الاسلام والاعلام :
الاعلام فن دقيق بالغ الاثر ، له مقوماته وأصوله ومجالاته رافق الناس فى مسارهم الحضارى منذ أن بدأت حياتهم على الارض ، فأبلغهم هداية السماء بواسطة الرسبل ، وعن طريق الصحف والكتب المنزلة .
وعلاقة الاعلام بالاسلام قوية ومستمرة ، باعتباره منهاجا شاملا لكل نشاط انسانى فى الحياة ، ودينا ختمت به رسالات السماء . وبعث به خاتم الانبياء الى الناس كافة ، ودعوته لم تزل قائمة باقية على مدى العصور .
وسبيل هذه الدعوة اعلام اسلامي يتلمس طريقه الى القلوب والعقول ، شعاره الصدق ، ومنهجه الحكمة ، وهدفه الحق ، وهو الذي جسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلقه القويم ، وسلوكه المستقيم ، ودعوته الخالصة لله ، المتميزة بأسمى القيم والمثل . فمنذ أن بدأ عمله الاعلامي ، أعلن بان الرائد لا يكذب أهله وأن من أشنع الجرائم تضليل العقول بالافتراء ، فيصدق الناس الكذب ، وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم : ( كبرت خيانة أن تحدث أخاك بحديث هو لك مصدق ، وانت له كاذب ) ( حديث متفق عليه ) .
فالصدق فى الاعلام مبدأ أخلاقي لا يجوز التخلى عنه ، وما يحدثه ترويج الاخبار الزائفة ، والشائعات المضلة من آثار سيئة ، يجعل تبعات المجتمعات الاسلامية ومسؤولياتها في تنفيذ الكذب ، وابطال الباطل واحقاق الحق عظيمة وثقيلة .
وقد اهتم الاسلام بمعرفة مصادر الانباء ، فأمرنا الله تعالى بأن نأخذ الحيطة فيما يبلغنا ، وأن نعرف مصدره ، حتى ندرك أهدافه ومدى صدقه ، فقال جل شأنه : ( يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبا فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) ( سورة الحجرات : 6 ) .
وقديما قال الشاعر العربي :
واحزم الناس من لو مات من ظمإ لا يقرب الورد حتى يعرف الصدرا
فالمؤسسات الاعلامية العالمية غير محايدة فى جملتها فهى تبث المعلومات من زاويتها الخاصة بقصد التأثير ، وتحويل مجرى التفكير ، فتتفاعل مع الاحداث التى تهمها ، وكثيرا ما تتجاهل شواغل الشعوب وطموحاتهم ومطالبهم ، بل قد يحملها الانحياز الى المغاطة وتشويه الحقائق ، والسيطرة على مشاعر الناس بطريقة غير مباشرة .
ان معظم وكالات الانباء العالمية ما تزال تحتكر المجال الاعلامي بحكم تقدمها التقني ، وقدرتها على الالمام بما يجرى فى كل مكان من العالم ، وعلى الاستجابة لكل الطلبات ..
كل ذلك مما يسترعى الاهتمام ويثير الانتباه الى خطر السلاح الاعلامي ذي الحدين ، وماله من دور فى التغيير والتوجيه ، وخدمة مصالح محددة ، وتنفيذ برامج مخططة ، وتحقيق أهداف معينة ، سواء سواء فى عرض الاخبار وسرد الاحداث أم فى التثقيف والترفيه . ومن يعنى بالتحليل والنقد ، يدرك الى أى مدى يخضع الاعلام للمذاهب والفلسفات ، ويتلون بألوانها ، ويفسر وقائع الحياة وفق أفكار تختلف باختلاف التصورات والاعتبارات والغايات .
أما الاعلام الاسلام بالمبادئ التى دعا اليها الاسلام ، وفي طليعتها الاخلاص الخفي ، واعلان الحقيقة فى غير تردد ولا التواء ، مع اعطاء الاعتبار الظرفى وزنه فى اختيار طريقة التبليغ ، ووسيلة الاعلان ضمانا للنجاعة والنفاذ
فخطبة الرسول صلى الله عليه وسلم أمام الحشود المجتمعة بعرفات فى حجة الوداع ، وعددهم تسعون الفا هى أفضل أسلوب فى عصره لتبلبغ وصاياه بواسطة رجال ينقلونها الى كل من لم يشهد هذا اللقاء بكل أمانة وصدق , تنفيذا لامره : ( ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب) .
والحق أن الوسائل المتاحة للاعلام فى هذا العصر كثيرة ومتنوعه ، ومن الحكمة أن يخاطب كل جيل بما هو ابلغ وأجدى فى اقناعه .
قال تعالى : ( وما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم ) ( سورة إبراهيم : 6 ) . فهذه الآية تشير الى قاعدة متجددة ، وهي انتقاء التعبير الاعلامي الملائم ، واختيار أفضل الوسائل للتبليغ فى عصر أضحت اجهزته الاعلامية تعمل دوما على تقريب المكان ، واختصار مسافة الزمان ، وابلاغ اكبر عدد من الناس في أسرع وقت ممكن ، بما يقنع ويؤثر .
فالسينما مثلا كوسيلة اعلامية مرئية ومسموعة ، لها تأثيرها العميق على الافكار والعواطف ، وسلطانها الفعال على جذب الاتجاهات والمواقف ، لا يجوز تجاهلها أو اغفالها اليوم ، فى حين أن البلاد المتقدمة تستغلها أيما استغلال , لخدمة اغراضها القريبة والبعيدة وتبذل فى ازدهار هذه الصناعة لتكوين المخرجين والمصورين والمؤلفين والممثلين جهودا كبيرة ، وتنفق أموالا طائلة .
قال لينين فى احد مؤتمرات الحزب الشيوعي :
( السنما مدخل الثقافة والفن الى الجماهير ، وان عشرة من أعلام السنما يرجحون بعملهم السنمائى تأثير ألف كتاب فى دعم الحزب ، ونشر أصوله ) .
وما قيل في السنما يقال فى الشاشة الصغيرة ( التلفزيون ) الذي يقتحم البيوت ويرتاد كل الآفاق .
واذا كان الاتصال الاعلامي بالانسان هو موضوع الدين ووظيفته الاساسية ، وايصال رسالة الله اليه بواسطة رسله كما قال سبحانه :
" ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون " ( سورة القصص : 51 ) . فانه ليس أمام المسلمين اليوم - بعد أن انقطع خبر السماء عن الارض ، وانتهى الوحى - الا أن يبلغوا دعوة الاسلام بمختلف وسائل الاعلام كما أمروا ، وينتفعوا بما ينتفع به الناس في هذا المجال وفق قاعدة جلب المصالح ، حتى يرسموا صورة صادقة لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم لا تزيد فيها ولا نقص ، وان أدى الامر الى أن ننقد انفسنا نقدا ذاتيا ، ونحاكم واقعنا الى المثل المقررة فى الاسلام ، حتى يتعرف العالم على رسالته الحقيقية في الحياة ، مبرأة من كل البدع والمنكرات وما ألحقته به الانحرافات فى عهود الانحطاط من أباطيل وسخافات ، وحتى يحس كل مسلم بذاته ، ويدافع عن وجوده .
فاصلاح الفساد ومعالجة الامراض الخلفية ، ومقاومة التيارات الهدامة , وتفنيد التهم ، ورفع الشبهات عن الاسلام ، والعمل على حفظ كيان الامة من الازدواجية والتمزق ، والتعريف بجوهر الاسلام النقي ، وبما أسداه الرسول للعالم من خير ، فى أجمل اسلوب ، وأوضح بيان وأبدع عرض ، لمما يدخل فيه الافتنان فى طرق الاستهواء ، وأساليب الآداء ، وتجنب الاسفاف صورة وأداء وحوارا ولفظا ومعنى بلا انشاء أو خطابة .
فالعمل الفنى الرفيع يتطلب سموا ومنهجية فى الشكل والمضمون معا . وليس الشكل من الشكليات التى يجوز الاستغناء عنها ، كما يتوهم البعض , بل هو دعامة أساسية فى المنهج الاعلامي ، وهل قصر القرآن فنيا فى منهجه الرائع ؟ ألم يجعل من مداخله فى الدعوة للحديث عن مشكلات الناس وهموم الحياة ، ليستقطب اهتمام اهتمامهم ، وينفذ الى أعماقهم ؟ الم يجعل من حديثه عن التجربة الحسية والعقل مدخلا الى التوحيد والايمان بمبدع هذا الوجود الذى أتقن كل شئ خلقه ؟
فبلوغ أهدافها السامية ينبغى أن نحسن اختيار أساليب التبليغ وطرقه وأن نعرف كيف ننفذ الى الناس من مداخل شتى ، حتى نرب فيهم ملكة النقد البناء ، وتنمى فى احساسهم الوعى الاسلامى الصحيح ، فينظروا الى المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، والى الحياة عامة من وجهة نظر الاسلام لا من وجهة نظر أخرى ، حتى تملك القدرة على تنفيذ التهم الباطلة ، والشبهات المضلة التى أثارها فى الاسلام اعداؤه قصد تهوينه والنيل من قداسته .
ولكن الفكر الاسلام لم يعتن بالاعلام نظر يا وتطبيقيا وتقنيا كما اعتنى الفكر الغربى به ، ولم يقم بما يجب أن يقوم به فى حلبة التنافس والصراع الاعلامي العالمي ، بل أفضى غياب الاعلام الاسلام والتقصير المنهجى فيه ، الى أن معظم البرامج التلفزيه التى تبثها بعض بلدان العالم الاسلامى هى من انتاج أجنبى لسد الفراغ ، وكادت تنحصر وظيفة الاعلام عندها فى اعادة نشر ما أذاعته وكالات الأنباء الاجنبية من اخبار العالم الاسلامي نفسه ، فطمست قضايا الأمة العربية الاسلامية ، وشوهت حقيقة الصراع بين هذه الامة واسرائيل وأفرزت بعض البرامج الترفيهية الاجنبية سموما فى عقول الناس وأفئدتهم ، فصمت بين الدين والدنيا ، وخدمت باسم الفن والثقافة حضارة الغرب ومصالحه وأهواءه . وكل ذلك نتيجة التهاون أو ضعف الاحساس العام بمكانة الاعلام وتأثيره ، فلم يعبأ المسلمون بالبحث عن الخير ، ولا بفن صياغته ، بل استوردوا
الى بلدانهم أقلام الجريمة والعنف ، وأفلام الكأس والجنس ، والافلام التى تضخم ماساة الانسان باحساسه بفراغ الكون ، وانعدام الامن والعدالة فى هذه الرحلة الحياتية التى تهدده فيها ذئاب شرسة خلف كل منعطف ، وكم من قصص سنمائى وتلفزي يسوق الاحداث بطريقة تسوغ الخطيئة ! وتبرر الاسباب الدافعة اليها ، وتهون أمر التوق منها ، حتى يكون النظارة أحيانا فى صف الجريمة ومرتكبيها !
وكثيرا ما تحف بالقصة مسالك يشوبها النزق والطيش ، ولكن عناصر المغامرة وأسلوب الاغراء ، وما يتخللها من مرح في براعة وحذق تجعل هذه المسالك كأنها نداء الطبيعة الذي لابد منه ( 1 ) . ويضيق النطاق عن تعداد اخط بعض البرامج التى يحرص الاعلام الاجنبى على توزيعها وبثها فى شعوب لا تملك من الحصانة الاخلاقية والثقافية والدينية ما يمكنها من التمييز ، وما يحفظها من الانحراف والضياع ، وفى ذلك تهديد للامن النفسى الذى يقوم على الايمان .
الاعلام والامن :
وأشد الناس حيرة واضطرابا فى الحياة غير المؤمنين ، فهم فى خوف دائم مما لا يخيف ، لانهم يعلقون حياتهم وكل ما يجرى عليهم فيها بالظروف والصدف يقول جيمس في كتابه : ( الكون الغامض ) .
( ونحن إذ نقف على هذه الارض نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بنا ، وعن الغرض من وجوده ، نحس بما يشبه الذعر والهلع ، وكيف لا يكون الكون مخيفا مرعبا ، وهذه أبعاده لا تستطيع عقولنا أن تدرك مداها , والى جانبها يتضاءل الانسان .. هذا هو الكون الذي القت بنا فيه الظروف .
واذا الم يكن ظهورنا فيه حدث بسبب غلطلة فلا أقل من ان يكون صدفة ..) أما المؤمن فأنه ليدرك ما بين الكون والانسان من صلات ووشائج ، ويحس يد الله فى ما حوله ، فيشعر بالاطمئنان والانس الى هذا الكون البديع ، وبالرهبة والجلال لخالقه المبدع ، فيلتقي الفن بالعقيدة ، والمتعة الحسية بالمتعة الروحية .
وكذلك تبدو آثار الايمان فى التصورات والمشاعر والدوافع
فالمؤمن يخاف الله وحده ، ولا يخاف سواه من مخلوقاته ، وان راعته عظمتها أو قوتها ، لأن التدبير والتقدير بيده سبحانه .
وفي قصة آدم يمنح الله الامن له وللمؤمنين من ذريته مقابل ما تحدثه كلمة ( اهبطوا ) من خوف سوء المنقلب ، وما قد تثيره من رعب ، فالمهتدون بهداية الله ، لا يخافون مما هو آت ، ولا يجزعون على ما فات ، لأن اتباع الهدى يسهل عليهم طريق الخير ، وبعدهم لسعادة روحية مثلى .
( قلنا اهبطوا منها جميعا فاما يأتينكم منى هدى . فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكرى فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى) ( طه : 120 ) .
ويؤكد هذا المعنى ما جاء فى القرآن على لسان ابراهيم عليه السلام ، فى نفي الخوف مما أشرك به قومه ، وانه أحق بالأمن منهم وذلك هو منطق المؤمن بالله الذى يثق فيه ، ويطمئن اليه فيأمن .
( وكيف أخاف ما أشركتم ، ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ، فأى الفريقين أحق بالأمن ان كنتم تعلمون ، الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم ، أولئك لهم الامن وهم مهتدون ) ( سورة الانعام : 83 ) فعلاقة الامن بالايمان ، جذرية ، اذ هو يستمد منه بقاءه ونماءه . كما أن الايمان يحول بين المؤمن والبغى والعدوان ، ويقوى به المؤمن على كبح جوامح النفس وغرورها ، ويحس دوما بمراقبة الله له فى السر والعلانية ، فلا يبيت مكرا ولا يضمر شرا ، ومن استقام على طريق الله أمن الناس بوائقه فى أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ، وأمن هو على نفسه أن يمكن السيئات ، فأمن مكر الله وسخطه .
إن الامن الحقيقي أن يأمن الناس بعضهم بعضا ، ويعيشوا فى وئام وصفاء وسلام ، ويأمنوا كيد الاعداء بما أعدوا لهم من قوة وعدة ، ويأمنوا نقمة الله عليهم باستقامتهم وتقواهم .
ألم يعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف فى الارض وتمكين الدين الذى ارتضاه لهم ، وتبديل خوفهم أمنا ؟
فهو عليه السلام يقول لقومه : ( فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون ) ( هود : 55 ) وذلك ليتحداهم بالايمان ، ويلقي في أسماعهم انه لا يبالي بكيدهم أجمعين ,
ولا يخشى مكرهم وأذاهم ، رغم أنهم الكثرة القوية ، وتلك سمة من سمات الدعاة المصلحين الذين غمر الايمان قلوبهم ، وأسبغ عليها اليقين ، وأفرغ عليها الصبر . فلا رهبة ولا خوف من أنصار الباطل ، لأن المؤمن متوكل على ربه ، وله من عقيدته ما يستسهل به كل صعب ، ويتجشم به كل خطر .
ان للاعلام المعاصر مرئيا ومسموعا ومقروءا دورا عظيما فى غرس بذور الايمان بأسلوب طريف جذاب ، فيتجنب المنفرات التى لا ترغب فى الخير ، ولا تجمع القلوب ، وليكن فيما ندعو الناس اليه على يقين واقتناع ، لا عن تظاهر وخداع, حتى يكون اعلامنا صورة لما نقول ونؤمن ، وصدى لما ننشد ، فقد كان صلى الله عليه وسلم اذا أمر الناس بالخشوع عند سماع القرآن تحدرت دموعه اذا تلى عليه ، واذا خوفهم الله كان اخوفهم منه ، واذا نهاهم عن الحرص على الدنيا ، كان فى طليعة المنصرفين عنها . حتى تمضى الشهور ولا توقد نار فى بيته ، واذا طالب قومه بالجهاد ، كان أول من يخرج اليه فى حمارة القيظ ولفح الهجير . فرب مشهد تلفزيونى يبرز صورة بديعة للكون تتجلى فيها آيات القدرة العليا ، ويعلق عليها كاتب بارع بكلمات سريعة موحية تقود الى الايمان ابلغ اثرا في النفس من مقال مفصل ، او خطاب طويل .
فليس الايمان مما يعرض تحت عنوان باهت ، أو فى خطبة جوفاء تعوزها قوة المعنى وجمال الأداء . فان جذب الانتباه واثارته ، وتحريك الاحساس الجمالى مداخل الى النفوس ، ومفاتيح للعقول . وكذلك كان المنهج القرآنى الكريم فى بعض وجوه اعجازه البيانى ، ولا سيما الآيات التى تحدثت عن الكون .
واذا كان فى الاعلام المعاصر ما يبث الباطل ويزينه ، ويخدم الناس به كما زين الشيطان لاوليائه اعمالهم ويجملها ، فلماذا لا نبث الحق ونزينه ونرغب فيه ، ونحببه الى القلوب ؟ ومن الاعلام المعاصر ما يجعل من غرائز الانسان وحاجاته ومشاغله وطموحاته مدخلا الى قلبه كي يفتحه على ما يريد تبليغه فى الميادين السياسية أو الاجتماعية ، او الثقافية ، حتى يضمن التأثير والتفاعل والاستجابة .
فلم لا يكون اعلامنا على هذا النحو ، فيشارك الناس مشاغلهم واهتماماتهم ، ويتعاطف مع مشكلاتهم ، وينطلق من واقع حياتهم ، ويخاطبهم من خلال غرائه الابوة والامومة وتأكيد الذات ، والمحافظة على الصحة .. الخ . ؟ انه اذا صح اختيار المدخل والوسيلة صح الاتصال المؤثر والمثمر .
وهكذا يتضح أن المصدر الاساسي للامن هو الايمان الذي يطرد اليأس ، ولا يقبل الاحكام النهائية ، ولا يقول بالطرق المسدودة ، لأنه يعلم المؤمنين الا بيأسوا من رحمة الله مهما ادلهمت الخطوب ، واستحكمت الازمات ، ويدعوهم الى تجديد العزم فى الفرصة المفتوحة ، والى الامل فى تغيير الواقع وتحسينه وان كان سيئا وخانقا ، فاحتمالات التقدم والنصر والعزة هى التى يكشفها الاعلام الواعي ، وينير بها سبيل الذين لا يعرفون طريقها .
وقد أورد القرآن الكريم احتمالا قائما بالنسبة للكفار ، حتى لا تضيق صدور المؤمنين بالكفر وأهله ، فيغلقوا نوافذ الامل عن محاولة هدايتهم الى الحق ، فقال جل جلاله :
" ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين " ( الحجر : 2 ) واعداء هذه الامة كثيرا ما يستخدمون فى اعلامهم ضدها حرب الاعصاب ، لتوهينها أو قتل روح المبادرة فيها ، أو تثبيط اعمالها ، أو تحجير ما وسعه الله ، فهل نعين اعداءنا باعلامنا القاتم المعتم ، والله تعالى يقول : " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون ان كنتم مؤمنين ؟ " ( آل عمران : 139 ) .
او ننسحب من ساحة الاعلام ، بدعوى أن العالم كله ضدنا أمس واليوم وغدا ؟ انه لا شئ يهدد الامن النفسى كاليأس والتشاؤم والخوف من المجهول ومن حق كل عربي أن يمد بصره خارج أسوار الواقع ، ويحلم بصبح عظيم يحمل البشرى ويذهب الهم ، والحزن ، وان يتطلع الى الكمال المتاح من وراء الضباب ، فقد حلم ماركس بدولة الشيوعية ، وحلم هرتزل بدولة اليهود ، وعبرا عن هذا الحلم في وسائل اعلامية كالكتب والبيانات .
فاستشفاف المستقبل ، وارتياد الآفاق الجديدة من مهام الاعلام وأهدافه : ولم لا نتوقع مستقبلا مفعما بالاحتمالات الطيبة والانجازات المباركة ، وقد بشر القرآن العظيم المسلمين فى مكة ، وهم يومئذ قلة مستضعفة بمستقبل الفتح والنصر ؟ ان الاعلام المخطط والمركز لا يحبس بين جدران الواقع ، ولكنه يمتد الى آفاق الامل الواعي ، بعيدا عن الانغلاق ، وعن جموح الخيال ، أو أفراط التفاؤل وليس دوره أن يتحدث عن الواقع ويصفه كما هو فقط ، بل عما يجب أن يكون عليه هذا الواقع بإرادة التغيير وطرقه العملية الموصلة . ومثل هذا الاعلام التوجيهى التربوى من شأنه أن يوفر الامن الذاتى فى مفهومه العام ، وأن بقوى الثقة بالنفس ، وأن يؤهل الى امتلاك القدرة على مواجهة أى خطر داخلى
أو خارجى قائم أو محتمل . فاذا أحسن المسؤولون فى البلاد العربية والاسلامية عن حظوظ الاعلام ، التحرك والتنظيم والاعداد على مستوى الاعلام الحضارى المعاصر ، وعرفوا سبيل نقله من الفلك الاجنبى الى الفلك العربى والاسلامى , رفضوا ان يتلقوا ما يرسل اليهم تلقى المستهلكين القابعين .
فالتواصل الاعلامي الفضائى عن طريق الاقمار الصناعية أصبح امرا محتوما لا عاصم منه ، وليس لاحد ان يمنع ما لا يقدر على منعه ، او يعمل عبثا على نفادى هذه الحمى الاعلامية العالمية المسيطرة ، ولكن فى امكانه أن يدخل الاعلام التكنولوجيا مع الداخلين من إرادته هو وأفكاره ، فلا يفهم بعقل غيره ، ولا يسمع بأذن غيره ، ولا يرى بعين غيره ، وذلك يتطلب توجيها طويل النفس , واعدادا متواصلا ، وتوعية مستمرة ، لتكوين عقول تحسن النقد والتمييز , ولا يسحرها الخداع ، وآذانا تحسن الاستماع ، ولا تشتبه عليها الاصوات , وعيون تحسن النظر ولا يعشوها البريق .
تلك هي الحصانة الأمنية من عدوى الانحرافات ، وخطر الانزلاق فى المتاهات ولا سيما متاهات العنف والجنس والكأس .
(يتبع )

