لقد استخلص " فرولين " VERLAINE في خاتمة قصيده " الفن الشعرى " ، بعد أن امتدح الموسيقى والاستماع بالمباهج الطبيعية " ان الباقى انما هو ادب " ! . ومنذ ذلك الوقت جعل بعضهم يستنقص الادب باسم الواقعية وباسم حقيقة الاشياء والسعى الى النجاعة والنجاح في الحياة ..
وكذلك الشأن بالنسبة الى الثقافة التى يعتبرها بعض إخصائيي التنمية ، وبعض التكنوقراطيين ، المعنون بالنمو المخطط ، الذين أخذ عددهم يتضاءل ، والحق يقال ، بمثابة نشاط ترفيهي كمالى ، ويصنفونها ضمن الوظائف الجماعية التى لا صلة ولا أثر لها فى " القوى المنتجة " .
ان تنمية الانسان فى نظر هؤلاء " المطلعين " وأهل الذكر فى فن الاقتصاد ، إنما تتوقف على التصنيع والاستعارة المطلقة للتكنولوجيا ، والزيادة السنوية للمنتوج القومى الخام ، وترتبط بتطور استهلاك الكهرباء . . فلا شئ يستحق الفخر عند بعضهم أكثر من تحقيق فائض فى ميزان الدفوعات ، ولا شئ يستوجب الاعتذار أكثر من فشلهم فى الزيادة من رقم المعاملات التجارية .. بل ان هذه التنمية تقتضى فى رأى أكثرهم " تحررا " وأوسعهم الماما بمثل هذة المواضيع " الفنية " الدقيقة ، قطيعة ، أو بعبارة ألطف وقعا ، تجاوزا للثقافات القومية التى هى ليست فى نظرهم سوى بقايا موضوعات ورواسب تعبير وتفكير عتيقين تحول دون معانقة العصر ، وتؤخر تحقيق التقدم المنشود انهم اذا صادف ان تحدثوا عن الثقافة فى سويعات فراغهم ، يهتمون على الاكثر بنماذج من فلكلور أكل عليه الدهر وشرب ، وغالبا ما تنم عن ذوق مريب .
ان الثقافة المبخوسة باعتبارها ، على غرار الادب او " اليدب " - كما يحلو للبعض أن يسميه - وعلى غرار الفن والرياضة ، نشاطا مجانيا هامشيا لا يؤثر فى سير الاشياء ، قد ادمجت فى عدد كبير من البلدان الراسمالية ، وبلدان العالم الثالث التى تقلدها فى غفلة من أمرها ، داخل مضاربات القيمة التجارية . فقد استغل بعض التجار ، او بالاحرى التجاريين ، منجم السادية الشبقية المتفسخة التى تستمد قيمها ، ان صح التعبير ، من نوع الثقافة البورجوازية المتداعية للأثراء السهل ، وشد الانسان - والشباب خاصة - الى اللحظة التى يعيشها ، والى الغريزة والاستمتاع الانانى بالحياة الى أقصى الحدود . وتسابق القوم باسم ثقافة تنتحل المعاصرة والتحرر وباسم سينما يدعى تجريبيا مسرح سممي طليعيا ، وقصة تنعت بالقصة المضادة ، وأدب هو الى سوء الادب اقرب وبه الصق .. تسابقوا إلى فرض علاقات استغلال اخطبوطية بتمجيد اللامعقول والبدائية واعتبار الانسان مجرد ركيزة للغرائز الجنسية ، تتحرك وسط عالم مهزلي - مأسوى معا ، وذلك بدعوى تحريره وتجنيبه الاستلاب او الاغتراب ووقايته من الانسحاق والرجوع به الى طبيعته الحقيقية .
أما في بعض البلدان الاخرى ، المسماة بالتقدمية ، وفي الجهات التى " اختارت " ان تتحرك في مدارها الايديولوجى وتدور فى فلكها الفكرى ، فان الثقافة يسيرها ، ان لم نقل يسخرها تسخيرا ، البيروقراطيون وهي تظل خاضعة لتبريرات سياسة ما ، وتبقى مكيفة باعتبارها مفروضة عليها فرضا من عل .
وفي كلتا الحالتين فان الثقافة ، عوض ان تسهم فى النهوض بالانسان اى فى تفتح طاقاته الذهنية والنفسية والبدنية والجمالية حتى يضطلع بمنزلته البشرية على خير الوجوه ويتمكن من صنع نفسه وتغيير العالم المحيط به ، تصبح آلة فعالة بايدى الراسماليين الغزاة أو أداة طيعة تحركها " الاجهزة " الرسمية لتكييف الانسان والتلاعب به اكثر فأكثر ، وابقائه فى سن السفاه واللامسؤولية ، شبيها اكثر فاكثر بالآخرين ، مطابقا اكثر فاكثر للضوابط والقوالب والانماط المفروضة .
ومع ذلك فان كل الايديولوجيين والمسؤولين كيفما كانت أنظمتهم الاجتماعية والسياسية يهدفون الى النهوض بالانسان ويعلنون عن عزمهم على تحريره من الاطواق البدنية والاجتماعية والاقتصادية التى ترهقه وتصرعه وتفسد مداركه .
لقد تقدم الانسان بلا ريب فى القرن العشرين على الخصوص فالنهضة العلمية العجيبة ومآثر التكنولوجيا وتطور التقنيات مكنته - اكثر من ذى قبل - من فهم العالم الخارجي الذي يعيش فيه ومن السيطرة عليه الى حد بعيد . لقد تجاوز معدل الحياة ضعف ما كان عليه وتناقصت ان لم نقل زال زالت الاوبئة والمجاعات ، كما ان قارات بكاملها ازاحت عن نفسها نير الاستعمار وامسكت اليوم بزمام مصيرها .
ونتج عن ذلك كله نشوة الوفرة والرفاه ، وظما الى الاستهلاك وشغف بالارقام والخطوط البيانية وثابتات المردود الاقتصادى ، واجلال للتقنية وتدله بالعلم الذى هو فى الواقع نفى للعلم ، وايمان بالتنمية الانسانية باعتبارها غاية فى ذاتها واعتقاد فى حلول حضارة وضعية علمانية تتحقق فيها سعادة الانسان بسد حاجاته الاجتماعية والمادية وباقامة الحقوق مقام الواجبات ، والرفاهية مقام المجهود ، والنجاح مقام المثالية ، والرتابة اليومية مقام الخيال الخلاق .
بيد انه لابد ان نلاحظ مع عدد متزايد من المفكرين والعلماء والمسؤولين السياسيين ان البشرية تتخبط اليوم فى متناقضات عدة اذ بلغت المغامرة الانسانية من تاريخها مرحلة محفوفة بالمخاطر ، واصبحت الحضارة المعاصرة رغم تحكمها المتزايد فى العالم ، بصدد البحث عن قيمتها العليا وعن معنى قدر الانسان .
وقد عبر الفيلسوف الالمانى "هيد قير" HEIDEGGER عن هذا القلق الذي يعترى الانسان المعاصر رغم تقدمه العلمي والمادى والمتمثل خاصة فى فقد الطمأنينة وابتعاد النفوس بعضها عن بعض رغم اقتراب المسافات ، وفي تمزق الزمن رغم الوسائط السمعية البصرية العصرية ، فقال : اللامأوى أصبح مصير العالم ، الانسان اصبح بلا جذور ، صار المتجول ! والمتجول هو التجسيد الخاص للغريب الذي لم يفقد مأواه فحسب ، بل فقد ايضا وضعه فى الزمان أيضا ، كما عبر عالم الاجتماع المعاصر "سيمان " SEEMAN عن هذا البحران الذي اصبح فيه الانسان فى النصف الثانى من القرن العشرين فأكد " ان العالم يتجه الى الجحيم فى سلة واحدة " وهي سلة تستحيل - كما يقول مجاهد ع مجاهد - الى مصيدة لا يعرف الانسان منها فكاكا .
وان الامر لا يتعلق اليوم بتقمص شخصية المتحذلق العصرى أو بتبني مذهب العودة الى الطبيعة الذى تجاوزته الاحداث ولا طائل من ورائه . وليست المسألة
في إعادة عصر " ذهبى " الى الوجود بل فى عقل الحاضر وتسييره وتهيئه المستقبل ، فلنتبصر فى الواقع !
وبما اننا نحظى - نحن البشر - بشرف أثيل يحتم علينا أن نحيا حياتنا لكل أبعادها وان نضطلع بانسانيتنا على الوجه الاكمل يتعين علينا ان نحاول ضبط ثقافة على مستوى الانسان وبامكانها الاسهام فى تنميته تنميه متناسقة شاملة .
إن تناقضا أولا يبرز بين الحياة النشيطة لمجتمعات ارتقى بها وحولها تحويلا جذريا الازدهار الاقتصادى والتقنيات الجديدة والاسكان العصري وبين الفترات الزمنية البطيئة لتطور اجتماعي مسطح ومتناسق . ان النسق المفرط في سرعة التصنيع ، وزحف السكان الريفيين الى المدن الكبرى وبحثهم عن الشغل ، اجتثت جذور الافراد بدون ان تمكنهم من وعي جغرافي جديد متماش مع الحياة الحضرية بعد ان رجهم فقدان الوعى الجغرافى المرتبط بحياة المجموعات الصغيرة ، وان لهذه القطيعة بين الانسان وبيئة ولهذه الضخامة السكنية ، ضحايا كثيرين يعانون الصدمات ويشكون فقدان الاعتبار رغم توفر الشغل (وهو غير مضمون دائما) ورغم المسكن اللائق الذي يتوفر فيه الماء والكهرباء ورغم امتلاك المذياع والتلفاز . .
وللتغلب على هذه المفارقة الجغرافية ينبغى اذن اعادة " اقرار الانسان فى سكنه " ومساعدته على التأقلم مع الاشكال الجديدة للحياة المشتركه فى صلب المجتمعات المصنعة المتقدمة . وهكذا تبدو الثقافة ترياقا واقيا من التجريدات الخاصة بالعلوم النموذجية كالاقتصاد ، وعنصرا معدلا ، وتنظيما او عاملا تربويا من شأنه أن يعين البشر على سكنى فضائهم وعلى مزيد من التأقلم مع العلاقات الاجتماعية الجديدة .
كما يظهر تناقض ثان في كل مكان وخاصة فى أقطار العالم الثالث وفي مستوى العلاقات التى كانت فيما مضى خلايا اجتماعية حية حيث يجد الشاب الطمأنينة ويتلقى التربية ويحصل على توازنه النفسانى فى جو من الحنان والمحبة تضمنه العائلة دون سواها بفضل ذلك الاتصال البدنى والروحي القائم بين الابوين والطفل والذي لا يتوفر الا بحنان الامومة ورعاية الابوة ،
ذلك انه ليس ثمة دار حضانة ولا بلدية شعبية ولا عمل اجتماعي جماعى ولا قاعدة صحية وغذائية عصرية او علمية بامكانها تعويض الآباء والامهات . والحال ان هؤلاء يتناقص وعيهم لمسؤولياتهم اذ هم يحرصون على " الاستمتاع بحياتهم " ويتكلون على المجتمع او على الدولة الصانعة للمعجزات فى نظرهم كى تتكفل لاطفالهم بالتربية والتكوين ثم بايجاد الشغل ، ليس هذا فقط بل ان بعض الابناء لم يعودوا يجدون انفسهم فى آبائهم ، انهم يرفضون سلطتهم تحت مفعول محتوى بعض البرامج الثقافية التى تنضح سلبية وتلقن النقد الكلى لمعنى الوجود . ان الشاب اصبح فى حالات كثيرة يتأرجح بين فرويد FREUD وماركس MARX فى انتظار مزيد من تبسيط نظريات " مركوز " MARCUSE باحثا دون جدوى عن مرجع كي يحدد موقعه من الحياة ويظفر بمعنى لوجوده .
ان الكتاب العصريين الرائجة سوقهم والذين يحتكرون المكتبات المدرسية وكتبيات المدينة يتبارون فى توضيح اللاتبليغ أو اللاتصال بين الناس ، واللاوجود والعبث ، كذلك يسدد " بوريس فيان " BORIS VIAN " وارتو" ARTAUD " وبيكيت " BECKETT فى اروبا الغربية الطعنة القاضية للنزعة الانسانية . وكذلك - كما لاحظ بيار هنرى سيمون P . H . SIMON -بنى " سارتر " J . P . SARTRE مجده الاول على الاشمئزاز من الانسان الا انه والحق يقال قد ندم على ذلك - فيما يبدو - وأعلن ان الوجودية نزعة انسانية ، ولقد أكد " ميشال فوكو " M . FOUCAULT ان "كل البحوث التى تشكل العلوم الانسانية تتلف التصور الكلاسيكى للانسان ، اى النزعة الانسانية بوصفها مرجعا لانسان نمط من لحضارة ، ليس هذا فقط بل انها تنزع الى جعل فكرة الانسان ذاتها فى البحث والتفكير عديمة الفائدة ."
اولئك هم قادة التفكير او بالاحرى قادة الاعفاء من التفكير الذين يبحث عنهم ويعجب بهم الشباب فى العالم المتقدم وفى البلدان النامية التى تحاكيه لا فقط فى تقدمه العلمي والتكنولوجي بل كذلك فى نمط عيشه ونماذجه الاجتماعية ، أما البيئة الثالثة واجهزة الاتصال الجماهيري فانها لا تعمل دائما على ان يجد الشباب توازنه وعلى ادماجه داخل سلم من القيم واضح المعالم بل بالعكس .
ان الثقافة الاصيلة هي التى تسهم فى اعادة بناء العائلة لا على أساس أبوى سلطوى قمعى بل على اساس ترابط عضوى وعاطفى باعث على الثقة . يجب ان تساعد الثقافة الشباب على مقاومة كل الاتجاهات الانهيارية والانكارية المحقرة
التى تتهدده ، وعلى تمكينه من تجاوز قلقه الوجودى والتبرم من " قيود " يومه وغده ، ومن تجنب كل سلوك انتحارى . وفوق ذلك فان الثقافة الحق هي التى تنزع الى اذكاء الارادة الخلاقة لدى الشبان وهم براعم ممتلئة نسغا ، والى الابقاء على انفعالات سنى تفتحهم الاول وتزكيتها ، والى غرس التفوق الى العظمة فى نفوسهم والى شحذ روح الشرف فى ضمائرهم ، والى تمكينهم من الاكتمال عن طريق العمل والايثار والبذل .
والتناقض الثالث الذى يزيد من توضيح المشاكل التى تطرحها الحياة العصرية ويصور دوار العالم الحالى يمكن تلخيصه بهذه الصيغة التى التقطناها من تقرير صادر عن " معهد مساشوستش للتكنولوجيا " بطلب من " نادى روما " منذ حوالى عامين وهو بعنوان : نمو دليلي لفضاء منته (1) والمفهوم من هذا التناهى انه محدود ليس فقط فى مساحته بل ايضا فى موارده .
وفعلا اذا كان سكان العالم يزدادون بنسبة %2 فقط ، فان عددهم يتضاعف كل 35 سنة ، اما إذا كانت نسبة تزايدهم % 3 فان المضاعفة تقتضى اقل من 24 سنة وبذلك فانه يكون لنا سنة 2000 ، سبعة مليارات نسمة وفي 2030 فمن المحتمل ان يبلغ هذا العدد الخمسة عشر مليارا ، واذا كان النمو الديمغرافي لا يطرح مشاكل كبرى فى الاقطار الغنية اذ هو دون الضوابط المسلم بها اذ ان النمو الاقتصادى يتجاوزه حجما ، فانه يشكل مأساة حقيقية فى البلدان النامية .
ومما يزيد فى استفحال عدم التوازن هذا ان % 20 من البشر يستهلكون % 80 من الانتاج العالمي . ومن بين ال % 80 المحرومين يوجد % 30 يشكون نقصا فى التغذية منهم % 11 يموتون جوعا او يهلكون من فساد التغذية ، ان العالم كما لاحظ روبار مالى MAllET Robert مريض ، انه مصاب بالسمنة هنا لكثرة الثراء ، وهو هزيل هناك لشدة البؤس . انه هنا وهناك ولاسباب متعارضة يعاني امراض الاسراف او العوز التى تتهدد كامل توازنه الحيوى ولا فائدة من التأكيد بهذه المناسبة على تدهور القدرات الغذائية والموارد الطبيعية وعلى تفاقم التلوث بصفة عامة .
فى هذا المحال ايضا ، يمكن للثقافة الاصيلة ان توقظنا من غفلة القرون ، وان تخلصنا من تفاؤلنا الساذج ، وان تقطع ما بيننا وبين عادة الاهمال وترك الحبل على الغارب ، وان تجعلنا نعي ما يربطنا بالبشر اثريائهم وفقرائهم ، بيضهم وسودهم ، من تضامن رهيب ، اذ ينبغى تجاوز انانية البعض وتذمرات الاخرين . اننا جميعا مبحرون فى مركب واحد ، متماسكون فى السراء والضراء فينبغي اذن أن تغير العقليات وان نتخلص من أفكارنا الموروثه ومن آفاتنا الباطنية وان نفكر فى اقتسام الثروات بصورة عادلة ، ولا باسم الاحسان او الأريحية المتنازلة ، ولا حتى باسم الدين التاريخي المتخلد بذمة الاقطار المصنعة تجاه الاقطار النامية - لنتذكر فى هذا الصدد الابتزاز البشرى والاقتصادى الذى مارسته الاقطار الاستعمارية سابقا ، خلال قرون عديدة تجاه الاقطار المستعمرة - بل بمقتضى رؤية صحيحة لتطور العالم وبمقتضى ادراك واضح متميز لشروط السلام بين البشر ، بل أقول لشروط بقاء الجنس بقيد الحياة .
والى جانب هذه الثورة الثقافية التى ينبغى ان تتحقق فى مستوى البشرية بكاملها وخاصة فى مستوى المسؤولين الذين يرشدون المواطنين ويقودون التغيير ، فانه يجب على قادة العالم الثالث ان يسيروا في سياستهم الديمغرافية على هدى رؤية انسانية وأخلاقية الغايات والوسائل . أيجوز لهم الامتناع عن مصادمة الجماهير بتعلة احترام المعتقدات والمحضورات فى حين انهم مقتنعون بان بؤس شعوبهم يتفاقم حتما اذا هم لم يتحكموا فى تزايد النسل ؟ أما إذا ما آثروا قول الحقيقة لشعوبهم ، ففي نظام من القيم أى باسم أية ثقافة يدرجون التنظيم العائلي ؟
اتراهم يطبقون التنمية الاجتماعية بالمراسيم والاوامر المطلقة التى تصل حد الاكراه كما يبدو الحال في بعض بلدان آسيا ؟ ام انهم يختارون تربية الجماهير ببطء لكن بعمق بقصد رفع الجبرية عن التوالد ، ويفضلون نوعية الاباء والامهات بمسؤولياتهم تجاه أولادهم لا بوصفهم مجرد والدين بل مواطنين احرارا ، وتعليمهم متى وكم يستطيعون ان ينجبوا من اطفال وتحسيسهم بضرورة الوقاية الصحية والنفسية للأم والمحافظة على انسجام الزوجية وتوازن الاسرة ؟ فى الحالة الاولى يندمج التأثير فى التوالد ضمن مجموعة الاعمال الرامية الى اقرار نمو آلى يرمى الى اسعاد الانسان بدونه ورغما عنه وفى الحالة الثانية ، يتعلق الامر بتربية ديمغرافية مدمجة بوصفها بعدا أساسيا لتنمية الانسان الشاملة . وهكذا تبدو اهمية الثقافة .
وفي سياق مسألة الصحة العائلية التى أثرتها أطرح مشكل الطب نفسه الذي لا يمكن فى نظري أن ينفصل عن تصور شامل للحياة والمجتمع . فهل الطبيب في خدمة الشعب أم انه يبيع خدماته لمرضاه داخل نظام المزاحمة ؟ وهل المريض مادة سريرية غريبة ورابحة أم انه ينبغى ان يفهم ويعالج في كامل منزلته البشرية ؟ يجب ان تكون افكارنا مترابطة ومنسجمة بعضها مع بعض وهذا ايضا احدى نتائج نتائج الثقافة الحق : انه لا يمكن ان نتحدث بصدق وبدون انسياق مع اللفظية العقيم عن الاشتراكية والعدالة حين نتكلم عن مشاكل ايديولوجية ونمارس فى الان نفسه الانانية واستغلال الاخرين .
ان ايمان يوم الجمعة وايمان الايام الاخرى من عمل المنافقين وأمي الثقافة . هذا الخداع وهذا الفصام فى السلوك اللذان يعودان الى انعدام الثقافة الحق ، او هذه الصورة من الثقافة البالية المفرغة من محتواها ، تظهر كذلك فى سلوك بعض الرجال ازاء المرأة التى يعتبرونها شيئا من الاشياء ويستغلونها بدون وازع ، بينما هم يواصلون التشدق فى الصالونات بالمساواة والعدل ويتظاهرون فى بعض المناسبات بتقدمية ظرفية قد يكونون امنوا بها وهم طلبة شبان ، عندما اكتشفوا المشاكل الاجتماعية كما يكتشف المراهقون الحب لاول مرة ... ثم يطول السفر ويرتخى الوتر ... كما يقول المثل الشعبى .
وهناك ظاهرة اخرى يتميز بها عالمنا الحالى وهى تتطلب موقفا ثقافيا صاحيا وصحيحا ، أعني تقييم قدرات العلم باعتباره عامل تنمية للانسان ، لقد ساد الاعتقاد طوال عدة عقود أن التطور المدهش للعلم سيفسر كل شئ ، سيجيب عن تساؤلاتنا الخلقية والماورائية من دون استثناء ، سيحل مشاكلنا الاجتماعية والاقتصادية ويضمن تنمياتنا الشاملة .
لقد حكم اليوم عدد كبير من المفكرين ، واكثرهم من العلماء ، على العلموية Scientisme الساذحة ، فالعلم الجدير بهذه التسمية يزهو بتواضعه ! انه طريقة تقص للكائن كلما هو ، وهو لا يخترع الا ما يمكن اختراعه ، ولا يرفع البهائم الى مصاف الملائكة ولا الانسان الى منزلة الالوهة حسب عبارة روبير مالى .
ان الاكتشافات العلمية العجيبة قد ضاعفت بلا ريب وبصورة ضخمة قدرة وتأثير الانسان فى الكون ولكنها كشفت بصورة واضحة هشاشته الداخلية وفضحت حدود تحكمه فى نفسه . وفي هذا السياق فان انفجار أول قنبلة ذرية بهيروشيما فى أوت 1945 كان منعرجا حاسما فى تاريخ الانسان والعلم .
ويحسن فى هذا الصدد ان نذكر قوله انشتاين EINSTEIN الشهيرة عندما ادرك مدى الخطر الناتج عن استغلال اكتشافاته العلمية فى اتجاه قد يؤول بالبشرية الى الاضمحلال والهلاك :"انها مصيبة عظمى ان لم أكن نشأت لحاما " .
ولئن حصل فى القرن 19 وفي بداية القرن العشرين شبه اجماع على ان يتولى العلم تكوين الانسان ، معوضا فى ذلك العائلة والدين والاخلاق وان يقوم مقام الثقافة ، فهناك اليوم اتفاق على الاعتراف باستحالة هذه المهمة ولقد لاحظ " مالرو MALRAUX انه إذا كان التاريخ قد عرف فترة مجيدة بفضل "سبنسر" SPENCER "وماركس" MARX و "وتوينبـى" TOYNBEE فذلك لانه عوض القدر ، اذ ما كان لاى مؤرخ أن يؤثر في زمانه بما يكشف له من الماضي اذا لم يرسم ذلك الماضى المستقبل بصورة ما .
واذا كان علم الاحياء قد ورث هذه الشهرة " فذلك لان الانسان ينتظر منه ان يشرح مغامرة الجنس البشرى " وقد أصاب مالرو عندما لاحظ ان ازالة الغموض عن اصل الجنس البشرى تمس بالجذور الدينية للانسان . ان ما يذهب اليه ماركس وخلفاؤه انطلاقا من فلسفة التاريخ من ان الانسان آلة تحركها الهياكل الاقتصادية للمجتمع او ما يستخلصه " مونود " MONOD من البيولوجيا ليثبت ان ليس لوجود الانسان معنى وان ليس هناك الا الضرورة او الصدفة ، كل ذلك يرجع لا الى العلم بل الى ما وراء الطبيعة " الميتافزيقا " او الى ما وراء العلم Metascience .
ان العلم رغم شدة الحاجة اليه فى تقدم الانسان وتنميته لا يمكن له - وهو لا يدعى آخر الامر ذلك - ان يعطيه عن العالم تفسيرا شاملا غير قابل للطعن . وفق هذا فان العلم يحتاج الى الاندماج فى صلب ثقافة تكون فى مستوى الانسان لصيانة الحضارة الانسانية ودرء الاخطار عن الجنس البشرى .
لقد افدت الصحف منذ اشهر قليلة ان الدكتور " كورانا " KHORANA الذي احرز جائزة نوبل سنة 1968 تتويجا لاعماله فى فك رموز الوراثيات ، قد تمكن فى مخبره من صنع حلقة حياتية ادمجها فى بكتيريا أو عزلها بافراز حمض " التيروزين " وهذه الطريقة تمكن من معالجة عنصر الوراثة بتنويع عدد وتركيبات الماهيات الاربع التى تتكون منها رموز الوراثيات Code genetique
وبتحوير الرصيد الوراثى لنبتة ما يمكن تلقينها تثبيت الازوت ، وبذلك يتحقق توفير فى الاسمدة الاصطناعية ، كما يمكن بذلك تلقين خلايا المصابين بالسكر افراز مادة الانسولين . ولكن ماذا يحدث لو أن معاملة فاشلة افرزت أصلا ممرضا وتسببت فى جائحة رهيبة ؟ ومن ذا الذى يضمن ان هذه الاكتشافات البيولوجية لا يستعملها احد المشعوذين لبعث بعض الامساخ وللنيل من اعمق اعماق ذاتيتنا ؟ ان " الالفا " Alfa و "القاما " Gamma و" الابسلون " Epsilone التى يتحدث عنها هكسلى Huxley لا ترجع ، كما هو ملاحظ ، الى العلم التصوري . ان اينشتاين Einstein واوبنهيمر Oppenheimer وزملاءهما لم يتصوروا ابدا " هيروشيما " و " نقازاكى" حين كانوا يكتشفون الذرة . هنا ايضا يحتاج الانسان الى قيم خلقية للتحكم في نفسه بعد ان تحكم فى الطبيعة .
وهناك مشكل اخر يطرح نفسه على ضمائر البشر تبعا للتقدم الحاصل فى الدراسات الخاصة بالاشتغال الآلى AUTOMATION ان الامر لا يتعلق بتكنولوجيا تصورية بل بواقع ملموس يتمثل فى ظهور مجتمع يعتمد على العمل القائم على الانسان الالي ، او الاشتراكية الاليقراطية ROBOCRATIE SOCIALE كما يسميها " لوى باولس" LOUIS POWELS واذا انعدمت الحواجز الاساسية من الناحية التقنية لاقامة معامل آلية تماما بفضل عدسة اللازر CEIL LASER والذاكرة الالكترونية والدماغ الصناعي كما تؤكده الدراسات التى نشرها " جيمس البوس " JAMES ALBUS المهندس بوكالة التجارب الفضائية الامريكية و" جون ايفانس" JOHN EVANS المختص فى الصناعة الآلية INDUSTRIE ROBOTISEL كيف يمكن حل كل المشاكل المطروحة فى مجالات الاقتصاد والسياسة والاخلاق ؟ من المستفيد من مردود عمل الانسان الالي ومن يمتلك ويراقب القوة الاقتصادية وبالتالى السياسية التى يمثلها هذا الانسان الالي ؟ كيف سيتصرف الحكام والايديولوجيون ، والنقابات فى الوقت الذى يعاد فيه النظر فى اخلاق الشغل وفي الوقت الذى لم يعد يمكن فيه تحقيق حرية العامل عن طريق تحسين الاجور وأنسنة المصانع وحتى بواسطة نظام قائم على التصرف الذاتى ضمن نمو مخفض وفق ما اقترحه " قارودى " GARAUDY بل بتنمية تكنولوجية فوق المطلوب Sur developpement technologique تجعل من الانسان مواطنا بالمعنى الذي كانت تقترن فيه الكلمة بالمنزلة فى روما القديمة ( باولس )
نلاحظ انه اذا كانت الانسانية على ابواب ثورة صناعية تنجر عنها تحولات اجتماعية واقتصادية وحتى سياسية عميقة ، فانه يتعين على الثقافة ان تعين مواقع كل هذه التحولات المنتظرة داخل نظام قيم متماسك وان تجنب الانسان الصدمات والمفارقات التى عاناها نتيجة للثورة الصناعية فى القرن التاسع عشر .
ولعله من المفيد ان نذكر فى هذا الصدد بتلك الحيرة التى عبر عنها " مالرو " فى كتابه الاخير الذى ظهر منذ ايام بعنوان " الانسان العابر والادب " (1) حيث تساءل : هل يا ترى تكون مجتمعاتنا الصناعية قادرة على افراز حكمة جديدة ؟
لقد حاولنا خلال هذا التحليل ان نبين ان التقدم الذى يحققه أو يظن الانسان انه يحققه في الميادين الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية لا يمكن ان يضمن بمفرده تنمية الانسان الشاملة ولا الامن والهناء والسعادة بل بالعكس فكلما سيطر الانسان على العالم الخارجى وأنجز براعات تقنية ومآثر تكنولوجية ، تبين بصورة أجلى جهله لذاته ، وخفة موازينه الاجتماعية وتناقضاته الوجودية وحاجاته الحيوية الى الاخلاق أى الى ثقافة تصلح بينه وبين نفسه وتعطى حياته مدلولا .
ولكن بأية ثقافة يتعلق الامر ؟ بتلك التى تبقى بعد ان نكون قد نسينا كل شىء حسب التعريف الكلاسيكى المنسوب الى رجل السياسة الفرنسى المعروف ادوار هريو E . HERRIOT أم تلك التى تبقى اذا لم نتعلم أى شىء حسبما يقوله الفكاهيون ؟ أم " بوعى الانسان وعيا متطورا ابدا ، بذاته وبالكون الذي يعيش ويعمل ويكافح فيه " حسب سارتر ؟ أم " بما يجعل الانسان على ما يبدو ، شيئا آخر غير كونه حادثا كونيا " كما يقول مالرو ؟ أم انها ليست سوى تراث حضارى موروث عن الاجيال وعن حكمة وفن حياتيين ؟ أم هى الاخذ من كل شىء بطرف كما يقول الجاحظ ؟
كل هذه التعريفات المعروفة تعبر عن جزء من الحقيقة ولكنها كلها تؤكد على الجانب القار من الثقافة التى ليست فى نظرى مجرد انعكاس لواقع كائن او
الجزء من شريط التاريخ ، انها اولا وبالذات عقلية وتفرغ نفسانى وذهنى ، يـهىء ويدفع الى العمل قصد تغيير الواقع او الظاهرة او قصد تغيير العالم كما يقال اليوم .
ان الثقافة تتضمن نفاذا استبطانيا يمكن الانسان من التعرف الى نفسه وادراك كنه ذاته ومن التوصل الى استجلاء الانا الداخلى وتفهم طرائقه السلوكية . انها تفترض قوة روحية تكتسب بلا انقطاع ، مهذبة ومنشطة بواسطة مجهود ضاغط على الذات وبواسطة تصرف غايته تأبيد اللجاج السقراطى harcelement socratique المسلط على الضمير ، ومطابقة سلوك الانسان وتبريره وفقا لوصايا ذلك الضمير .
الثقافة تتضمن فكرة عن المستقبل وتصورا لحياة البشر فى الغد ، فهى تسمح بتسطير برنامج يقدم فيه الفكر غايات انسانية تهيأ بمشاركة الجميع وتقبلها المجموعة . ان هذا الفعل المسلط على الواقع الاجتماعى او الاقتصادى أو الانسانى لا يمكن أن يكون نهائيا لاجتناب الروتينية والتحجر العقائدى والخمول الايديولوجى وتقهقر الانسان . قال بريشت BRECHT انه يجب تغيير العالم ثم تغيير هذا العالم المغير .
كل هذا حسن ولكن لتغيير العالم يجب تغيير البشر ، لا الهياكل الاجتماعية والاقتصادية فقط ، ومن هنا جاء الدور الاول للثقافة التى تعبر بذلك عن المجهود الضرورى المتواصل الذى يبذله الانسان ليتغير وليتطور وليغير الحياة .
فالثقافة اذن ان هى الا حالة عقلية ونفاذ استبطانى وتاريخي ومشروع مستقبل وتصرف : وهي ايضا عمل واختيار حر ، فالمستحيل يصبح ممكنا بالارادة وبالالتزام البشر الاحرار الكرام الذين يسبقون معتقداتهم ومبادئهم على مطامحهم ورغائبهم .
هذا التطبيق العملى PRAXIS الذي نوه به ماركس والذي يقترن باسمه في كتب الفلسفة المعاصرة التى تؤثر فى عدد من شبابنا لقنه النبى محمد صلوات الله عليه للمسلمين قبل ظهور " نظريات فيورباخ ) 1 ( " بأكثر من 12 قرنا اذ جاء فى القرآن الكريم : وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " . ان الدور الاولى الذى يتعين على الانسان ان يقوم به لتغيير منزلته ، وتغيير هذا الكون بعيدا عن كل جبرية معقدة قد ذكرت به الآية " ان الله لا يغير ما بقوم
حتى بغيروا ما بانفسهم " . فلا مستحيل بالنسبة الى الانسان المثقف الذي له قوة الامل وحزم الارادة او الذى يتعلم كيف يتخلص مما ليس فيه وليس منه الا بصورة عرضية ، والذي يبذل الجهد الضرورى ليعيش لا كفرد ، كصفر اجتماعي ، كنسخة مطابقة للاصل ، بل كشخص ، كشخصية .
وهكذا فان الثقافة ليست هى ما يدفع الانسان الى الرسوب في اضغاث احلامه بل الثقافة هي ما يمكنه من ان يسترسل الى حلم تلتقى فيه الواقعية بحقيقة الامور فى تجاوز وبعد نظر يضفيان على الاشياء من الاشراق ما ينسقها ويكسبها كل مفهومها ومعناها .
تلك هي الثورة الاصيلة والنزعة الانسانية الحق . ان الموضوعية طريقة تقص مفيدة ، والوضعية - بقدر حصرها للعقل فى مستوى المعطي - تسمح بالاحاطة بالواقع ويفهم كيفية الاشياء ولكننا نوشك ان نبتر الانسان اذا نحن قصرناه على ذلك ، اذا تجاهلنا بعده الملائكى اذا لم نفهمه كما حدده الجرجاني فى " التعريفات " بانه " الجامع لجميع العوالم الالهية والكونية الكلية والجزئية " واذا لم نتصوره كاملا على نحو ما جاء فى القرآن " " لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم " ، اى اذا اهملنا الثقافة التى تعطى مدلولا لحياة الانسان وتنشطها .
وهكذا نرى ضخامة وخطورة خطأ بعض المسؤولين فى بلدان العالم الثالث خاصة وبعض اخصائى التنمية الذين يطففون من شأن دور الثقافة في تنمية الانسان ويستشهدون بمقولة " فرلين " لتطبيقها على الثقافة ويؤكدون على الاستثمارات الاقتصادية والتقدم المادى فقط ، فليفكروا مليا فى حالة الناس - والشبان خاصة - الذين يصرخون بانهم لم يعودوا " يشعرون بكينونتهم " فى اقطار ضربت كل الارقام القياسية فى النمو الاقتصادى وبلغت شأنا كبيرا فى التخصص والاحتكار وتوحيد الانماط البشرية ، لم يعودوا يعرفون كيف يستعملون ثرواتهم وهم يعيشون على " سطح انفسهم " - كما يقول برنانوس BERNANOS ويتخبطون فى وضعية ضيقة وجودية ويعانون قلقا يعترف بهما ويحللهما مفكروهم أنفسهم ولعل الكاتب اندرى بياتر ANDRE PIETTRE لخص هذه الحالة عندما قال فى جريدة " لو فيقارو " اليمينية (1) بالخصوص ما يلى :
ما ان وضعت الحرب العالمية الاولى اوزارها حتى اصبح تدهور الدول الغربية - فى نظر اوزوالد سبنقلر Oswald SPENGLER وبول فاليرى P.VALERY على ما يفصل هاتين الشخصيتين من فوارق - واقعا لا رجعة فيه
ويقول فاليرى : " ان هذا التدهور غير ناتج عن الفوضى الداخلية وحسب بل كذلك عن الانتصارات التى فزنا بها بالخارج اذ ان انتشار علومنا وتقنياتنا بما تكتسيه من صبغة عالمية شاملة ترجعنا الى حدود ابعادنا المتواضعة "
ويضيف فاليرى : " ان العالم يتطور بصفة ستجعل حجم الموارد المادية والمعطيات الاحصائية تكف دون سواها تجزئة العالم الى مناطق مختلفة .
والسبب في ذلك اننا عملنا فى غباء على ان تصبح القوى مناسبة للكتل ( 1 )
ومما تجدر ملاحظته أن وطأة هذه الكتل قد زادتها شدة ثورتان لم يتوقع سبنقلر SPENGLER وفاليرى VALERY لهما حدوثا : الثورة الاشتراكية التى تشمل اليوم ربع البسيطة وتحرر العالم الثالث .
وبين هاتين الكتلتين ترى العالم الغربي بما فيه أمريكا الشمالية يتقلص شيئا فشيئا .
ولا غرابة فى الامر اذا لم يغب عنا ان العالم الثالث الذي لم يكن يشمل سنة 1960 الا ثلثي العالم أصبح يضم سنة 1975 ثلاثة أرباعه وسيمتد الى اربعة اخماسه قبل نهاية هذا القرن .
ورغما عن ذلك فان الغرب ما زال يحتل الصدارة والغريب فى امره انه متعرض في نظامه الى توجيهات عنيفة يشنها ضده من لا يتردد بعد ذلك فى التماس مساعدته ملحاحا .
ان الثورة الاشتراكية بالمذهبين المنشقين عنها والقائمين بيوغسلافيا والصين وكذلك تحرر العالم الثالث لم يكونا الى حد الآن فى مستوى الخير الذي توسم
فيهما ، وذلك لانهما لم يفوزا بنمط من التقدم الاقتصادى ، يوفق بين المدينة والريف والصناعة والفلاحة .
الا ان الغرب لا يستطيع ان يحافظ على مكانته هذه الا اذا استطاع تجنب ما يعرف فى التاريخ بثالوث الانحطاط المتمثل فى الخلافات الباطنة بما ينجر عنها من تطاحن للطبقات والانخرام المالى بما يترتب عنه من تضخم ووهن الاسرة بما يتبعه من تضاؤل فى النسل . ثم يتساءل الكاتب فى حيرة ، وهذا الذى يهم موضوعنا بالذات :
" فهل سيتوصل الغرب الى اضفاء معنى سام على حضارته التقدمية وهل سيوفق الى الخروج بثقافته من شكوكها وبضميره من مشاغله وبرفاهيته من السآمة التى تهددها ؟ "
ولعلى لا أبالغ اذا قلت ان بعض الاوساط فى هذه البلدان بلغت بشهادة أهل الرأى فيها نقطة القطيعة التى عرفها " تاسيت " TACITE شاعر روما قديما ، بقوله انها النقطة التى " يصبح فيها الجسم الاجتماعى لا يتحمل داءه ولا دواءه !... "
وهذا ما يدعونا إلى مزيد التأمل فى واقعنا والحذر من التقليد الاعمى والسعى الى وقاية حضارتنا من عناصر التداعي وعوامل الانهيار حتى نؤدى رسالتنا فى الكون ونربط مستقبلنا بماضينا المجيد.
ذلك ان الثقافة التى حللنا مقوماتها تحليلا عاما هى أيضا شعور بالذات واحياء لروح الامة وتركيز للهوية القومية والتعرف على تراث الشعب وتدعيم للقيم العربية الاسلامية بالخالدة التى عرفها وطننا العربي قبل الانحطاط والاستعمار والاغتراب الحضارى الذى زيف تاريخنا وشوه مدنيتنا ومسخ ذاتيتنا بان ابتلانا بضرب من التعطيل والعقم وغرس فى نفوسنا شعورا بالحقارة تجاه مقومات ذاتيتنا فتنكرنا للغتنا حتى أصابتنا العجمة وابتعدنا عن تراثنا حتى خيل لمرضى النفوس منا باننا أمة ليس لها ماض تعتز به ولا روح تميزها عن غيرها من الامم فى حين أن الثقافة فى مفهومها الاسمى هى جماع ما انتجته عبقرية الامة مدى الاجيال وصهرته فى مسيرتها ليكون قوام شخصيتها والمعبر الصادق عن تطلعاتها وامانيها والدعامة الحق لوحدة أبنائها .
فالثقافة ينبغي ان تنبثق من واقع الامة والا اصبحت لقيطا هجينا لا يمثل شيئا . وحذار من النظريات الطاغية التى تجلدنا بها بعض الدول العظيمة جلدا
متشدقة بعالمية الثقافة ، اذ لكل أمة عبقريتها ولكل ثقافة مميزاتها فلا فضل لثقافة على اخرى الا بما تعلي به من شأن الانسان وتضيفه الى الحضارة البشرية . وليس معنى ذلك اننا من دعاة الانغلاق والانكماش على أنفسنا بل اننا ندعو الى التفتح الواعي والواسع على الثقافات الانسانية المختلفة شرقية كانت أم غريبة ، وذلك لتحقيق وعي سليم متجدد بالتاريخ ومواكبة التطور السريع الذي تشهده الحضارة الانسانية حتى نسهم بدورنا الطبيعى - نحن العرب المسلمين - فى بناء انسانية افضل واجمل .
ولكن تطلعنا وطموحنا الى مواكبة العصر لن يكونا الا بالانطلاق من واقعنا وبالمحافظة على مميزات عبقريتنا - وان كل تعاون ثقافى ينبغى أن يطهر من رجس الكبرياء ، ان التعاون الحق يقتضى الحوار الدائم بين الثقافات وذلك يعني تنوع هذه الثقافات وتعدد وجوه طرافتها وان ثقافتنا العربية الاسلامية لها مميزاتها وطرافتها وعبقريتها التى ينبغى أن تكون منطلقا لكل تطلعاتها فى النمو والتجدد . وانه لخير لك مثلما قال الان AlAIN ان تشرب فى كف يدك من ان تشرب فى كاس مستعارة " .
ولكن هذه الثقافة الاصيلة كما جاء فى محاولة تعريفنا لها ، تفترض قيام تريبة قومية ملائمة مرتبطة بالواقع ومرتكزة على سلم قيم دينية واخلاقية وجمالية واجتماعية واقتصادية ، تعترف بها وتقبلها المجموعة . . . ان التربية والثقافة عمل يتجه الى العمق اكثر مما يتجه الى المساحة ، ويتيعن عليهما ان تسبقا وتقودا كل تنمية فعلية وشاملة للانسان . حينئذ كيف نختار ونهىء نظاما تربويا ملائما يتولى تكوين الاجيال الصاعدة ويساعدهم على ان يتصوروا وان ينجزوا وان يتقلدوا - وفق عبقرياتهم القومية - مشروع حضارة في مستوى مثلهم ومقتضيات سنة 2000 ، مشروعا يقي من وهن العزائم المذيب ويجتث جذور العدمية والعبث ويسمح بالامل .
ذلك هو المشكل الكبير الذي يطرح نفسه لا على الحكام واخصائى البيداغوجيا فقط بل على المجموعة باسرها ، ليس فى العالم العربى والدول النامية فحسب ، بل وفي كافة اقطار العالم .
وقبل حل هذا المشكل ، بل لنقوى على حل هذا المشكل ، بخلق الظروف الملائمة لتنمية الانسان تنمية اصيلة ، عصرية ، متكاملة ، ينبغى ان نعترف بان الاستثمار الثقافي هو أكثر الاستثمارات مردودا اذ لا يوجد منجم طبيعي أخصب ولا ابقى من الفكر ولا رهان ألصق بالحلم والواقع معا من الرهان على الانسان ، خليفة الله فى الارض .
( سبتمبر 1976 )
