تهدف سياسة التخطيط الاشتراكى اساسا الى الزيادة فى الانتاج مع العدالة فى التوزيع ، وهي تتطلب :
اولا : ثورة فكرية ، لتمكن قيما اجتماعية جديدة من الاستقرار والرسوخ فى النفوس والعقول .
ثانيا : غرس الوعى بمجموعة من الحقوق تعادلها واجبات ، حتى تاتي خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية ثمارها كاملة على أساس الاقناع لا القهر ، والانسجام لا التناحر .
ذلك ان التقدم والرقي والازدهار والاستقرار الحي ، كل ذلك يستلزم تحولا فكريا عميقا وشاملا ، وتفتحا واسعا لاستقبال الجديد ، على أساس عمل مشترك ، وعلى أساس علاقات اجتماعية متينة قوامها عدم استغلال الانسان لأخيه الانسان ، وتحقيق العدالة والمساواة حتى " نتقى شر الانتفاضات " كما ذكر ذلك المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورفيبه فى احدى خطبة التوجيهية .
قيم جديدة وعلاقات اجتماعية سليمة :
ان الاشتراكية الانسانية الاصلاحية تقتضى تغيير النظرة الى المجتمع الجديد المراد بناؤه على أساس مجموعة من القيم . من ذلك يجب أن تصبح قيمة الانسان بقدر عمله ، ويصبح التفوق فى العمل والابتكار هو المثل الذي يلهم المواطنين ، بدلا من قيم الحصول على الثروة من أى طريق ، كما هو الحال فى الرأسمالية الشجعة وينبغى ان يكون الاهتمام بالفرد من خلال الاهتمام بالمجموعة ، وليس العكس ، ان يقع الاهتمام بالفرد أو بأقلية من الافراد ويقع هدر المجموعة ، كما هو الحال فى الرأسمالية المستغلة ..
والاهتمام بالمجموعة فى الاشتراكية السليمة لا يلغي الافراد والتفاوت والتنافس ، فسيظل هناك التفاوت والتنافس بين الافراد والمؤسسات ، ولكنه التنافس الذي يدفع بكل الملكات والكفاءات الى الامام وعلى اختلاف درجاتها ، وليس التنافس الذي يؤدى الى القضاء على الاخرين ، كما هو الحال فى التنافس الرأسمالى الاحتكارى ...
وما دام العمل هو أساس تقييم الانسان ، فان نظرة المجتمع لكل من يؤدى عملا مفيدا هى نظرة المساواة .
ولهذا ينظر النظام الاشتراكى الى المراة نظرة المساواة لانها تؤدى دورا فى المجتمع لا يقل عن دور الرجل ، فأصبحت المرأة بالتالي مستحقة لنفس الحقوق والاجر .
وعلى نفس الاساس لا يفرق المجتمع الاشتراكى فى نظرته الى العاملين على اساس القومية أو الدين أو اللون ، ولذا فان العلاقات الاجتماعية والعلاقات الدولية أيضا ، يجب أن يحكمها هذا الفهم وهذه القيم فيما يخص التضامن الاجتماعى وكذلك التعاون الدولى بدون استغلال وعلى أساس المصالح المشتركة والمتكاملة والمتبادلة .
تغيير الواقع وتكافؤ الفرص :
واذا كانت هذه بعض القيم الاشتراكية فلنا ان نتساءل الى أى مدى أصبحت هذه القيم جزءا لا يتجزأ من حياة مجتمعنا ؟
ما من شك في أن الصراحة والامانة تفرضان علينا أن نقول : انه ما زال أمامنا الكثير مما ينبغى علينا القيام به حتى تصبح هذه القيم مغروسة فى تصرفات كل فرد منا ، وان عملنا لنشر هذه القيم الجديدة يجب أن يتخذ اتجاهين متكاملين ولهما نفس الاهمية .
يعتمد الطريق الاول على الاستفادة الواعية من التغييرات الاقتصادية والاجتماعية ، فبقدر ما يشعر المواطنون فى حياتهم العادية واليومية بان الاوضاع الواقعية فى المجتمع قد تغيرت من حولهم ، يعمدون الى تطوير قيمهم وسلوكهم ليتناسب مع الوضع الجديد .
اننا نريد أن نؤكد لدى المواطنين مثلا قيم احترام العمل ، فلن يتحقق ذلك الا اذا وجدوا ان العمل اصبح بالفعل أساس التقييم ، وانه ليس هناك أساس اخر ، مثل الثروة أو الجاه ، التى ظلت تعمل في الماضي ، وعلينا أن نعيد لقيمة العمل مكانتها الصحيحة .
سوف يزداد تقدير الناس للعمل ، عندما يتأكدون انه فعلا حق لكل قادر عليه ، وعلى أن المناصب والمسؤوليات ليست حكرا لاحد على أساس فضل يتوهمه أو يوهم به الآخرين ...
الطريق الثاني هو ان يعمل النظام السياسى والتشريعى والاقتصادى بالفعل على توفير الفرص المتكافئة لكل مواطن ، واذ يعاقب كل من يخرق هذا النظام أو يخرج عليه ، فان قيمة العمل قد ترسخ فى أعماق النفوس .
ولنا فى اصلاح الجباية مثلا على أساس العدالة فى الاعباء في هذا الميدان أحسن عامل من شأنه ان يحفز الهمم ويبعث على احترام النظام وكل ما يسنه ويقرره من اجراءات من أجل توفير الانتاج وتحقيق الازدهار .
حماية المؤسسات العمومية :
ومن القيم الجديدة أيضا حماية المؤسسات العمومية ، ذلك ان هذه المؤسسات أصبحت تسيطر بالفعل على جانب كبير من حياتنا الاقتصادية والاجتماعية . فاننا نعيش فى ظل اقتصاد مختلط توجد فيه المؤسسات الخاصة الى جانب المؤسسات العمومية . وهناك عملية مستمرة فى اذهان المواطنين بين النوعين من المؤسسات من حيث النجاح والفشل . وفي نجاح المؤسسات العمومية شرط من نجاح الاشتراكية .
وبما ان النظرة الى المؤسسات العمومية كثيرا ما تقترن فى الاذهان بالاهمال وسوء التصرف ، فان هذه النظرة يجب أن تتغير على الاسس التالية :
أولها : إن المؤسسة العمومية هي أداة فى يد السياسة العامة تسير وفقا لتوجيه الانتاج وتوفيره وتحقيق العدالة ، وانها لا تهتم بالربح وحده ، ولكنها تهتم ايضا بتقديم سلعة معينة أو خدمة معينة على أحسن وجه وبأحسن ثمن ممكن للمستهلك وللمنتفع بها .
ثانيها : أن المؤسسة العمومية تابعة للدولة ولكنها ، مستقلة عنها ، يجب أن توفق بين التبعية للدولة والخضوع لرقابتها وبين حرية التصرف السليم الناجح .
ثالثا : واخيرا وليس آخرا ان المؤسسة العمومية لكى تكون ناجحة ومشعة وخادمة للمبادئ الاشتراكية حتى تغرس فى النفوس ينبغى تشديد الرقابة عليها وكشف حساباتها أمام الرأي لكى يعرف المواطنون أساس تعثرها او فشلها حتى لا ينفر الناس منها .
الانتاج والاستهلاك والادخار :
ان واجب الفرد المنتج ، فى ظل المجتمع الاشتراكى هو أن يعمل بهمة مشتحوذة حتى يتضاعف انتاجه ، والى جانب ذلك أن الفرد حين يعمل يجب أن يستقر فى ذهنه انه يعمل من أجل المجموعة كما يعمل من أجل نفسه ، ومن ناحية اخرى يجب أن ينصرف جهد الفرد الى الانتاج المنتج ان صح التعبير، وذلك يعنى أن يهدف الفرد الى الانتاج الخالق لانتاج جديد وليس فقط الى الانتاج الذى يقدم سلعة تستهلك فورا وانما ايضا الى ما يضاعف قدرته الانتاجية ويدعمها .
وعلى الفرد المنتج أن يراعي التعاون مع غيره فى الانتاج على أساس التنسيق والتكامل ، كما عليه أن يعد انتاجه لمن سيتناوله من بعده سواء فى المكان أو فى الزمان أى فى ما يخص الاجيال المقبلة
وتبعا لهذه العقلية الانتاجية ينبغى عدم الافراط فى الاستهلاك والاكتفاء بما هو ضرورى وترك الكماليات ، ومن باب أحرى تلافى التخمة المضرة للجسم والاقتصاد على حد السواء .
والغاية من عدم الافراط في الاستهلاك هو الادخار . والادخار له فوائد شخصية وفوائد قومية . فالمواطن يدخر لتحمل اعباء المستقبل الاستثنائية، التى لا يعرف مقدارها ولا موعدها . ورب قائل : ان المجتمع الاشتراكى يكفل هذه الاعباء بما يقدمه للفرد من خدمات اجتماعية مختلفة ، ولكن على الفرد أن يعاون نفسه قبل ان يلجأ الى المجموعة . والمواطن يدخر أيضا من أجل المصلحة القومية اذ انه يوفر للدولة الاستثمارات اللازمة للمشاريع التنموية الجديدة من أجل مواصلة مسيرة الازدهار والتقدم باطراد .
قادة الفكر والتوعية والاعلام :
ان الانقياد للمخطط وتحقيق التنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي التى يرمي اليها ، والوسائل والطرق التى يقتضى توخيها ، لا تستقر فى الاذهان
ولا تغير فى السلوك ، ان لم يترب المواطن على القيم الاشتراكية ، ويكون ذلك لا عن طريق العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والتشريعات فقط بل أيضا من خلال الاجهزة المختلفة التربوية والاعلامية .
وهنا يأتي دور قادة الفكر الذين يوضحون الرؤية وينشرون القيم التى يراد لها أن ترسخ فى النفوس وتتعمق فى الاذهان .
ان بعض من يتولون قيادة الفكر اليوم ، لا يرتبطون حتما بالرأسمالية على اساس مصلحة ، ولكنهم ارتبطوا بها فى نفوسهم وعقولهم وتأثروا بأفكارها خلال الدراسة وخلال قراءاتهم واطلاعهم طوال سنوات ، بحيث لم يكن سهلا عليهم أن يغيروا مواقفهم . ومع ذلك فلابد من السعى الدائب لتغيير نظرتهم والعمل المستمر من أجل كسبهم الى صفوف الاشتراكية .
إننا فى حاجة دائما الى تشجيع المفكرين والفنانين من الاجيال المرتبطة بالاشتراكية حتى تجد اعمالهم وأسماءهم طريقا الى البروز والى المساهمة مساهمة فعالة فى بناء الاشتراكية .
وعلينا أن نضع كل الامكانيات فى خدمة الفكر الاشتراكى وننشر القيم الاشتراكية على أوسع نطاق من تربية وتعليم ووسائل اعلام بمختلف انواعها .
كما علينا أن نجند في سبيل ذلك كل المربين : الام فى البيت ، والمعلم فى المدرسة ، والاستاذ في المعهد والجامعة ، والواعظ فى المسجد ، وصاحب الرأى فى مجتمعه من المعارف والاصدقاء ، والعامل فى المصنع ، والمزارع في الحقل ، والاطار فى المؤسسة .
ولكن دور هؤلاء جميعا ، مهما تكن اهمية أعمالهم ومهما تكن كفاءتهم ، يتطلب توجيهات وتنسيقات وتنظيمات ومراقبة ، وهي أعباء لا يقدر عليها غير التنظيم السياسي القائد المتشبع بالمبادئ الاشتراكية ، القدوة لغيره فى أقواله وأعماله ، وترسيخ قيمها .
وهذا ما تعلمناه فى المدرسة الحزبية نتيجة للروح والفكر البورفيبي .

