها يقول : " والحاصل ان انقراض الدولة الحفصية وخراب دارها سببه ظاهر هو الملك المطلق الذي انفرد به ملك الملوك الفاعل المختار ) 12 ( على ان ابن ابي الضياف يلتقي بابن خلدون فى ان العصبية القبلية قد تحل محلها عصبية اخرى كعصبية المماليك وذلك حين يتحدث عن محمد الحفصى عم محمد باي وكيف حسد ابن أخيه " وركن أى الداى مامي - لمقاتلتهما لما فى نفسه من استبداد هذا البيت لان الترك يريدون الامر دولة بينهم ، وطريق الوصول اليه الاقدام والعصبية على عادتهم بالجزائر التى انقرضت بانقراضها وانقراضهم ) 13 ( ، ولست أدرى هل نستطيع ان نقول : إن هذه العصبية هي اشبه بمفهوم الحزبية فى عصرنا الحاضر ؟
والحاصل ان ابى الضياف كان التلميذ النجيب فى المدرسة الخلدونية وان آراء ابن خلدون فى العمران البشرى وما وصف فيه من نظريات لم يتوقف البحث فيها من جهة الكتاب التونسيين حتى نزعم بأن ابن خلدون بعلمه الجديد ظل مجهولا حتى جاء العصر الحديث ليبصرنا به الشرق أو الغرب بل انه علم قائم نشأ ابتكارا على يدى ولى الدين التونسي ثم تناوله من بعد الكتاب التونسيون يضيفون ويعدلون وبالرغم من ان عصورنا الفكرية لم تجل بعد بصورة كافية ، فان ما عرفناه حتى الآن يمثل مدرسة تونسية جديرة بكل
بحث ودراسة فهذا حمودة بن عبد العزيز بكتابه الباشى ثم ابن أبى الضياف باتحافه وينضاف اليه خير الدين بمقدمة كتابه المسالك " الذى احدث فى الفكر الحديث ما احدثته مقدمة ابن خلدون وكانه وليدا شرعيا لها ، ولو قدر لبيرم الخامس طول العمر لتمت السلسلة المفرغة ، وفي خاتمة الباب الخامس من صفوة الاعتبار ما يدل على هذا الترابط الخلدوني التونسى على ان ما يكتبه الاستاذ محمد مزالي يعد إيصالا لحلقات البحث الفكرى الخلدوني فى تونس وفي سائر بلاد المغرب
وانه لمن الطريف عند ابن أبى الضياف هذا التشبث منذ مراحل الكتاب الاولى بالمفاهيم الدستورية لما رأى من انحلال الدول الى انعدامها مؤكدا على ان القوانين الضابطة للملوك هى سر بقاء الحضارات وبالتالى بقاء الدول وكاني بابن أبي الضياف فى هذا المجال يفوز فى تحفظ بفضل الدين على الدولة ويمكن الاكتفاء فى قيام الدول واستقامتها بما يحدثه أهل الحل والعقد من النظم والدساتير ، فلذلك رأيناه كثيرا ما رجع بنا فى احاديثه عن ملوك تونس الى نظريته تلك من ان السر كل السر يكمن فى كونهم ملوك اطلاق ولعل ما ذكره من تعطش المشير الاول الى مطالعة مقدمة ابن خلدون وبعض الكتب عن نابليون مترجمة انما سببه صاحب الاتحاف اذ لا نستبعد ان يكون وراء توجيه المشير فى مطالعاته تلك طمعا فى تطويعه نحو العدل والانصاف بعد ان نفر من التنظيمات المطالبة الدولة العلية بها ولم يكن لرجال الدين ولا للوازع الديى تأثيره المطلوب .
والمهم بعد هذا كله هو ان الكاتب شغل نفسه كثيرا بمفهوم الدولة ونظرية الحكم .
) يتبع (

