عندما تتحدث عن الثقافة لا نريد ان نجعل منها هدفا فى حد ذاتها ، وانما هى وسيلة ناجعة لرفع مستوى الجماهير فى كافة ميادين حياتهم ، ومنحهم القوة والعزم والصمود امام الصعوبات والعراقيل التى تعترض طريقهم فى هذا المعترك الحيوى الهائل باعتبار ان الثقافة تعنى الاستقامة واصلاح المعوج كما تعنى الخلق والابتكار والتلاؤم مع الواقع حيث تمثل كل القيم السائدة فى مجتمع ما وتعبر عن الاساطير والطقوس واساليب الحياة والمؤسسات الدينية والتعليمية فى ذلك المجتمع
واذا كانت الثقافية لم تعرف بهذا المعنى ولم تفسر بهذا المفهوم الا فى عصر النهضة فيمكن القول بانها وجدت منذ وجود المجتمعات الانسان وجرت في عروقهم حيث كانت ثقافتهم هى حياتهم اليومية والعكس صحيح اى ان هناك ثقافة تلقائية او بدائية تعايش الناس وتلازمهم كظلهم دون ان يشعروا بها كما هو الحال اليوم حيث تعددت وسائل الثقافة واتسعت مفاهيمها ومشمولاتها . فالثقافة كما يعرفها المفكر الانقلى تايلور هي :
ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والعقيدة والفن والاخلاق والقانون . والعادات والقدرات التى يكتسبها الانسان بصفته عضوا فى مجتمع ما .
اما الاستاذ سلامة موسى فيرى : ان الثقافة علوم وفنون وفلسفات وعادات وتقاليد واتجاهات تكسبنا جميعها مزاجا معينا نتجه به في مسيرتنا ومعاشنا ونؤسس به مجتمعا يتفق ومبادئ هذه المعارف والافكار ، ولا يتنافر معها ، بخلاف الحضارة فهي ما نعمل به من ادوات ووسائل سواء
كانت حسبة مثل مواد البناء وآنية الطبخ أو آلات ومصنوعات . اخرى . أو كانت معنوية مثل المؤسسات الاجتماعية المختلفة كالحكومة والمجلس النبابي والبلدى الخ .." ومن هنا نفهم ان الثقافة هي أساس الحضارة وانها سابقة لها ومؤدية اليها ، باعتبار ان الثقافة فكرة والحضارة مادة ، وان التعرف يؤدى الى التأثر وهذا يؤدى الى التحرك والعمل . وكل تحرك نحو اقتصاد عصرى قوى يحتاج الى تحرك ثقافى وتغيير جذرى للاذهان والعقول حيث يتم هذا التغيير والتطور بصفة تدريجية وعلى مراحل معقولة
وهذا ما جعل الانتفاضات والانقلابات العسكرية المتعاقبة فى البلد الواحد ليس من شأنها أن تساعد على بناء اقتصاد متين وخلق ثقافة مزدهرة ، لانها تطييح في لحظات بكل المقومات الثقافية والاقتصادية لتلك الامة دون ان تعوضها بمقومات جديدة اذ يستحيل عليها ذلك فى وقت وجيز ، ولانه ليس من الميسور ان يتغير ضمير الانسان وعقليته بالسرعة التى تقتضيها الثورة فحين يترك هذا الانسان تقاليده وميزان الفضائل والرذائل الذى ورثه يحتاج الى ان يستبدل بهما ميزانا جديدا وتقاليد جديدة
لكن الثورة لا تسعفه بذلك فيعيش السنوات فى فوضى اخلاقية واجتماعية واقتصادية " .
ومن هنا ندرك مدى الاهمية التى يعلقها الرئيس الجليل على الاستقرار والوحدة القومية باعتبارهما الضامن الوحيد للازدهار الثقافى والتطور الاقتصادى والرقى الاجتماعى وان فخامة الرئيس ليؤكد فى عديد المناسبات بان نجاحنا في معركتنا الاقتصادية والاجتماعية يتوقف على النهضة الثقافية وتوعية الجماهير الشعبية حتى تساهم بكل تلقائية وجد وعن اقتناع فى تحقيق الاقلاع الاقتصادى وكسب المعركة التى نخوضها ضد التخلف بجميع وجوهه واشكال حيث انقضى الزمن الذي كانت فيه الثقافة مقتصرة على نخبة معينة محظوظة فى حين يبقى السواد الاعظم من أفراد الشعب سابحا في بحور الجهالة والظلام دون ان يجد من يفكر في تسليته ورفع مستواه الذهنى وجاء العهد البورقيبي الزاهر فنزلت الثقافة الى مستوى الجماهير وتوفرت وسائلها وتعددت هياكلها لان هذا النظام يفضل ان يحكم شعبا واعيا مثقفا لما يترتب عن ذلك من صعوبة قيادية على ان يحكم شعبا جاهلا بسيط بساق كالانعام ، وقد مات فيه كل تفكير وطموح .
ولقد كانت المجتمعات القديمة قبل الثورة الصناعية الاوربية تقوم على مجموعة من القوالب والتنظيمات التى تتحكم فى علاقاتها وتنظم جوانب نشاطها فكان ثالوث الاسرة والدين والقرية هو الذى ينظم ويتحكم فى سلوك الافراد ، ويفرض عليهم الانضباط ، ويرسم للمجتمع اهدافه ووسائله لكن المجتمعات الريفية قد تغير كيانها بعد الثورة الصناعية وغيرتها المدنية الحديثة وسلبيتها كل مصادر القوة التاريخية المتمثلة فى تأثير الاسرة والدين والقربة على النظام الاجتماعى والاقتصادى وارتد دورها الثقافي لتحل محله التشريعات الوضعية والمؤسسات الحديثة ، فحد هذا من سلطان الثالوث المتقدم ذكره .
على ان الثقافة فى هذا العصر قد تعددت وسائلها وخاصة السمعية والبصرية منها واصبح لها مفعول السحر فى تطور عقول الجماهير واذهانهم ، وفتح بصائرهم على واقعهم الذى يعيشونه ومساعدتهم على تغيير هذا الواقع بما يتماشى ودفع عملية النمو الاقتصادى اشواطا الى الامام خاصة وان التنمية الاقتصادية هي : " ضبط مخطط محكم لاستخدام الموارد الاقتصادية المعروفة بطريقة اكمل واقوى " وان النجاح فى هذا المخطط وفي استخدام الموارد لا يكون مضمونا الا بالتوعية والتثقيف وصقل الاذهان والعقول وتغيير ما بالنفوس من تقاليد بالية وعصبية قبلية وانانية وجمود وان للثقافة دورها الفعال في قلب الاوضاع والمفاهيم التى تعرقل مسيرة التنمية الاقتصادية . وقد ثبت بما لا يدع للشك مجالا ان العامل المثقف المتعلم يكون مردوده اجود واكثر وانتاجيته احسن من العامل الامى الجاهل ، وهذا ما يفسر لنا كثرة الانتاج وجودته وحسن الانتاجية فى الامم المتقدمة التى تسلط نور العقل على ما يعترضها من مشاكل ، وتستعمل الطرق العلمية الحديثة والوسائل العصرية فى استخدام مواردها مما يجعل اقتصادها فى ازدهار مستمر وعلى العكس من ذلك الدول غير النامية المتخلفة التى تعاني من النقص فى الانتاج ومن تدهور الانتاجية ، رغم وفرة المواد الخام فى البعض منها .
ومن خصائص المجتمعات غير النامية انها مجتمعات صغيرة منعزلة ، نسبة الامية فيها مرتفعة وهي متجانسة وإحساسها قوى بالتضامن الجماعي يمتاز اقتصادها ببساطة التكنولوجيا والانتاج المشترك ، والاستقلال الاقتصادى ، ودعم التخصص أو تقسيم العمل نيجية التخلف التكنلوجى وسلوكها تقليدى تلقائى شخصى لا يحتمل النقد والاعتراض وهو عائلى
حيث ان نسق القرابة يحدد كل مظاهر وانماط السلوك الفردى والجماعي على السواء . واحكام افراد هذه المجتمعات تعتبر شخصية باطنية ذاتية بعيدة عن المنطق والمعقول .
فالفلاح مثلا فى المجتمع الريفي يعتبر مركزا حضاريا وليس مركزا مهنيا فحسب اى ان الفلاح هو حامل للثقافة الريفية وليس مجرد شخص يمتهن الزراعة لان الزراعة ليست مهنة فقط وانما هي كل ثقافى متكامل . اما المجتمعات النامية فمن خصائصها انها : كبيرة الحجم والتعقد والتباين وتقسيم العمل وارتفاع المستوى التكنلوجى واختلاف سلوك الافراد وعدم التجانس والتفكك وسيادة القانون وتقدم العلوم وسيادة الروح الفردية والاتجاه المادي .
ولا بد هنا من التاكيد على ان الانسان فى المجتمعات المتخلفة غير النامية لا يقل ذكاء وقدرة على الخلق والابداع وصنع الحضارة عن اخيه الانسان إلى المجتمعات النامية وان وصمة التخلف التى يعانيها تعتبر دورة من دورات الحياة التى نبعت من خارج ذاته وانها نتيجة ظروف وملابسات قدر له ان يعيشها وان قوته الكامنة في ذاته والتي لا يقدر احد على سلبها منه هي التى ستحقق له النصر على التخلف وتضمن له الازدهار الاقتصادي بشرط ان يسلك طريق الوعى ويكرع من مناهل الثقافة المتعددة ، ويسعى الى تغيير ما بنفسه امتثالا لقوله تعالى : " ان الله لا يغير ما بقوم حتى بغيروا ما بانفسهم . لانه من المؤسف حقا ان نرى الاقتصاد في الدول غير النامية توجهه العادات والتقاليد لا الاسواق ، فنجد العلاقات الاقتصادية كالعلاقات الاجتماعية تحكمها التقاليد البالية ولا يلعب السوق فيها الا دورا ثانويا ، وانتاجها يقوم على أساس محلى اكثر مما يقوم على اساس البيع فى سوق عام لا شخصية له . ومالكو الارض يستخدمونها بالوسائل التقليدية المتوارثة منذ القدم بحيث لا يحفزهم حافز المصلحة العامة الى ادخال الآلات الحديثة وتعصير زراعتهم .
ومن هنا ندرك العلاقة المتينة بين الثقافة والتنمية لان العادات والتقاليد نعتبرها عناصر ثقافية لا بد من التغلب عليها بفضل التوعية المستمرة وخلق ثقافة متحركة رائدة تدفع بهؤلاء الناس فى طريق التطور ومسايرة قافلة الحضارة .
ومن الجدير بالذكر ان الدول غير النامية اصبحت شاعرة اكثر من اى وقت بض بانها فعلا متخلفة الامر الذي يجبرها على استخدام كل امكانياتها لتصنيع بلادها وتعصير اقتصادها وعدم قناعتها بالزراعة فقط ، بل عليها لتطور فلاحتها ان تقوم بقدر امكانياتها بانشاء صناعات للنسيج ومصانع ومعامل لتكرير النفط والسكر ... وغير ذلك من المنشآت الصناعية التى تلحقها بصف الدول النامية والمتقدمة
والحقيقة التى أقولها بكل فخر وبدون غرور : إن بلادنا التونسية لا يمكن تصنيفها الآن ضمن الدول المتخلفة آنفة الذكر - وهذا بشهادة خبراء دوليين في الاقتصاد - حيث سعت ولا تزال تسعى جاهدة لتجاوز هذه المرحلة ، ولم تعد تنطبق عليها بعض المقاييس المذكورة للدول المتخلفة بفضل القيادة الرشيدة التى التزمت بمجموعة من المبادىء ازاء شعبها الوفي مثل الاعتراف بمجهود الفرد وتشريكه فى تحمل المسؤوليات وتشجيعه على الخلق والابتكار واحترام الوازع الشخصى لديه واقناعه بعدم طغيان مصلحته الخاصة على المصلحة العامة بحيث يجعل من الملكية وظيفة اجتماعية ، كما تمكنت هذه القيادة من انشاء مجموعة من المعامل والمصانع وشجعت الصناعات الثقيلة والمتوسطة التى استوعبت عددا لا بأس به من الايدي العاملة كما شجعت رؤوس الاموال الاجنبية على استثمارها فى تونس لخلق المزيد من مواطن الشغل والاحتكاك بالخبرات الاجنبية لرفع المستوى المهنى للعامل التونسي الى جانب توعيته وتثقيفه ورفع مستواه الذهنى بفضل مجموعة من الهياكل الثقافية المنتشرة فى كل نقاط الجمهورية والتي لعبت دورا هاما في تغيير عقلية المواطن وتوسيع آفاق تفكيره وجعله يتقبل الاصلاحات والمخططات الاقتصادية عن تبصر واقتناع ويساهم فى انجاحها بكل حماس واندفاع .
ومن خلال كل ذلك ندرك مدى الدور الهام والخطير الذى تلعبه الثقافة فى تحقيق النهضة الاقتصادية وانجاح مخططات التنمية لدى الشعوب حيث ادرك الإستاذ محمد مزالي خطورة الدور الذى تقوم به الثقافة فجعلها ركنا من أركان السياسة فهو يقول : " الثقافة ركن من اركان السياسة ، وان شعبا لا يعتنى بالثقافة هو شعب منقوص
واذا كان هذا دور الثقافة وهذه مكانتها التى اعترف بها قادة الدول ، فانه - والحق يقال - لا يزال البون شاسعا بين ما يرصد للثقافة من اعتمادات
وامكانيات مادية ضئيلة وبين خطورة الدور الذى تلعبه فى رفع مستوى المواطن فى كافة ميادين حياته .
تنشيط الهياكل الثقافية :
مما لا ريب فيه ان الثقافة لم تعد امرا كماليا يمكن الاستغناء عنه بل أصبحت اليوم من عوامل النهوض بالانسان ورفع مستواه فى كافة ميادين حياته ، حيث يجد الغذاء الروحى الذى يوسع أفق تفكيره ويحسن مردوده العملي باعتبار الانشطة الثقافية المختلفة التى تقدم له فيجد فيها الى جانب التثقيف والتوعية التسلية من عناء العمل والكد في سبيل القوت ، قلت إذا اعتبرنا هذا المفهوم لوظيفة الثقافة فان التنشيط الثقافي للهياكل والمؤسسات الثقافية يصبح من أوكد الضروريات خاصة بعد ان تغيرت تلك النظرة التقليدية للثقافة وحاول المسؤولون عن حظوظها ان يعطوها نفس جديدا يدخلها فى الدورة الاقتصادية لتصبح من عوامل التنمية والازدهار الاقتصادى نظرا للعلاقة المتينة التى تربط بين القطاعين . فالتنشيط الثقافي حينئذ يصبح ضرورة اكيدة لتحريك الهياكل الثقافية واخراجها من الجمود والروتين ، ولان ديمقراطية الثقافة تحتم علينا تشريك المستهل للانتاج الثقافي في عملية اختيار المواضيع ، واقتراح الانشطة التى يراها ضرورية لخلق ارضية للحوار واللقاء الفكرى . ومن هنا وجب الابتعاد عن الاساليب البالية والعقيمة فى التنشيط الثقافي مثل المنابر الثقافية التى تعتمد الخطابة والوعظ والارشاد ، وتجعل من المشرف على النشاط جهاز ارسال وبقية الحاضرين جهاز التقاط . فلا بد حينئذ من اعتماد طريقة الحوار والنقاش ومقارعة الحجة بالحجة وترك المستهلك للثقافة يساهم فى الحوار وابداء الرأى ويشارك فى ضبط وتخطيط البرامج الثقافية باعتباره المعنى اكثر من غيره بهذه البرامج والمخططات ، ولقد انتشرت في اغلب نقاط الجمهورية مجموعة من الهياكل الثقافية والمكتبات العمومية وهي تقوم بدور ايجابي فى توعية المواطن وتثقيفه سواء بواسطة الكتب والنشريات والصحف والمجلات أو بواسطة المنابر الحرة والعروض المسرحية والسنمائية والنوادى والتنظيمات المختلفة داخل دور الشعب والثقافة لكن هذه الهياكل فى حاجة أكيدة الى مزيد الدعم والعناية سواء من حيث التجهيز بالوسائل السمعية البصرية التى أصبح لها دور فعال فى توعية الجماهير الشعبية فى عصر تعددت فيه أمثال هذه الوسائل التى اسرت الالباب وسيطرت على
العقول وكذلك بعض التجهيزات التى تتطلبها بعض النوادى الممكن بعثها فى دور الشعب والثقافة مثل نادى التصوير الشمسى ونادى التسفير : ونادى الكهرباء ونادى المسرح والالعاب الفكرية ، ونادى العلوم الطبيعية الخ . قلت سواء من حيث التجهيز او الدعم المادي بتخصيص الاعتمادات اللازمة لتحقيق البرامج الثقافية التى تضبطها هذه الهياكل .
وقيس على دور الشعب والثقافة المكتبات العمومية التى تعتبر مراكز اشعاع ثقافى فى جهاتها والتي تحتاج الى مزيد العناية والدعم المستمر صواء من حيث تغذية رصيدها بالكتب الجديدة بصفة دورية وحسب رغبات القراء واقتراحاتهم ، والسعى بقدر الامكان الى خلق توازن بين الجهات في توزيع الكتب وتقوية ارصدة المكتبات ، او من حيث العناية بالمجلات وترميها وادخال الاصلاحات الضرورية عليها كحل وقتي في انتظار توفر الامكانيات وتظافر الجهود لبناء المحلات اللائقة ببنوك الثقافة
على ان موضوع التنشيط الثقافي وبعث حركية فى المؤسسات الثقافية يصبح لاغيا إذا لم تتوفر الوسائل والتجهيزات الضرورية لخلق المناخ الملائم لبعث الحيوية والنشاط والحركة فى اجسام هذه الهياكل
كذلك العنصر البشرى المشرف على هذه المؤسسات فى حاجة ماسة الى الرعاية والمساندة والتشجيع حيث برهن فى كل المناسبات على الشعور بالمسؤولية ولا يزال مصمما على ان يخلق من الضعف قوة ، وان بضحي في سبيل ازدهار المؤسسة التى يشرف على حظوظها ، وان يتحمل مسؤولية كاملة ، وهو ساع بقدر امكانياته الى ان يكون المنشط الكفء والمرشيد الامين الذي يأخذ بيد المواطن ويقدم له الغذاء الثقافي الذي يسليه ويجدد قواه حيث يقبل من جديد على عمله بكل حيوية ونشاط غير أن الحديث عن التنشيط الثقافي يجرنا حتما الى معرفة المنشط الذي يعتبر المحرك الاساسي لكل نشاط ثقافى والمشجع على الخلق والابداع والباعث لروح الحياة فى الهياكل الميتة
ومن هنا ينبغى ان يكون هذا المنشط مطلعا او ملما على الاقل بكل المواضيع والقضايا التى تصلح لان تكون ارضية للنقاش والحوار ، بحيث تكون منطلقا لعمل ثقافى هادف وناجح ، اي ان تكون لهذا المنشط ثقافة شاملة وتتوفر فيه تلك الصفات والمزايا التى تؤهله لجلب الرواد من شباب وكهول
بفضل تضلعه فى علم النفس ، ومعرفة ميول هؤلاء ورغباتهم مع افساح المجال لكل المواهب ومساعدتها على ان تيننع فى جو الحرية الكاملة . ومن المحاولات الايجابية لتنشيط الهياكل الثقافية تأسيس نواد داخل دور الشعب والثقافة يختلف نشاطها باختلاف ميول ورغبات رواد هذه الدور مثل نادى الادب ونادى الشطرنج او نادى التصوير الشمسى او نادى المسرح الخ . لان هذه النوادى - حيث تجد على رأسها من ينشطها - من شأنها ان تخلق حركية ثقافية داخل الدار وتجلب العديد من الشباب والكهول الذين يجدون فيها ما يشبع ميولهم ورغباتهم ، وبالتالي يقضون اوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع عوض ان تغص بهم المقاهى وتضيع اوقاتهم فى لعب الورق . كذلك من المحاولات الايجابية للتنشيط الثقافي تأسيس جمعيات أحباء المكتبة والكتاب بالنسبة للمكتبات العمومية لان هذه الجمعيات من بين أهدافها التعريف بالمكتبة والحث على المطالعة وربط الصلة بين المنتج والمستهلك لمواد المطالعة وتحسيس العائلة بأهمية الدور الذى يلعبه الكتاب في حياة الطفل ، والمساهمة فى التظاهرات الثقافية - خاصة - التى لها صلة متينة بالكتاب والمطبوع بصفة عامة ، بحيث تتوسع هذه الجمعيات في أداء مهمتها فتجرى المسابقات بين الرواد لمزيد التعريف بالانتاج التونسي مثلا ، وتثير النقاش حول كتاب معين بحضور مؤلفه ، وتقيم معارض الكتب خاصة في المناسبات الدينية والوطنية لمزيد الحث على مصادقة الكتاب ومعاشرته باعتباره أساس الثقافة . وهكذا نرى ان هذه الجمعيات يمكن ان تساهم فى ازدهار بنوك الثقافة اذا وجدت المساندة والتشجيع المادى والادبي من طرف أحباء الكتاب والساهرين على حظوظ الثقافة فى بلادنا .
ولا بد من الاشارة هنا إلى أن موضوع التنشيط الثقافي يختلف يختلف باختلاف علاقته بالحدث الثقافي او البيئة او التكوين او الخلق والابتكار .
والحدث يمكن تعريفه بانه عمل ثقافى بسيط يستغل فيه المنشط مختلف وسائل التعبير من موسيقى ورسم ومسرح الخ ويقصد به عادة الجمهور الذي لا يتردد على المؤسسات الثقافية لانه ينتظم بالساحات العامة بحيث يقع استغلال هذا الحدث الثقافي لتبصير المواطن وتوعيته ببعض القضايا التى تشغل باله .
أما علاقة التنشيط الثقافي بالبيئة فالهدف منها تقريب الانتاج الفكرى والفني من الجمهور ، حيث يقوم المنشط بدور الوسيط بين الجمهور ورجال
الفكر فيتم التقاء الطرفين ويحصل التفاعل بينهما مما يكون له الاثر الفعال فى تكوين ورفع مستوى المواطن . ويهدف التنشيط من أجل التكوين الى خلق ملكة النقد لدى الافراد لتحديد قيمة ومكانة العمل الثقافي ومدى فائدته حيث يتوسط المنشط بين العمل الفكرى والفنى وبين الجمهور فيساعد على قراءة الانتاج وفهمه ومدى نجاعته فى توحيد سير الاحداث التى يعيشها المواطن .
أما التنشيط الثقافي من اجل الخلق فهو الذي يتجاوز فيه المنشط حدود العمل الفكرى ومناقشة التراث الى الحث والمساعدة على الابتكار ، وهذا النوع من التنشيط نعتبره هاما جدا لحاجتنا الاكيدة الى الفكر الخلاق الذي يخرج النظريات من حيز القوة الى حيز الفعل ، ويساهم بصفة ملموسة وجدية فى انعاش حياتنا الفكرية وتدعيم نهضتنا الثقافية
مصادر البحث :
1-زيادة ثروة الشعوب . تأليف البرت لوترباخ . ترجمة ابراهيم ميخائيل عودة دار اليقظة العربية .
2- ما هى النهضة ؟ تاليف سلامة موسى . مكتبة المعارف . بيروت .
3 - الثقافة والفكر في مواحة التحدى . تاليف عبد الكريم غلاب دار الثقافة - الدار البيضاء .
4 - التخطيط والتنمية الاقتصادية . تأليف روبرت . ج . الكسندر . ترجمة عمر القبانى . دار الكرنك للنشر والطبع والتوزيع . القاهرة 1964 مجموعة الكتب المترجمة .
5 - تنمية المجتمعات المتخلفة . تأليف ريمونه فروست . ترجمة أحمد قاسم جودة . دار الكرنك للنشر والطبع والتوزيع . القاهرة 1964. ( المكتب الاقتصادية 11 ) .
6 - الوان من ثقافة الشعوب . تأليف روت بندكت ، ترجمة عمر الدسوقي ومن معه . طبع ونشر لجنة البيان العربى
7- المجتمع القروى وثقافته . تأليف روبرت روفيلد . ترجمة دكتور فاروق محمد العادلي . مطابع الهيئة المصرية للكتاب . 1975 .
8 - جريدة العمل التونسية بتاريخ /2/24 1980.

