الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

دور التربية فى مكافحة التخلف،

Share

التخلف فى الحقل التربوي : هو نتيجة طبيعية لانواع التخلف المار ذكرها . كان المفروض فى الحقل التربوى أن يهيئ لدواء لكل الادواء التى  يشكو منها المجتمع المتخلف ولكنه قد يصبح هو بدوره مريضا فيصدق فيه المثل السائر " طبيب يداوى الناس وهو عليل " . والتخلف التربوى ينشأ اما من انعدام الوسائل وعدم توافر جهاز التعليم فى الكثير من أصقاع العالم الثالث بسبب الفقر وعدم وجود المربين واما  عن تقليد الحكام السابقين فى نظم التربية وأهدافها ومحتوياتها وأساليبها دون تكييف واف لحاجة البلاد . ومن نتائج ذلك نجد أن بعض الطلاب قد ينبتون من جذورهم القومية فينشأون وكأنهم غرباء فى بيئتهم وحضارتهم . ويتجلى ذلك فى عزوف البعض منهم عن لغتهم وتاريخهم ودينهم.

ثم ان الطلاب قد يجبرون على درس دروس لا تمت الى محيطهم وحياتهم بصلة، الامر الذى يسبب لهم الضجر والملل من جهة ويضيع عليهم فرص درس ما يحتاجون اليه من الجهة الاخرى.

ان المنهج التربوى المستورد يؤكد الناحية النظرية الحفظية اللفظية أكثر من تأكيده الناحية العملية والانتاجية . ونتيجة ذلك تزايد عدد العاطلين من المتعلمين الذين لا يجدون سوقا لبضاعتهم النظرية . ولذلك فالبعض منهم قد يصبح من الناقمين الهدامين . ان المنهج التربوى المستورد قد تغلب عليه العلمانية وتتسرب اليه اللادينية . ونتيجة ذلك بروز فئة من الضاليين أو الضائعين فى المعتقدات . الأمر الذي قد يؤدى بهم الى اعتناق مذاهب هدامة .

ان الاستعجال فى فتح المدارس قبل الاستعداد لها جعل العديد من بلاد العالم الثالث يلجأ الى تعيين مدرسين دون المستوى المطلوب، الأمر الذي يؤدى الى انحطاط المستويات الدراسية.

ان اكتظاظ الصفوف بالطلبة يجعل العناية بالافراد أمرا صعبا ونادرا ولذلك فالطالب يصبح وكأنه كمية مهملة لا ينال الا القليل من الرعاية والاهتمام بآدابه وأخلاقه من جهة والنظر فى مشاكله من الجهة الاخرى . ان تقليد الغرب الغني فى تشييد المبانى الضخمة والاثاث والوسائل المادية التى يمكن ان تعتبر كمالية قد يثقل كاهل الخزينة فى بلاد العالم الثالث فيؤخر انتشار التعليم على مقياس واسع بينما يمكن الاكتفاء بمبان بسيطة تلائم  المحيط وأثاث بسيط قد يكون أصلح تربويا من الاثاث الموروث من الغرب مثال ذلك المقاعد الحديدية والخشبية الثابتة التى تصرف عليها المبالغ الطائلة يمكن الاستعاضة عنها بكراسى بسيطة فردية يمكن طيها ونقلها بسهولة عند الاقتضاء . بحيث يمكن اجتماع الصف ( القسم ) تحت الشجرة بدل غرفة الدراسة فى الطقس الجميل.

فالتخلف التربوى اذن يعنى اما حرمان الاكثرية الساحقة من ابناء الشعب من الفرص التربوية أو توفير تربية لا تلائم حاجة الطالب وميوله ولا حاجة البلاد وقد تكون تربية ناقصة أو حتى ضارة فى بعض الاحيان.

دور التربية فى مكافحة التخلف :

ان التربية التى يحتاج اليها العالم الثالث لمكافحة التخلف ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار واقع البلاد الجغرافى والتاريخي والحضارى وان تعمل على تحقيق أهداف الامة فى بناء مستقبل أفضل بأصح الاساليب التربوية وأكثرها ملاءمة للظروف المادية والمعنوية وفق خطة يقرها الشعب ويطبقها المخلصون من أبنائه .

الأهداف التربوية :

لا بد للتربية التى تستهدف القضاء على التخلف من وضع أهداف شاملة متكاملة تكافح مظاهر التخلف من جهة وتبنى المجتمع الجديد من جهة اخرى . وهذه الاهداف يتفق عليها فى حوار شعبى حر مفتوح تحت اشراف أخصائيين ومسؤولين عن سياسة الامة . وها نحن نقترح الاهداف التربوية التالية كقاعدة للبحث والحوار فى هذا الموضوع الحيوى الهام . نحن نعتقد أن البرامج التربوية لابد ان تعنى بتحقيق الاهداف التالية: أ - ضمان الصحة والسلامة الجسدية والعقلية للافراد. ب - تحقيق السعادة العائلية. ج : المشاركة فى الحياة الاقتصادية المنتجة : مزاولة مهنة وممارسة عمل. يدوى .

د : غرس الانتماء والولاء : الامة ، الدولة ، الوطن ، اللغة ، المساهمة في ضمان الامن الداخلى ( احترام القانون ) وتأمين الدفاع الخارجي ( خدمة العلم). ه : ممارسة الحياة الاجتماعية والديمقراطية فى جو من الحرية والمسؤولية.

و : تنشيط الحياة الفكرية وتنمية حب المعرفة والبحث عن الحقيقة فى الطبيعة وفي المجتمع.

ز : تنمية المواهب الفنية الابداعية وحسن التصرف بأوقات الفراغ.

ص : التفتح على العالم وضمان التعاون مع الدول الصديقة والاتحاد مع الدول الشقيقة والعمل على أن يسود العالم أجمع عدل وسلام واحترام لحقوق الانسان .

ط : غرس المثل العليا وغرس الاخلاق الكريمة .

ى : غرس الإيمان بخالق النظام الكونى الذى شرف الإنسان بأن جعله خليفة فى الأرض.

ان هذه الاهداف المقترحة تهدى المربى فى وضع برامج الدراسة فى مستوياتها الثلاثة الابتدائية والثانوية وما بعد الثانوية . وهي تمثل في نظرنا قواعد التربية الاساسية التى يرجى أن تتوافر لكل انسان مواطن أما الدراسة العليا التى تتطلب الاختصاص فانها تكون متوجة لهذه الاهداف وهي المسؤولة عن تكوين القادة في الحياة العلمية والاقتصادية والاجتماعية والدينية .

ضمان المرونة والتنويع في برامج التعليم : ان برامج التعليم السائدة فى المدارس التقليدية تتجاهل بعض الحقائق الاساسية فى علم النفس كما أنها تقصر فى ربط الدراسة بالحياة وحاجات المجتمع الآنية . انها برامج واحدة يدرسها كل طالب يدخل المدرسة والمطلوب من الجميع أن يسيروا بسرعة واحدة فالمطلوب من الطالب الذكى ان يسير بسرعة الطالب الضعيف الذكاء والمطلوب من هذا المسكين الضعيف أن يتسابق مع المتفوق في الذكاء والنتيجة رسوب الاكثرية فى الامتحانات النهائية وضياع الملايين من الدنانير التى صرفت عليهم دون أن تأتي بثمرة ايجابية للبلاد بل انها قد تدفع الى الشارع بالعديد من النفر الفاشل والناقم دون ذنب جناه . هذا هو الواقع فى الكثير من بلاد العالم الثالث . اذن فلا بد من الاعتراف بأهمية وجود

الفروق الفردية بين الاطفال ( الطلاب ) وجعل كل طفل يسير بالسرعة التى تناسب مواهبه . ان " افرادية " التعليم من المبادئ المعروفة فى عالم التربية من قديم الزمان ولكنها اليوم تلقى تأكيدا جديدا من علم النفس التربوى ومن تجارب التربية الحديثة فنظام " دالت " ( 1 ) ونظام " وينتكا " ( 2 ) ونظام " جوبلن " ( 3 ) كلها محاولات ناجحة فى جعل البرنامج الدراسي يتكيف وفق قابليات الاطفال ومواهبهم . ولكن البرنامج ينبغي أن يكيف وفق حاجات البيئة ايضا فلا بد من تنويع البرامج وربطها بطبيعة المحيط وحاجات المجتمع فبيئة الريف الزراعية لها مطالبها الخاصة من المدرسة تختلف عن مطالب البيئة الصناعية . وبيئة الساحل حيث يعنى بصيد الاسماك قد تتطلب مطالب خاصة من البرنامج تتناول البحر وما فيه تختلف عن مطالب بيئة الصحراء . اذن اذا شئنا ربط المدرسة بالبيئة وادخلنا الحياة الانتاجية فى صلب أهدافنا التربوية فلابد من تنويع برامج التعليم وجعلها مرنة تتكيف وفق حاجات المحيط . والمرونة هذه تتطلب منا أن نحسب حساب الاطفال أو الطلاب الذين يجمعون بين الدرس والعمل فالعديد من الطلاب يستطيعون العمل فى الحقل أو فى المعمل صباحا والحضور للدرس مساء كما ان اكثرية الطلاب يمكنهم ارتياد المدارس التى تؤكد الناحية العملية فى الحياة الى جانب اكتساب الثقافة العامة فمدارس"الفنون البيتية " والمدارس التجارية والزراعية والصناعية قد تنقذ العديد من شباب العالم الثالث من الضجر والفشل الذى ينتظرهم فى المدارس الاكاديمية ذات الطابع النظري البحت وغير ذلك لانهم غير مؤهلين لهذه الدراسة ولا رغبة لهم فيها .

العمل يصبح محورا للتربية : يشجع الطلاب على اختيار أعمال مفيدة وذات قيمة تربوية يمارسونها ويفخرون باتقانها . وحول الاعمال هذه تدور بقية الدروس كالحساب واللغة والواجبات المدنية والاخلاقية وفى ممارسة العمل هذا ينمي الشعور بالمسؤولية . فالتربية التى نريدها للقضاء على التخلف تتكون من الإدراك ( الوعى ) والعمل والصيرورة . الصيرورة تعنى تحقيق الانسان لذاتيته . وهذه الذاتية لا تتحقق الا بالادراك والعمل . أما حشو أدمغة الطلاب بالمعلومات غير المترابطة وغير المتصلة بحياتهم فانها قد تضر الفرد أكثر مما تنفعه فقد يصبح الفرد ماكينة كلام يردد ألفاظا ونظريات لا صلة لها بالواقع او انها قد تجعله يمل الدرس والمدرسة ويكره السعى وراء المعرفة الصحيحة .

ثم ان التربية التقليدية تربية الحفظ والتسميع قد تحرم الطفل من حب المبادأة والاكتشاف فى الحياة فيصبح شخصا عاطلا فى الحياة العملية عازفا عن العمل المنتج.

ان التربية التى نريدها أن تقضى على التخلف تتطلب من المدرسة أن  تكون وكانها خلية عمل كل فرد فيها مشغول وكل واحد مسرور بما يحقق من انجازات فى الدرس وفي العمل . لا ضغط ولا قسر بل اهداف يشترك الطلاب فى اختيارها بارشاد ومساعدة مدرسيهم ويعملون جادين على تحقيقها. التأكيد على الاتقان : اتقان الدرس واتقان المهارة فى كل عمل يتعهده الفرد ضرورة تربوية . فلا ينتقل الطالب من بحث الى آخر قبل ان يكون قد اتقن البحث الاول بالسرعة التى تلائمه فلا يسير الكل فى سرعة واحدة . ولا يحوز السماح بالمستويات الواطئة او التراخى فى محاسبة الطلاب على انجاز واجباتهم وأعمالهم . الطالب ينكب على الدرس او العمل حتى يتقنه فلا رسوب ولا تكرار للسنة .

التربية للحياة الشاملة : ان التربية التي نريدها ان تحقق الاهداف التى  اقترحناها اعلاه تعنى بحياة الطالب من كل نواحيها . فلا تقتصر على تزويده بالمعلومات بل تهيئ المرافق والبرامج التى تتناول الحياة الانسانية من كل جوانبها بصورة فعالة وعملية فالمدرسة الحديثة تحوى على سبيل المثال لا الحصر المرافق التالية :

وس ١١٠ - 1 - مكتبة مزودة بالكتب النافعة يؤمها الطلاب بالتناوب وفق جدول اوقات تنظم للمطالعة الحرة ولاعداد دروسهم فيها . اذ قد لا يتسنى لهم الاشتغال ببيوتهم . ويمكن استخدام غرف الدراسة لهذا الغرض أيضا .

2 - توفير مزرعة أو معمل وحانوت ( يباع فيه ما يحتاج اليه الطلاب من قرطاسية أو أدوات ألعاب أو مرطبات الخ . . ) بحيث يتدرب الطلاب بالتناوب على الاشتغال فى الحقل أو فى المعمل أو فى الحانوت.

3_معبد يشجع الطلاب على اداء الصلاة فيه واذا لم يتوافر ذلك فالصلاة تؤدى فى مسجد قريب او فى الهواء الطلق.

4 - ساحة ألعاب فسيحة يمارس الطلاب الرياضة فيها . والعوم في البحر او النهر أو حوض السباحة .

5 - قاعة فنون جميلة حيث يشجع الطلاب على الابداع الفنى وان لم تتوافر ففي الهواء الطلق أو داخل غرفة الدراسة.

6 - قاعة اجتماع تستخدم للمحاضرات وللسينما وللجوقة الموسيقية . وان لم تتوافر ففي الهواء الطلق أو فى ناد أو سينما قريبا فى المدرسة .

7 - مطعم حيث يتناول الطلاب وجبة الغداء أو الحليب فى منتصف النهار أو بعد الظهر.

8 - مركز ارشاد ورعاية صحية ونفسية للطلاب .

ولما كانت معظم هذه المرافق غير ميسورة فى الكثير من بلاد العالم الثالث فاننا نؤكد أهمية استخدام كراسى فردية متحركة بحيث يحملها الطلاب الى الهواء الطلق فيدرسون تحت الشجرة مثلا . ونرجح أن يكون جلوس الطلاب على شكل دائرى بحيث يشكلون وحدة عائلية مجتمعة يرى بها أحدهم وجه الآخر.

الترابط بين المدرسة والبيئة : ان المدرسة الحديثة تشجع خروج الطلاب الى الطبيعة والحقول وزيارة المعامل والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والمتاحف والمواقع الاثرية كما تنظم رحلات مدرسية داخل القطر وخارجه تشجع الحياة الكشافية فى المخيمات خارج المدن كما تكون الصلة وثقى بين البيت والمدرسة وبين المدرسة والمجتمع وتنظم لقاءات واجتماعات عامة وخاصة لهذا الغرض .

٠٠ في اللامركزية والديمقراطية في ادارة المدرسة : تتمتع المدرسة بصلاحيات واسعة فى تقرير برامج الدراسة وتعيين الاوقات المخصصة لكل درس أو عمل ويكون ذلك بالاتفاق بين المدرسين ومدير المدرسة على أن يستفاد من الارشادات التى تقترحها الوزارة بقدر ما تسمح به الظروف وحاجة الطلاب.

يسود المدرسة جو ديمقراطى تعاونى ويساعد الطالب القوى زميله الضعيف فى الدرس والعمل . كما يتعاون المدرسون ذوو الاختصاصات المتنوعة فيما بينهم فيوحدون خططهم التربوية لخير الافراد أو المجموع . يشجع الطلاب على ممارسة الحكم الذاتى وتحمل المسؤولية بشرف وفي جو عائلي . ويتفقون على قواعد ومعايير للسلوك يحاسبون على مراعاتها بكل دقة.

الشروط التى ينتظر أن تتوافر فى المربى : ان دور المربى فى التربية الحديثة هام وخطير وعليه يتوقف نجاح العملية التربوية أو فشلها ولذلك يؤمل أن تتوافر فيهم الشروط التالية:

- 1_ مدركين لمشاكل مجتمعهم.  2 - عارفين أهداف أمتهم. 3 - عارفين طبيعة الانسان وتنوع مواهبه فى كل مراحل عمره من الطفولة الى سن الرشد. 4 - عارفين جيدا المهنة التربوية الملقاة على عواتقهم نظريا وعمليا. 5 - واقفين على مبادئ التربية واصول التدريس. 6 - يحسنون استعمال الآلة الماكنة التى تستخدم فى نطاق عملهم. 7 - فى وسعهم صنع وسائل الايضاح او الاستعانة بمن يحسن ذلك . 8 - فيهم استعداد للنمو المستمر والاطلاع على احدث ما يجد فى حقل التعليم عامة وفي حقل اختصاصهم خاصة.

التربية الدائمة : لما كانت التربية تلازم الانسان طوال حياته ولما كانت المجتمعات الحديثة تهيئ الفرص لكل المواطنين ليدرسوا ويجددوا معارفهم باستمرار فلا حاجة لارهاق الطالب بكثرة المواد الدراسية بل كل يسير وفق قابليته وحاجته وظروفه . ولهم أن ينصرفوا الى العمل الحر ثم يعودوا الى الدراسة او ان يجمعوا بين الدرس والعمل.

وآخيرا نقول : ان القضاء على التخلف يتطلب منا جميعا تفكيرا جديدا وعزما أكيدا على الاصلاح والبناء التربوى . ولنذكر قوله تعالى : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين

اشترك في نشرتنا البريدية