الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

دور الترجمة، في تقوية روح التضامن الافريقي الاسيوي، وتنمية التبادل الثقافى بين الشعوب الافريقية الاسيوية

Share

نعم انه ما من شك فى وجوب الترجمة وجوبا حتميا لتقوية التعارف وتيسير التفاهم بين الشعوب الافريقية الاسيوية . وانه ما من شك ان هذه الشعوب خاصة تجد الان انفسها في اشد الحاجة الى التضامن والتعاون دفاعا عن حياتها وصيانة لكرامتها . غير ان هذا التضامن لاينبغي ان ينقلب الى تحالف ضد فرد او مجموعة بل يجب ان يبقى شعورا بالوحدة واعتزازا بالحق . ولا ينبغي ان يكون تضامنا مصطنعا موجها الى الخارج بل يجب ان يكون تضامنا طبيعيا يحيا من الداخل ويخلق . ذلك ان الشعوب الافريقية الاسيوية - على اختلاف اجناسها وتنوع لغاتها وتباين بلدانها - تجمعها شخصية موحدة ووضع مماثل وعناصر مشتركة . فنحن لانحدد الشخصية الافريقية الاسيوية بالضاافة الى عدو يجب مقاومته بل بالاضافة الى وضع يجب تبديله وبالاضافة الى روح يجب تقويتها وتغذيتها وبالاضافة الى عمل انشائى يجب القيام به

انما نحن نستمد تضامننا من شخصيتنا ومن وحدة المصير - فالشعوب الافريقية الاسيوية اهل حضارة عتيقة انبثقت مع الانسانية واضاءت الصين والهند وسواحل البحر الابيض المتوسط . وهم اهل تفكير ونظر عرفوا بصحة الرأى وحب النظام وطلب الحرية على الدوام ؛ في بلادهم نشأت الاديان وفي بلادهم طلعت الحكمة وفي بلادهم بدا التاريخ . ومن هذه الحضارات العتيقة والديانات العميقة ومن هذه الامثال والحكم والعلوم والفنون تكونت شيئا فشئا عقلية موحدة احيانا بين افريقيا وآسيا متكاملة بين القارتين احيانا اخرى - وهذه العقلية تعرف عادة بالعقلية الشرقية وهي تعتمد على الحكمة الشعبية والرأي الواضح والصبر الجميل والثاني في العمل وتتجلى فيما تتجلى في قواعد الحياة الموجودة عند كونفوشيوس او في القرآن الكريم او في تراث كليلة ودمنة.

ثم ان الشعوب الافريقية الاسيوية تجمعها وحدة المصير : ماض متشابه وحاضر متقارب ومستقبل نريده جميعا زاهرا في الماضي البعيد كانت هذه الشعوب تتمتع بحضارة عتيقة وتجارب ثمينة وكنوز من الحكم الصادقة . في الماضي القريب نراها قد جمع بينها الاستعمار فى شتى انواعه فضغط عليها واستغلها استغلالا . في الحاضر انما المشاكل التي تعانيها شعوبنا مشاكل واحدة هي هي تتلخص في كلمة : التخلف .

اما في ما يخص المستقبل فهي تسعى جميعا وراء هدف واحد هو ان تلقف نفسها وان تمحو تخلفها وان تساهم مساهمة صحيحة في تقدم البشرية نحن نستمد قوتنا من وحدة الشخصية ووحدة المصير ولكي نعزر هذه القوة ولكي نقوي هذه الوحدة وجب علينا ان نعرف انفسنا اولاوان نتعارف فيما بيننا ثانيا فنتعمق في الغوص على شخصيتنا من جهة ونكثر من التعارف والتبادل من جهة اخرى . ولئن وجب ان نجد عدوا فعدونا التخلف على وجه الاطلاق ولئن وجب ان نتضامن ضد شيء فالتضامن ضد الجهل والفقر والمرض والتضامن في التعاون على معالجة مشاكلنا وفي الاستفادة من تجاربنا جميعا

واذ كانت المشاكل التي نعانيها متعددة واذ كانت تجاربنا متفاوتة وجب ان نبالغ في الاعتناء بها بتعميم الترجمة والاتساع في موضوعاتها وتنظيم مشاريعها . لان الترجمة تعتبر من قديم اهم اسس الثقافة واهم عوامل التعارف . لنذكر على سبيل المثال الجهود المتظافرة بين الفكر والسلطان في ثلاثة بلدان شرقية وفي عصور مختلفة لانتشال تراث شعبي من الضياع ولنشره بين الخاصة والعامة . وهذا التراث هو كتاب " كليلة ودمنة " بداه ( بيدبا ) الفيلسوف في ظل ( دبشليم ) ملك الهند واكمله ( برزويه ) الحكيم برعاية كسرى ( انو شروان ) ملك الفرس واتمه ( عبد الله بن المقفع ) واخرجه للانسانية جمعاء . ولنذكر كذلك ماقامت به الدولة العباسية وخصوصا في عصر المأمون من تعريب لكل شيء : لحكمة الهند وعقل الفرس وفلسفة اليونان ثم ما قامت به الدولة الاموية في بلاد الاندلس

والترجمة تلقيح اذ هي تدخل على اللغة المنقول اليها فنونا متنوعة واغراضا جديدة وقوالب لاعهد لها بها . فتكثر المصطلحات الجديدة وتهضم اللغة السليمة الجديدة من الدخيل فيصبح من مفرداتها وقسما منها وتجدد اغراض الشعر والنثر وتتشعب انواع الابداع الادبي والفكري ( كما لقحت الفلسفة اليونانية

الفكر العربي الاسلامي او كما لقحت المسرحية الاوروبية ادب النهضة العربية او كما لقح الشعر العربي الادب الغربي الناشيء وذلك في القرون الوسطى )

ثم زد الى هذا وذاك اهم شيء وهو التعارف بين الشعوب وفهم العقليات ودرس الشخصيات من خلال ما يترجم من ادب وتاريخ وعلوم . وعلى قدر منافع الترجمة وفضائلها تاتي عيوبها ونقائصها لان حب التطلع على آثار الشعوب الاخرى وآدابها وتاريخها قد يدفع الكثير منا الى الترجمة السريعة او الى الترجمة التجارية او الى الترجمة الديماغوجية . فيكون عندئذ الخطا عن قصد او عن غير قصد ويكون المسخ ويكون التشويه بالزيادة او بالنقصان فالمترجم في الحقيقة انما مثله مثل الشاهد يشهد بالحق : يرى فيحسن الرؤية ويقول فيحسن في القول او يشهد بالباطل : يرى ثم يقول فيفتري كذبا او يشهد ظانا انه الحق وهو يكذب عن حسن نية اذ لم يحسن الرؤية . فلقد نقل هكذا عن العربية شيء كثير : نقل القرآن قديما الى اللاتينية مثلا بالكذب والافتراء والعدوان ونقلت كتب اخرى بالحقد او بالتحقير ، بالمسخ والتشويه . ولقد نقل الى العربية شيء كثير : فلقد عربت في اواخر القرن الماضي مسرحيات اوروبية وقصص اوروبية فلم يحسن تعريبها وكثيرا ما كانت الغاية من التعريب التكسب و التجارة اكثر من خدمة الثقافة وتعميم المعرفة . وهكذا ندخل في الامور العملية وفي برنامج الترجمة . فكيف نترجم ؟ وماذا نترجم؟

ارى انه ينبغي لنا ان نتجنب المسخ والتشويه وان نتعالى في عملنا عن الهدف التجاري او الدعائي او السياسي الخالص الى اهداف علمية ثقافية محترمة وانه ينبغي لنا ان نعنى بآثار كل بلد ايا كان فكل بلد يستحق ان نعرفه وان نعرف آثاره واعماله وما انتجته قرائح ابنائه . فنستطيع ان ناخذ البلدان الافريقية الاسيوية بلدا بعد بلد وان نختار من كل ادب نماذج ومن كل تجربة صدى ومن كل فن صورة . واقترح ان نوحد صفوفنا نحن الافريقيين الاسيويين مثلما وحدنا صفوفنا في هيئة الامم المتحدة فنجعل في نطاق اليونسكو جماعة مناتسطر سياسة ثقافية معينة وتنظم برامج للترجمة وتختار المؤلفات على ضوء حاجة الشعوب اليها متوسعين في الزمان والمكان والموضوع لانقف عند حد من حدود التاريخ اوحد من حدود الجغرافيا اوغرض من اغراض القصة مثلا الا اذا كان الباعث على وقوفنا صالح شعوبنا وصالح ثقافتنا

ثم ان حركة الترجمة تستدعي تنسيقا عظيما بين الامم وبين اهل كل لغة حتى لانضيع الوقت وحتى لتاتشتت الجهود . فلناخذ مثال العربية في الوقت الحاضر : انه لا توجد سياسة منظمة بين الامم العربية في خصوص الترجمة لا ترجمة المصطلحات الحديثة ولا ترجمة الكتب الادبية ولا ترجمة المقالات الفنية فيستعمل المصطلح الجديد بصفة في مصر وبصفة اخرى في لبنان وبصفة ثالثة في المغرب الاقصى الى غير ذلك من الاختلاف . وكذلك في المصنفات يشرع في تعريب الكتاب في بلدين او ثلاثة ويتم المشروع في بلد واحد بينما الاصلح ان تنسق الجهود ويتجنب التلاشي وان تجعل جداول وقائمات لما يحسن نقله الى العربية وان تكثر جلسات العمل بين اهل هذه الصناعة من جميع البلاد العربية

وعلى كل فالاهتمام بالترجمة في نطاق الشعوب الافريقية الاسيوية لا ينبغي له ان ينقصنا حظا من سائر لغات العالم وثقافاته حتى لانكون عرضة للانطواء على انفسنا والانكماش في ربوعنا وحتى لانميل الى فكرة التضامن في وجه احد ما بل يجب ان يكون تضامننا نحن معشر الكتاب تضامن الانفتاح الى صالح الانسانية جمعاء . فالقلم عندنا اداة غايتها ليست القتل ، وان قتلت الاستعمار . القلم لا يقتل بل هو يعلم والعلم حياة متجددة " . . الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم " فالقلم يعلم ويعلم الانسان على وجه الاطلاق والقلم وسيلة لتقدم الانسانية وانشاء حضارة بشرية ليس وسيلة للكذب والهجاء والمشاحنة وتعميم البغضاء والضغينة . فلئن كنا كتلة فلنكن كتلة منشئة لامهدمة وكتلة حب لا عدوان .

واقتراح اخير انهي به حديثي هو ان يرجع الى المترجم قدره ومسؤوليته اذ ان الفهم الجديد في السنين الاخيرة جعل من المترجم شيئا ثانويا بالاضافة الى الكاتب والحق ان المترجم البارع قد يكون بمنزلة الكاتب الكبير فيختلط في نظر الشعوب والاجيال عمل ( بيدبا ) وعمل ( برزويه ) وعمل ( ابن المقفع ) وعمل ( لافونتان ) . فاقترح ان تدرس الوسائل الخاصة التى من شأنها ان تشجع المترجم على الترجمة وذلك بارجاع حقوقه اليه والاهتمام بامره واحداث جوائز كبيرة خاصة به وان كان الكاتب المنقول عنه حيا وان نحدث مثلا جائزة دائمة يهديها مؤتمرنا او بعض زعماء افريقيا وآسيا لاهم ترجمة كانت تنتظرها الشعوب الافريقية الاسيوية بفارغ صبر .

اشترك في نشرتنا البريدية