الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

دور الأدب العربي في واجهة التحديات

Share

هدف البحث :

الباحث فى موضوع (( الادب العربى فى مواجهة التحديات )) يجد صعوبات عديدة ، لان الموضوع شائك وعسير فى آن واحد . شائك من ناحية لاننا لا يمكن أن نحيط بكل جوانب هذا الموضوع فى عجالة كهذه ، وعسير من ناحية اخرى لان طبيعة الموضوع تتطلب منا أن نحدد بدقة معنى التحدى ، وأن نتبع بامعان مسيرة هذا الادب عبر مراحله المختلفة حتى نرسم دوره النضالى فى سبيل حياة انسانية أفضل .

ولا شك أن هذا يتطلب منا السنين العديدة من البحث والتنقيب والمثابرة وهو ما لا يتوفر لنا الآن . وحسبى فى هذا الموضوع أن أدلى برأيى , موردا أثناء ذلك عينات أدبية - فى المقدمة بالخصوص ، وذلك للتدليل على دور الادب العربى فى مواجهة التحديات منذ بداياته الاولى .

مقدمة البحث :

منذ القديم بعث لقيط ( ت نحو : 250 ق هـ / 380 م ! ( 1 ) برسالة شعرية الى قومه من قيلة اياد يحذرهم فيها من غدر كسرى ( 2 ) ، ويحثهم فيها كى يجتمعوا حتى لا تفاجئهم جيوشه وهم متفرقون فتقضى عليهم .

وكان لقيط يعمل كاتبا فى ديوان كسرى ، ولانه أبى أن يكون اداة للغدر بقومه العرب فقد استقال من منصبه ، بعد أن أرسل اليهم يحذرهم بقصيدة اخترنا منها هذه الابيات :

صونوا جيادكم واجلوا سيوفكم             وجددوا للقسى النبل والشرعا

لا تثمروا المال للأعداء انهم               ان يظهروا يحتووكم والتلاد معا

يا قوم ان لكم من ارث أولكم               مجدا قد اشفقت أن يفنى وينقطعا

ماذا يرد عليكم عز أولكم                   ان ضاع آخره أو ذل واتضعا

يا قوم لا تأمنوا ان كنتم غيرا              على نسائكم كسرى وما جمعا

هو الفناء الذى يجتث أصلكم                فمن رأى مثل ذا رأيا ومن سمعا

قوموا قياما على أمشاط أرجلكم            ثم افزعوا ، قد ينال الامن من فزعا

وقلدوا أمركم - لله دركم -                  رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا

لا مترفا ان رخي العيش ساعده            ولا إذا عض مكروه به خشعا

لا يطعم النوم الا ريث يبعثه                هم يكاد شباه يقصم الضلعا

ما انفك يحلب هذا الدهر اشطره           يكون متبعا طورا ومتبعا

وليس يشغله مال يثمره                     عنكم ولا ولد يبغى له الرفعا ( 3 )

فأنت ترى أن لقيطا يدعو قومه إلى أن يرعوا خيولهم ، وأن يعدوها للقتال ، وأن يشحذوا سيوفهم ويحدوها ، وأن يجددوا للأقواس أوتارها ونبالها .

وألا يشغلهم الحرص على تنمية أموالهم وزيادة ثرواتهم عن الاستعداد للقاء العدو ، لانهم اذا لم يصمدوا له انتصر عليهم وأخذهم اسرى وغنم أموالهم .

ثم يستثير قومه الى مقاومة كسرى فيذكرهم بأن بقاء المجد الذى ورثوه عن آبائهم رهن بمقدرتهم على التصدى لكسرى والانتصار عليه ، وأنه يخشى أن يضيع هذا المجد العظيم اذا تهاونوا فى الدفاع عنه .

وأنهم اذا هزموا أمام الفرس ذلوا وذهب عزهم وضاع مجدهم ومجد  آبائهم الى الأبد .

وأن عليهم أن يهبوا للدفاع عن نسائهم ويحموهن من أن يقعن سبايا فى يد كسرى وجنوده اذا كانوا عربا أصحاب غيرة وحمية .

ويبين لهم أن دفاعهم فى هذه المعركة هو - فى الواقع - دفاع عن حياتهم وبقائهم لان هزيمتهم سوف تؤدى الى استئصالهم وابادتهم . ويدعوهم الى أن ينهضوا فورا بيقظة وحماس الى لقاء العدو ، وهم يستشعرون خطورته على أمجادهم وحياتهم اذا لم ينتصروا .

ثم يطلب منهم - وهم السادة النجب - فائدا لهم يتميز بقدرات متعددة قادرا على تحمل أعباء الحرب صبورا على شدائدها ، خبيرا بتصريفها ، لا يطغيه المال فيتعالى على قومه ويتجبر عليهم ، ولا تذله الشدائد والنوازل فيضعف أمامها ويجبن . رجلا خبر الحياة حلوها ومرها ، وصقلته التجارب ، لا يمضى أمرا الا بمشورة قومه ، فهم يتبعونه تارة وهو يتبعهم أخرى ، لانه يطلب الرأى الصائب السديد سواء أكان له أو لغيره .

قائدا متحردا لخدمة قومه ، لا يشغله عنهم مال يحرص على تنميه ، ولا ابن يطلب له علو المنزلة وسموا لمكانة .                                          27                                  899

ودافع حسان بن ثابت ( ت : 54 هـ / 674 م ( 4 ) بشعره - عن الرسول وعن الدين الاسلامى ، كما دافع عنه غيره بالمال والسيف ، وصور تصويرا جيدا ما كان بين الاسلام ومناهضيه ، فوصف انتصار المسلمين فى يوم أحد وصفا رائعا ( 5 ) وتحدث الشاعر عن قبيلة النبى وعن مآثرها ومالها من مكانة ومنزلة ( 6 ) فقال :

ان الذوائب من فهر واخوتهم            قد بينوا سننا للناس تتبع

يرضى بها كل من كانت سريرته       تقوى الاله ، وبالامر الذى شرعوا

قوم اذا حاربوا ضروا عدوهم           أو حاولوا النفع فى أشياعهم نفعوا

سجية تلك فيهم غير محدثة             ان الخلائق - فاعلم - شرها البدع

ان كان فى الناس سباقون بعدهم       فكل سبق لأدنى سبقهم تبع

لا يفخرون اذا نالوا عدوهم             وان أصيبوا فلا خور ولا جزع

أكرم بقوم رسول الله قائدهم            اذا تفرقت الاهواء والشيع ( 7 )

فالشاعر - فى الابيات السابقة يشيد بسادة قريش من المهاجرين واخوانهم من الانصار ، الذين بينوا للناس طرق الحق والخير ، وأرشدوهم الى المبادئ القويمة ، والآراء السديدة التى يجب أن تتبع ويعمل بها .

وهذه المبادئ يرضى بها ويعتنقها كل ذى نفس طاهرة نقية ، تخشى الله وتخافه : وهم أسبق الناس الى المكرمات فلا يستطيع غيرهم أن يلتحق

بهم فى هذا المضمار ، بل لا يصل الى اقل مستوى من كرمهم وفضلهم . ليس من طبعهم الزهو أو الفخر اذا انتصروا على عدوهم ، لان ذلك أمر متوقع منهم ، كما أنهم لا يجزعون ولا يضعفون اذا هزموا ، بل يقابلون ذلك بالصبر عليه والثبات . وليس ذلك عجيبا من قوم يقودهم رسول الله ، فهو بلا ريب أعظم الناس وأكرمهم ، وأقواهم تضامنا اذا اشتدت الأمور ، وتفرق الناس واختلفوا .

ووقف المتنبى ( 303-354 هـ / 915-965 م ) ( 8 ) بجانب سيف الدولة ( علي بن عبد الله : 303-356 هـ / 915-967 م ) ( 9 ) يشيد بخصاله وبدفاعه عن حمى العرب والاسلام ، ولعل ذلك ما جعل لأبى الطيب فى نظر علماء الادب المكانة المرموقة لانه كان قويا فى شعره كما كان قويا فى شخصيته ومواقفه . يقول فى موقعة الحدث الحمراء ( 343 هـ / 954 م ) بين سيف الدولة والبييزنطيين :

هل الحدث الحمراء تعرف لونها           وتعلم أى الساقيين الغمائم

بناها فأعلى والقنا يقرع القنا               وموج المنايا حولها متلاطم

خميس بشرق الارض والغرب زحفه      وفى أذن الجوزاء منه زمازم

ثم انتقد أبو الطيب أهل عصره الذين سودوا عليهم الأعاجم فقال فى احدى قصائده (( وما تفلح عرب ملوكها عجم )) ( 10 ) ، ويعنى بالعجم الفرس والأتراك والديلم ، الذين افتكوا السلطة على عهده وأهانوا الخلفاء والخلافة وتكالبوا على جمع الثروة بكل حول وقوة ، فأثر ذلك على حياة العامة ، مما جعل أدب القرن الرابع يصطبغ بصبغة التسول والكدية .

وحينما أعوز أبو فراس ( الحارث بن سعيد : 320-357 هـ / 932-968 م ) ( 11 ) السيف وهو فى سجنه عند الروم دافع عن العرب بشعره ، وذلك عندما اتهم الدمستق ( Domeskikos  ) ( 12 ) العرب بأنهم أهل كتابة وليس بأهل حرب . فأجابه أبو فراس بالشعر مفندا دعواه :

أتزعم يا ضخم اللغاديد ، أننا         ونحن أسد الحرب لا نعرف الحربا ؟

فويلك من للحرب ان لم نكن لها      ومن ذا الذى يمسى ويضحى لها تربا

ومن ذا يلف الجيش من جنباته ؟    ومن ذا يقود الشم او يصدم القلبا ؟

وويلك من أردى أخاك بمرعش      وجلل ضربا وجه والدك العضبا ؟

وويلك من خلى ابن أختك موثقا      وخلاك باللقان تبتدر الشعبا ؟

أتوعدنا بالحرب حتى كاننا         واياك لم يعصب بها قلبنا عصبا ؟

لقد جمعتنا الحرب من قبل هذه   فكنا بها أسدا ، وكنت بها كلبا ( 13 )

فأبو فراس فى هذه الأبيات الجدلية يرد على طعن الدمستق فى العرب وانكاره عليه خصائص الحرب ومناقبها ، ولعل ذلك ما جعله يحشد سلسلة من أسماء الاماكن الرومية التى أوقع فيها العرب بالروم ، ليدلل له بالحجة على خطئه .

وأشاد ابن هانى ( محمد بن محمد بن سعدون الأندلسى أبو القاسم : 326 - 362 هـ / 938 - 973  م ) ( 14 ) بخصال المعز لدين الله الفاطمى ( 319 -  ت 365 هـ / 931-975 م ) ( 15 ) ودفاعه عن الاسلام فى بلاد المغرب ، فوصف

شجاعته ومعاركه مع الروم . يقول فى قصيدة بعنوان : (( لا كالمعز خليفة )) ( 16 ) واصفا أسطول المعز :

أما والجوارى المنشآت التى سرت        لقد ظاهرتها عدة وعديد

قباب كما تزجى القباب على المها        ولكن من ضمت عليه أسود

ولله مما لا يرون كتائب                    مسومة تحدو بها وجنود

. . وما راع ملك الروم الا اطلاعها       تنشر اعلام لها وبنود

عليها غمام مكفهر صبيره                  له بارقات جمة ورعود

مواخر فى طامى العباب كانه              لعزمك بأس أو لكفك جود

أنافت بها أعلامها وسمالها                 بناء على غير العراء مشيد

وليس بأعلى كبكب وهو شاهق             وليس من الصفاح وهو صلود

من الراسيات الشم لولا انتقالها             فمنها قنان شمخ وريود

من الطير الا انهن جوارح                   فليس لها الا النفوس مصيد

من الفادحات ، النار تضرم للطلى          فليس لها يوم اللقاء خمود

إذا زفرت غيظا ترامت بمارج               كما شب من نار الجحيم وقود

فانفاسهن الحاميات صواعق                  وافواههن الزافرات حديد

لها شعل فوق الغمار كأنها                    دماء تلقتها ملاحف سود

فالشاعر يتصور هذه السفن وقد اقلعت ونشرت أعلامها كأنها بناء سامق ، بل كأنها من الجبال لولا أنها تتحرك ، بل هى من الطيور الجارحة الا أنها تصيد الارواح والنفوس ، وهى اذا هاجمت رمت بالحمم ، بل ان فوهاتها لترسل بالصواعق وما يزال حديدها يرعد فى الظلام ، والشعل تتساقط محمرة على صفحة الماء فى الليل الداجى ، فتظنها دماء تلطخ ملاحف سوداء .

وانتقد أبو حيان التوحيدى البغدادى ( 17 ) نواقص عصره وناهض بشدة تيار الشعوبية على عهده الذى حمل لواءه الموالى والأعاجم وجعلوا منه معول هدم للحضارة العربية .

وانتقد بعنف الجيهافى ( محمد بن أحمد ) ( 18 ) الشعوبى - الذى كتب كتابا فى ثلب العرب وتعييرهم وذكر نواقصهم - وربط أبو حيان فى رده بين عادات العرب وظروف حياتهم ، والتمس لهم العذر فى الوضع القاسى الذى عاشوه فى صحرائهم ( 19 ) .

وهاجم ابن غرسية ( كشاجم ) ( 20 ) العرب فى رسالة له ، وثلبهم وعيرهم ، واستنقص من شأنهم ، وأعلى فيها من شأن الروم بالطب والهندسية والموسيقى ( 21 ) .

ومن الذين ردوا على كشاجم أبو جعفر بن الدودين ، ( 22 ) وفى رده ذكر لمعايب الروم ومحاسن العرب وخصالهم الحميدة وعلومهم ومعارفهم المتفوقة على ما عند الروم ( 23 ) .

وممن رد على ابن غرسية كذلك أبو الطيب عبد المنعم القروى ( 24 ) ورسالة رده طويلة فيها ذكر للمآثر العربية والمفاخر الاسلامية ( 25 ) .

ورد الجاحظ ( 26 ) على الشعوبيين وكتب كتابه (( البيان والتبيين )) لابراز بعض الميزات العربية المتمثلة فى الفصاحة والبيان ، وانتقد كذلك نواقص عصره بأسلوب ضاحك ساخر فى (( البخلاء )) ورسم نماذج لاهتمامات عصره العلمية وغير العلمية فى كتابه (( الحيوان )) وسائر كتبه .

وانتقد كذلك أبى العلاء المعرى - فى شعره ونثره - سلبيات مجتمعه نجد ذلك مثلا فى اللزوميات ورسالة الغفران .

وحينما سقطت الأندلس نهائيا بأيدى الاسبان رثاها بحرقة ولوعة صالح بن أبى الحسن يزيد الرندى ( 601 هـ / 1204 م م - 684 هـ / 1285 م ) ( 27 )

بقصيدته النونية المشهورة ( لكل شئ اذا ما تم نقصان ) ، وصور فى قصيدته ضياع المدن العربية بالاندلس الواحدة بعد الاخرى مثل بلنسية ومرسية وشاطبة وقرطبة وحمص وغيرها ، وذلك نتيجة الفرقة والاختلاف بين العرب المسلمين ، وصور انتهاك الاسبان لبيوت الله وللحرمات ، وابرز كيف كانوا يبيعون الاحرار فى أسواق العبيد وهم يبكون وينوحون .

ودعا مفكرو والنهضة المعاصرة الى الاخذ باسباب الحضارة المعاصرة ، والاتجاه الى العلم والصناعة وحاولوا تجديد النظر الى الدين . فرأى الامام محمد عبده ( 1266-1323 هـ / 1849-1905 م ( 28 ) أنه لا يجب الفصل بين المسلمين وبين سائر أهل الاديان السماوية ، بل يجب - فى الدين - النظر الى جهة الجمع والاتفاق والدعوة الى أصل الدين وروحه الذى لا خلاف فيه ولا نزاع وهو التسليم بنبوة جميع الانبياء والمرسلين مع الاسلام لرب العالمين ( 29 ) ورأى الامام محمد عبده أن : (( ما نراه من التباين بين المسلمين وأهل الكتاب الآن فسببه سياسة الملوك والرؤساء الكتاب وأقاموه لتقاربنا ورجعنا جميعا الى الاصل الذى أرشدنا اليه القرآن العزيز . . . )) ( 30 ) .

وكذلك رأى جمال الدين الأفغانى ( 1254-15 هـ / 1838-1897 م )( 31 ) ان دين الله واحد وأن كل الذين يؤمنون بالوحدانية هم متدينون بذات الدين الحنيف ، أى جوهره التوحيدى . . وكل الذين يطيعون الله بالعمل الصالح هم مسلمون . ( 32 ) لان الكتب السماوية جميعها ، يصدق بعضها البعض ، ويكمل بعضها الآخر ، ويفصل بعضها ما أجمل فى غيره ( 33 ) .

وحرض مفكرو عصر النهضة كذلك الشرق الطامح الى التحرر والوحدة على مواجهة الغرب الاستعمارى بالاتحاد ولم الشمل تحت راية القومية والوطنية ومصلحة كل العرب على اختلاف عقائدهم الدينية ( 34 ) لان الدين لله والوطن للجميع .

ولعلهم أردوا بذلك سد الباب أمام الغرب الاستعمارى القديمة المتجددة فى احتواء الوطن العربى ، وذلك فى أن يجد له ركيزة محلية ، فى شكل أقليات دينية أو طائفية ينفذ منها الى داخل الامة ليفتت وحدتها ويضرب بعضها ببعض باسم الدين .

اشترك في نشرتنا البريدية