الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

دور الاديب العربى، في دعم القومية والوحدة العربية

Share

حين يثار النقاش في دور الأديب العربي في كفاح أمته ، تقفز الى الذهن بضعة اسئلة تتطلب البحث والمعالجة :

أولها :

ان الادب الحق هو ما كان فيض الاحساس الصادق والتجربة العميقة . فهل للاديب دور غير ان يحس وينفعل ، فيعبر تعبيرا حرا صادقا جميلا ؟

الثانى :

أن الاديب مواطن ، وليس لاى مواطن ان يتخلف عن الصفوف حين تخوض أمته معركة من معاركها الشاملة الحاسمة ، فماذا يستطيع الاديب بصفة كونه أديبا ان يساهم به في معركة الوحدة والقومية العربية ؟ واذا كان هناك دور يجب ان يقوم به وقصر فيه ، فهل للمجتمع ان يلزمه بأدائه ؟ وهل يمكن التوفيق بين حرية الاديب وهذا الالزام من جانب المجتمع ؟

الثالث :

ما مدى ارتباط الاديب العربي بحياة مجتمعه خلال العصور ؟

الرابع :

ما الدور الذى قام به الادباء العرب فى كفاح امتهم منذ بدء النهضة العربية الحديثة ، وعلى الاخص بعد قيام ثورات التحرير العربية ؟ وما الذي يستطيعون ان يقوموا به في دعم بناء الوحدة والقومية العربية ؟

وسأحاول في الكلمة القصيرة التالية ان ارسم الخطوط الاساسية لبحث هذه النقط كما أتصورها .

ان الخلاف حول مهمة الاديب قديم : وقد ظل النقاش حينا بين نقاد الغرب وعلى الاخص فى القرن التاسع عشر وأوائل العشرين يدور حول فكرتين رئيسيتين فى الموضوع : أولاهما ان مهمة الاديب ان يعبر تعبيرا قوليا جميلا بصرف النظر عن اثر هذا التعبير فى مجتمعه او وقعه عنده ؟ والثانية ان مهمة الاديب ان يبلغ الناس من حوله ما يحس به . وكلتا الفكرتين تثير خلافا داخليا بين القائلين بها : فاذا كانت مهمة الاديب ان يعبر ، فعم يعبر ؟ عن نفسه ، ام المجتمع من حوله ؟ أم الطبيعة ؟ أم الكون ؟ واذا كانت التبليغ ، فماذا يبلغ ؟ أيصف للناس أحاسيسه الذاتية ؟ أم يقصد الى ان يوجههم وينقدهم ويعلمهم ؟ وكان هناك - ولا يزال نقاش من واد آخر : هل الاديب مقيد بمواضعات مجتمعه ؟ أم أنه حر فى تناول أي موضوع على الطريقة التى يراها ، والتى تناسب فنه وطبيعته ؟

كان هذا النقاش صدى لمراحل من تطور التفكير الانسانى ، وتطور البحث فى طبيعة النفس الانسانية ، وفى فلسفة الفن وفلسفة الحياة بوجه عام ، وكان مما يثيره أحيانا ظهور عبقريات فذة فى الفن والادب ، تؤثر بروائع أعمالها على المفاهيم الانسانية و تثير التساؤل الذى أشرنا اليه .

ويبدو أن حكمة الله اقتضت ان يخلق الناس مختلفين فى أمزجتهم ، وفي نواحى الحياة التى تجذب انتباههم ، وتنبه قواهم المبدعة : فهذا الاديب أو الفنان أو الفيلسوف من النوع المنطوي ، وذاك من المنبسط ، وهذا واقعى ، وذاك مثالي ، وهذا ينحو بطبعه نحو الوضوح ، وذاك نحو الرمز والغموض ، وهذا يستمد مادته من الطبيعة ، وذاك من الاجتماع الانساني ، وهذا يعتمد على خواطره الشعورية وتفكيره الواعى ، وذاك يمنح من عقله الباطن .

وفى رأينا ان حياة الجماعة تتسع لكل هؤلاء : انها تتطلب أن يكون فيها الاديب العاطفى مبدع الأغنية الرومانسية ، الى جانب الاديب الثائر خالق النشيد الهادر ، والقاص الذي يدير قصصه حول أحداث الحياة ومواقفها ، والروائي الذى يتخذ من ظواهر المجتمع وقضايا الحياة وصراع النفوس نسيجا لحكم روايته ، وشاعر الملاحم الذى يصور البطولة والكفاح فى اروع صورهما وكاتب الرسالة او المقال الذى يبنى اسلوبه على الحجة والاقناع او على التحميس والهاب عواطف الجماهير . وكل هؤلاء مواطنون تصب روافد أدبهم فى تيار الجهد المشترك للأمة وفى اشباع ذوقها وإغناء حياتها والعمل على تحقيق اهدافها .

ـلى آن القرن الحاضر جلب معه ظاهرة اصبح لها تاثير ها على

تحويل مجرى النقاش فى طبيعة الادب ووظيفة الادب وجهة جديدة : ذلك أن التطور الحديث في النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في كثير من البيئات الانسانية ، عمل على توثيق الصلة بين الفرد والمجموع ، وعلى ضرورة أن يقوم كل مواطن - حسب تخصصه وقدراته - بنصيب في المجهود الجماعي المشترك . ومن هنا برزت أهمية الادب . والفنان - بصفة كونه مواطنا يملك أداة ذات قيمة وفعالية كبيرة في اصلاح حياة الجماعة ، وفي زيادة رصيدها من الثروة الروحية والنفسية ، في معالجة قضاياها الكبرى ، والتوعية بفلسفتها في الحياة ، وفي تعبئة قواها لتحقيق أهدافها التي تتطلب صراعا وتضالا . وقد أصبحت تلك المجتمعات تتطلب من أدبائها أن يشاركوا بأدبهم في النضال ، وأن يوجهوا نشاطهم الخلاق - لا نحو الذات وعواطفها وحياتها الفردية ، ولا نحو الطبيعة وجمالها ورومانسيها ، ولكن نحو المجتمع وكفاحه ومعاركه وقيمه ، ولم تعد تلك البيئات تستسيغ السلبية أو الانانية الفردية أو الانعزالية من جانب الاديب أو الفنان .

ولهذا التطور منطق يقوم على أساس من طبيعة الفن والادب ، وتأثر النفس الانسانية بهما . ذلك أن الفنون عامة - والآداب خاصة - حين يتوافر لها الصدق وعمق التجربة وحرارة الايمان - تجد طريقها الى النفوس سهلا ميسرا ، وتعمل عملها فى العواطف والمشاعر ، وتخلق من الصلات الوجدانية بين الناس مالا تقوى العوامل المصطنعة على اضعافه أو هزيمته ، وبذلك تكون ذات أثر فعال في توجيه مجتمعها الى مقاصد متماثلة في الخلق وفلسفة الحياة ، والى وحدة شاملة في الوسائل والغايات .

ان للكلمة المقروءة او المسموعة تأثيرا قويا فى النفس البشرية ، واذا ما أخذت الكلمة شكلا فنيا متكاملا : قصيدة ملهمة ، أو خطبة مؤثرة ، أو رسالة مبينة ، أو قصة محبوكة أو تمثيلية من صميم الحياة ، كان تأثير ها في النفوس بالغا وعميقا ، فإذا ما كان موضوع الاثر الآدبي بطلا من أبطال الأمة ، أو ملحمة من ملاحمها الخالدة ، أو أزمة من أزمات كفاحها ، أو تخليدا لسيرة مصلح من مصلحيها ، أو استنهاضا لهمم أبنائها الى جلائل الأعمال ، أصبح ذلك الأدب سلاحا نضاليا ماضيا ، وكان له في الجهد الجماعي للأمة آثار قوية ، وعمل عمله في الوحدة المنشودة بين المواطنين ، حتى ولو لم يقصد منشئه حين أنشأه الى غرض آخر وراء الابداع والتعبير الفني

وعلى هذا الاساس نستطيع أن نقول إن الأدب ليس تعبيرا فقط ، ولبس تبليغا فقط ولكنه الاثنان معا : فكل فرد عضو في مجتمع ، واللغة أداة الاتصال الاجتماعى ، والفكرى بين افراد المجتمع ، والأدب هو لغة التواصل الوجداني والنفسي لأولئكم الآفراد ، وكل تعبير ادبي فهو في الوقت ذاته أداء وتبليغ . وما دام للأدب تأثيره الذى أشرنا اليه سابقا ، فان من طبيعة الحياة الاجتماعية للانسان أن تفسح للآدب مكانا فى تجاربها وآرابها ، وأن تنشد عونه في تحقيق أهدافها وغاياتها . واذا تراخت في طلب هذا العون في أوقات الرخاء والاستقرار ، فإنها لن تتوانى فى افتقاده في أوقات الكفاح واللازمات . واذن فمن الطبيعي أن يشتد الالحاح على قيام الأديب بوظيفته في مراحل الانتقال الكبرى في حياة الأمم ، كأن تكون الأمة مشغولة بثورة على ظلم خيم عليها طويلا ، أو معركة تحرير ضد غاص اعتدى على مقدساتها ، أو نهضة اجتماعية أو اصناعية أو اقتصادية تقيم أركانها ، أو رابطة قومية تحاول أن تبنيها وتدعمها ، أو دعوة انسانية تتبناها فى سبيل الاخاء والعدالة والسلام البشرى .

ولكي يقوم الأديب بوظيفته هذه لابد أن يتوافر فيه شرط أساسي هو الايمان الصادق بما يعبر عنه ويدعو اليه . ولا جدوى من مطالبة الأديب بالقيام بدوره اذا لم يكن مؤمنا بذلك الدور في قرارة وجدانه . وهو اذا آمن لا محالة منفعل بايمانه ، صادر عنه فى أدبه . تلك سنة الفطرة وهذه طبيعة الفن والحياة .

واذا انتقلنا من التعميم الى التخصيص ، ونظرنا الى ادبنا العربى في ضوء الرأى الذى انتهينا اليه من تحليلنا السابق وجدناه أدبا خصبا غنيا ارتبط منذ نشأته بحباة مجتمعه فتطور بتطوره واتسع باتساعه وتلون بألوان تفكيره السياسى والاجتماعي وكان صدى له في حالي قوته وضعفه وتحركه وجموده واصالته وتقليده . والذين نشأوا منا على حب الأدب العربى الآصيل وحفظ روائعة ونماذجه الخالدة يدركون ما لذلك الادب من تأثير وتوجيه للوجدان ومن اثارة للحنين الى مفاخر الآباء والأجداد والاعتزاز بها حتى ليصل الامر بالمتأثر به الى درجة التعلق الروحي بالمواطن التى عاش فيها الاسلاف ، والاماكن التى ردد شعراؤهم أسماءها ، والشخصيات الحقيقية أو المتخيلة التي تحدثوا عنها .

لقد كان الشاعر العربى في الجاهلية لسان قبيلته المدافع عن حوزتها والمحامي عن شرفها واعراضها . وقام الشعر والخطابة بدورهما في المراحل

الأولى من الدعوة الاسلامية وفى معارك العصبيات والاحزاب السياسية والمذهبية ، وفي تخليد البطولات العربية في حروب المسلمين ضد الروم ، وفي حروب الشرق الاسلامي ضد الصليبيين ، كما قام الأدب بدوره في تسجيل صور الحضارة العربية الزاهرة ونتاج عقول أبنائها ، والتعبير عن خلجات النفوس فيما زودتها به الفطرة من عواطف وأحاسيس . وفي عصور التأخر والركود كان الأدب العربي صدى لحياة مجتمعه الراكدة يعبر عنها في مناسباتها وظواهرها العادية .

فلما جاءت النهضة الحديثة ، وقف أدباء البلاد العربية صفا في معارك القومية والتضامن العربي ، فصور كثير منهم آلام أمتهم وآمالها ، واحساس كل جزء منها بمشاركته للاجزاء الاخرى في السراء والضراء ، وحفلت قصائد شعرائنا ومقالات كتابنا بنقد الحياة العربية وتوجيهها نحو أهدافها . وقد امتدت هذه المرحلة من أواخر القرن الماضي الى قرب منتصف القرن الحاضر ، وكان في أدبها كثير من الارهاصات بالوثبة الكبرى التي وثبها العرب في ثوراتهم التحريرية في المرحلة التى نعيش أمجادها الآن . وفي هذه المرحلة الحاضرة عرف الأدباء العرب مكانهم فى الصفوف الاولى من كتائب الثورة بين شاعر وخطيب ، وكاتب مقال ، ومذيع حديث ، ومنشيء قصة أو رواية أو مسرحية ، ودارس لأدب الكفاح ، ومؤرخ لتطوره ، وداع الى الحفاظ على الفصحي - وهى الدعامة الكبرى للقومية والوحدة العربية ، وعامل على رقيها واتساعها ووفائها بمطالب الحياة الجديدة . ومن شواهد هذا الاحساس من جانب أدبائنا بمسؤلياتهم في الكفاح ، ودورهم في العمل لتحقيق الوحدة العربية هذا الربط الذي ربطوه بين دورات مؤتمرهم وبين موضوعات القومية والوحدة . وهاهم أولاء في مؤتمرهم الخامس ، في بغداد عاصمة الحضارة العربية الاسلامية فى عصرها الذهبي ، والقلعة الشرقية للزحف العربي الحديث نحو الحرية والاشتراكية والوحدة - يجتمعون - كما يجتمع المحاربون - بعد سلسلة من الانتصارت في المعركة - يراجعون خططهم وينظمون صفوفهم ويستجمعون قوتهم للجولة التالية من الزحف المقدس . وان ايمانهم بأهداف الكفاح العربي الحاضر - في القومية والوحدة والاشتراكية وتحرير جميع أجزاء الوطن العربى واسترداد الجزء السليب منه - ليفتح أمامهم الى جانب الافاق التي جابوها في الأدب الثوري آفاقا جديدة يوجهون فيها مواهبهم الخلافة لتنمية الوعي بمفاهيم الثورة فى الحرية والعدالة والكرامة والكفاية ، وتوضيح

أصول القومية وعوامل وحدة الوطن العربي الاكبر ، والربط بين مثل الحياة التي ننشدها ، والتقاليد والتعاليم العربية الاسلامية التي صنعت تاريخنا ، والمجادات التى خلدها أسلافنا في معارك الكفاح وميادين المعرفة ، ونجاح قادة ثوراتنا في توجيه السياسة العربية الحاضرة في المجال الدولي ، ونصيب أمتنا في العمل من أجل سعادة الجنس البشرى وسلامه . وان أدبنا العربي وقد استكمل فنونه ، وعرف بين الآداب الخصبة الحديثة - كما عرف في القديم مكانه بين الآداب الكلاسيكية الكبرى - لكفيل بأن يكون اللسان الناطق بآمال الأمة والمترجم الأمين عن مشاعر جماهيرها ، والدليل الحادى لركب العروبة نحو الغايات والأهداف المنشودة .

اشترك في نشرتنا البريدية