هذه هى المرة الثانية (1) التى اجتمع فيها هذه السنة بعدد من الأساتذة المختصين فى الفلسفة وبالمتفقدين المسؤولين عن تدريسها وذلك للنظر فى موضوع هذه المادة ودورها في تكوين الشخصية الفردية والجماعية . ولكن هذا الاجتماع يتميز بانضمام المتعلمين الى المعلمين . وهى بادرة طيبة لانها تمكننا من فرصة الاتصال بمن لا يزالون فى طور التكوين وطلب العلم . هذا ولست أخاطبكم اليوم بوصفى عميدا للفلسفة - كما قال الزميل محمد حرز الله المسؤول عن تنظيم هذا الملتقى - اذ ليس للفلسفة عميد ، ولا بوصفى وزيرا اذ ليس من المفروض ان يكون الوزير مختصا فى الفلسفة وانما اخاطبكم بوصفى أستاذا قديما فى الفلسفة تعلمتها وعلمتها ولا تزال تربطنى بها (( عشرة )) متينة تتمثل فى المطالعة والتأمل والاعتبار .
يجب قبل كل شئ ان نحصر الموضوع لتشعبه وامتداد اطرافه وقد أبى السيد محمد حرز الله الا أن يجعل من محاضرتى درسا والدرس مقيد بوقت لا يتجاوز حدود الساعة وهذا ما سأحاول المحافظة عليه متوخيا سبيل البيان والايجاز ما استطعت .
ومما أريد تأكيده بادئ ذى بدء اننا حريصون على ابقاء تدريس الفلسفة بالسنة السابعة ودعمها ايمانا منا بأنها تساهم مساهمة فعالة فى تكوين شخصية الشاب .
ان الفلسفة ليست مجرد استعراض نظريات أو حذقا في التفكير او تحذلقا فى التعبير انما الفلسفة قبل كل شئ سبيل الى تكوين شخصية الطالب الشاب لانها تعلمه كيف يفكر وكيف يضع أفكاره وما يسمعه وما يراه موضع الشك ثم اليقين .
قلت فى المحاضرة الاولى التى القيتها بنزل الماجستيك بتونس * ان كل درس فى الفلسفة اذا ما ألقى بموضوعية وأمانة اعنى بدون ايحاء متعمد أو متكلف يجعل التلاميذ يخرجون منه أكثر حرية اعنى أنهم يخرجون وشخصيتهم أوفر غنى وثروة واكثر اتساعا وشمولا أى انهم يغنمون مزيدا من القدرة على تقييم انفسهم وتحديد موقفهم من الحياة والمعتقدات الموروثة والمسموعات والمرئيات ويستعدون أكثر من ذى قبل لهضم الجديد وكذلك لايجاد علاقة منطقية بين كل ما يرد عليهم وبين ما ينبع من تفكيرهم .
ولذلك فليس المطلوب من الفلسفة اثراء الشباب بنظرية معينة وان سعى - قديما وحديثا - فيلسوف الى اقناع مريديه او قارئه بانه وفق الى ايجاد المذهب الذى من شأنه ان يجيب على كل الاسئلة ويزيل الحيرة التى سيطرت على العقول طويلا .
ان أول عمل يبدأ به الفيلسوف هو تهديم النظريات السائدة ثم يبنى على انقاضها او هو يحاول على الاقل بناء نظرية جديدة يعتبرها الى الحق أقرب وبالواقع ألصق واقدر على ازالة حيرة البشر . ولكن ما ان ينتهى من وضع فلسفته وتدوينها فى الكتب حتى يأتى فلاسفة آخرون فيعاملونه بما عامل به سابقيه . حتى ان بعض المفكرين اعتبروا ان الفلسفة فتنة وانها مجلبة للحيرة والقلق وان احسن دواء من داء الفلسفة يتمثل فى الايمان ولو كان ايمانا (( كايمان العجائز )) وكثيرا ما سخر الناس من الفلسفة وقال بعضهم ان (( كاف )) الكفر أحب اليه من (( فاء )) الفلسفة .
ولسائل ان يسأل لماذا اذن نتمسك بالفلسفة ونقرر في برامجنا سبع ساعات اسبوعية لتدريسها ؟ والجواب هو اننا نفعل ذلك لاننا نعتقد أن الفلسفة رغم مشاكلها وتهافت نظرياتها وتناقض مذاهبها هى تمرين متواصل يروض الفكر ويصقل ملكة التحليل ويوسع الثقافة ويكون بالتابع الشخصية الفردية والجماعية .
قد يخطر ببال بعضهم ان تدريس الفلسفة أمر معمول به فى جميع المذاهب التربوية فى العالم وهذا خطأ اذ هناك دول كثيرة لا تدرس الفلسفة لانها لا تريد أن تكون شخصية الشاب حتى يفكر بمفرده وهناك كثير من المذاهب وخصوصا تلك التى تدعى انها تحمل ايديولوجيات تقدمية تأبى أو تخشى تكوين الشباب تكوينا فلسفيا حرا يجعله يفكر بنفسه لان القائمين على تلك الانظمة يحاولون أن يجعلوه يفكر بحسب ما يراه (( القيمون )) عليه و ((الاوصياء)) على سداد رأيه واستقامة سلوكه ... واذا ما درست هذه الانظمة الفلسفة لمدة سويعات محدودة فانما تدرس مذهبا معينا لا غير وتتعصب له دون سواه . فتجد فى موسوعاتها ومراجعها وفي الكتب المرخص فى تداولها بين ايدى الطلبه وثائق تنادى بحقيقة واحدة وتوجه الطلبة توجيها واحدا متحجرا لا خروج منه ولا زيغ عنه . ولئن كنا اكثر تشبثا بالفلسفة فلاننا نتمسك - عن وعى - بضرورة تكوين شبابنا تكوينا حيا ، حرا ، متفتحا ، ذكيا يمكنها طيلة حياتهم من ان يتكونوا بانفسهم ويفرضوا شخصيتهم .
فالفلسفة هى اذن رياضة وسلاح وهى ضرب من التكوين يمهد الى التكون الذاتى المتواصل اذ ان ما يدرس بالمعاهد يكون تكوينا ما لاحراز شهادات ما وان ما يحصل للدارس من معلومات لا يشكل الا نقطة انطلاق وقدرة متواصلة على اليقظة العقلية وحب الاستطلاع والتطلع الى الجديد لمواكبة العصر والتفاعل مع كل ما يجد فى دنيا العلم والمعرفة والثقافة .
ان وراء هذا الموقف تصورا للحقيقة نفسها . فما هى الحقيقة ؟ يتصور الكثير ان الحقيقة شئ حاصل وعبارة عن كنز يكفى ان ننقب عليه كما ننقب على البترول للظفر به . وهنالك صورة كاركاتورية تمثل ديوجين الحكيم اليونانى وهو يحمل فى وضح النهار مصباحا للبحث عن الانسان ، عن الحقيقة . ان هذه النظرة خاطئة وساذجة لان الحقيقة هى ما نكتشفه ونخلقه ونوجده شيئا فشيئا بتفكيرنا وببصيرتنا وتعاوننا بعضنا مع بعض فما كان يعتبر حقيقة أو خيرا أو عدلا أو حرية فى فترة ما أو فى مجتمع ما سرعان ما تتغير مفاهيمه ومقاصده لان البشر بكفاحه من اجل مثل جديدة وبصراعه من اجل حياة افضل وبآلتزامه وحيوية فكره المستمرة وبطموحه المتواصل .. يخلق نظرة جديدة يتولد عنها واقع جديد .
ومعنى هذا ان طالب الفلسفة - ولا اقول الفيلسوف - لا ينبغى له بعد البحث ان يتشبت تشبثا اعمى بالحقيقة التى قد يتوصل اليها فينحدر بذلك
الى درك التعصب والغفلة عن الواقع الحى وينأى عن الفلسفة الحق التى تقاوم السبات الفكرى وتناهض الرتابة وتحض وتروض طالبها فى ان واحد على التفكير الدائب والشك الايجابى المنهجى .
فاذا كان ذلك كذلك فما هى علاقة الفلسفة بتكوين الشخصية التونسية ؟ فى هذه العلاقة لا يمكن ان يدركها اولئك الذين يدعون فى العلم (( فلسفة )) او يحاولون أن يكونوا أمميين ، يحلقون فوق الحدود الجغرافية والفروق الاجتماعية والمميزات الحضارية كما لو كانت الفلسفة شيئا يتجاوز الاوطان فيقولون بان الفلسفة من أمر الانسان والانسان هو هو فى كل مكان وزمان .
ولذلك لا استبعد ان ينعتنا بعضهم بالتعصب أو بالاقليمية قائلين : دعوا الفلسفة وشأنها اذ لا علاقة لها بالشخصية التونسية . ان هذا الموقف يعزى لاحد سببين او لكليهما معا :
أولهما غباوة حضارية تجعل مدعى الفلسفة (( المجردة )) يعتقد أنها متسامية عن الارض غير متقيدة بالحدود الحضارية والعوامل التاريخية والحال ان جميع الفلاسفة او علم الاقل كافة عمالقة الفلسفة كانوا قوميين كاشد ما يكون الانتساب الى القوم ووطنيين كاعمق ما يكون التعلق بالوطن والتفاعل معه وكانوا عن حرمة شعوبهم مدافعين بصورة مباشرة او غير مباشرة . ولو استعرضنا الفلاسفة من عهد سقراط إلى اليوم لا نكاد نجد فيلسوفا واحدا يدعى انه لا ينتسب الى أمة أو الى وطن بل ان الذين يعتنقون مذهبا ينشد الاممية أو ينادى بشعار البروليتارية العالمية التى تتجاوز - حسب ادعائهم - القوميات يؤكدون فى حقيقة الامر الدور الثورى والطلائعى الذى يقوم به شعبهم فى بعث هذا المذهب (( اللاقومى )) . فلو اعتبرنا انجلس Engels مثلا فاننا نلاحظ انه نادى فى شبابه (( بجرمنة )) (( بلجيكا وهولندا )) أفليس ذلك ظاهرة امبريالية تجلت فى رسائل مفكر يعتبر من أعداء الامبريالية ؟ هذا مجرد مثال سقته لابين ان الفلاسفة مرتبطون بوطن أحبوا أم كرهوا ، شعروا أم لم يشعروا ، وانها لغباوة او سذاجة او رياء من بعض المتفلسفين عندما يعتقدون أو يدعون ان الفلسفة فوق الاوطان وانها لا تتأثر بالظروف التاريخية والاجتماعية والنفسية التى تنشأ فيها .
والسبب الثانى هو ان بعضهم يقصد بالاممية وتجاوز الحدود الهيمنة على الشعوب المستضعفة من طرف شعوب وانظمة أقوى منها اقتصاديا او
عسكريا ... ومثال ذلك تلك الفلسفات (( الليبيرالية )) التى تدعى التعلق بالمذهب الانسانى فتحاول اقناعنا بان هناك ثقافة وحضارة مثاليتين ، هما حضارة الغرب وثقافته دون اعتبار للحضارات الاخرى وخاصة منها حضارات العالم الثالث وبصفة اخص الحضارة الاسلامية وهكذا نلاحظ ان بعض فلاسفة الغرب قد كيفوا فلسفاتهم بصورة تجعل شعوبهم يعتقدون بان لهم رسالة فى الحياة هى رسالة التمدين (( والتنوير )) والعمل على اخراج الشعوب الاخرى من الهمجية التى يدعون انها ترزح تحتها ويقصدون بالطبع شعوب افريقيا و آسيا وامريكا اللاتينية .
والسبب فى ذلك ان تكوين معظم المفكرين فى الغرب يجعلهم يتصورون ان اوربا هى قطب الدنيا . فاذا طالعت ما ألفوا فى الفلسفة او فى غيرها من فروع العلوم الانسانية لمست فى سطور مؤلفاتهم وفيما بين سطورها النزعة التفوقية والاتجاه الامبريالى .
لذلك يتعين علينا - نحن ابناء العالم الثالث بصفة عامة والعالم العربى والاسلامى بصفة خاصة ونحن التونسيين بصفة أخص - ان نمارس الفلسفة بعقلية (( ما حك جلدك مثل ظفرك )) وبالاقتناع بان الموضوعية المجردة أمنية تطلب فلا تدرك وان الفلاسفة بشر كغيرهم من البشر يتكيفون ويتأثرون بما يتكيف به ويتأثر عامة البشر ، ومعنى هذا انه يجوز لنا بل يجب علينا ان ندرس الفلسفة من خلال شخصيتنا الفردية والجماعية دون ان نتحرج من ذلك أبدا ودون ان نشعر بأى مركب ؟ لهذا وجب أن نعرف من نحن وما هى شخصيتنا وربما ساعدتنا الفلسفة على معرفة هويتنا كتونسيين وكعرب مسلمين ، وكذلك على معرفة مقوماتنا واوضاعنا الاجتماعية والثقافية وملابساتنا التاريخية وعلى تبين مثلنا العليا وما يواجهنا به الغير من مساع لابتلاعنا وهضمنا او على الاقل لابقائنا دائما فى حالة ضعف وتبعية لا نقوى على ممارسة الاستقلال الحق الا وهو الاستقلال الحضارى وليس لنا الا ان نستهلك الفلسفات والنظريات التى تتهاطل علينا من الخارج فتغرينا وتأخذ بألبابنا فنميل اليها وننساق معها فيصيبنا الاستلاب فنصبح - ونحن فى تونس - نفكر بتفكير الغير ونتنفس بانفاسه ونعتبر ان الكمال يتمثل فى ان نكون صنوا له ونسخة منه .
وبعد ان ذكرنا بايجاز بأهم خصائص الفلسفة ، وبررنا اختيار الموضوع
باثبات العلاقة بين الفلسفة وشخصية مريديها تنتقل الى تعريف بعض مقومات الشخصية الفردية والجماعية .
اما الشخصية الفردية فقد لمحت بعد الى الملكات التى تختلف بين الشخص الآخر والتى يتميز بها كل فرد من المجموعة المنتمية الى العائلة الواحدة والوطن الواحد . فتتقابل بذلك الشخصيات وتتضارب تضاربا لا يبعث على الخوف اذ من الضرورى ان يكون لكل فرد نظرته وموقفه وكيفية فهمه للواقع وأسلوبه وتمشيه فى طريق المعرفة والتحليل .
والفلسفة فى كل ذلك تعلمنا في نطاق تكوين الشخصية الفردية والجماعية كيف ننفذ الى مفاهيم الاشياء ومضامين الكلمات ، ولعل اكبر سؤال فلسفى يلخص حقيقة الفلسفة سؤال سقراط " ماذا " ؟ ? Qu'est-ce-que اى ماهية الاشياء وماهية الكلمات والتصورات الذهنية التى نرددها او تتراءى لنا . فيكون أول ما نحقق فيه ونتفق عليه هو مفهوم الشئ ومضمون الكلمة المستعملة وليس هذا بالامر اليسير ولا هو بالطبيعى ذلك ان الكثير من الناس يرددون الكلمات من دون ان يفقهوا معناها الحقيقى فينطقوا بالفاظ : التقدمية والرحمية ، والحرية والوطنية والقومية والتعصب والاصالة والتفتح والتعريب والثنائية اللغوية دون وعى كامل ولا سابق اتفاق حول مضمون المفاهيم . فيقول بعضهم مثلا : (( إنه لا يعارض التعريب ولكنه يرى فيه حرمانا الدارسين من تعلم اللغات الحية الاخرى )) . والواقع ان المشكل قد وضع هنا بطريقة غير صحيحة . والصواب هو ان نبدأ بالاتفاق على معنى كلمة (( التعريب )) قبل أن نتجادل فى (( قضية )) التعريب . ان التعريب يعنى تعليم المواد بالعربية ولكن هل يفهم من هذا الكلام انه يقصد فى نفس الوقت الغاء تدريس اللغات الاجنبية كلا وانما هي المانوية التى تصيب تفكير البعض او هى السذاجة وربما المعارضة المقنعة للتعريب من طرف من ليست لهم الشجاعة المعنوية لمواجهة الرأى العام القومى المتمسك باللغة العربية . اما ذوو النوايا الحسنة وهم الاكثرية الساحقة والحمد لله الذين يشفقون من حرمان ابنائهم تعلم اللغات الحية بسبب التعريب فيحق لنا ان ندعوهم لفهم حقيقة التعريب ومعناه قبل الحكم عليه . وفى هذا الصدد يحسن ان نؤكد اننا لا نتصور درسا يلقى على التلاميذ فى غير لغتهم القومية وفى نفس الوقت لا نتصور تلميذا لا يحذق لغة او لغتين اجنبيتين ليتمكن من المضى بنجاح فى مراحل تعلمه والنفاذ مباشرة إلى المصطلحات ومختلف فروع العلم والتكنولوجيا .
وهكذا يرفع الالتباس بعد الاتفاق على مفهوم الكلمة ويحصل الوضوح ويزول الخلاف .
واذا تناولنا مسألة الحرية - وهى من القضايا الفلسفية الهامة - لاحظنا ان هذه اللفظة كثيرا ما تستعمل من غير ادراك لمفهومها الحقيقى ودور الفلسفة يتمثل فى تفسير معناها وكيف تظهر فى عدة مستويات فردية او جماعية وفى هذا المقام يجب التمييز بين الحرية الفردية والحرية الجماعية والظفر بصيغ مقبولة للتوفيق بينهما وكذلك وجب التعمق فى مقومات الحرية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتنبه كذلك الى ضروب الزيغ التى تلتصق عادة بالحرية والاشهار والدعاية والوسائل السمعية البصرية التى تخلق حاجات ليست دائما سليمة وضرورية او تدغدغ الغرائز او تثير الاطماع او تشجع على الاستهلاك فيكون الاستغلال او الفوضى بعنوان الحرية ...
واما فى خصوص الاصالة التى كثيرا ما ترد على الالسن فان البعض يعبر عن تخوفاته تجاهها فيحملها معنى التحجر والانغلاق . وفى هذا الفهم ما فيه من المغالطة لان ما قد تشكوه بلادنا لبس التحجر والانكماش بل ربما المبالغة فى الانفتاح على الخارج الناتج عن وضعنا الجغرافى وملابساتنا التاريخية مما يجعلنا نحذر من ضياع الذات وتلاشى الشخصية فنفكر فى ترسيخ البناء القومى وتوطيد اركانه مع فتح نافذة بل نوافذ على الشرق والغرب نتمكن بها من التحاور الخصب والتعاون الحر النزيه مع كافة الشعوب التى نتشارك واياها فى التمسك بالقيم الانسانية .
وما دمنا بصدد تحليل دور الفلسفة فى توضيح المفاهيم أود أن أتناول فى هذا السياق قضية الفلسفة والعلم . ان العلوم الصحيحة تتمتع بثقة الجميع ولا تقبل نواميسها المناقشة لانها مدعمة بالبرهان العقلى او بتأييد التجربة والواقع الا انه نشأ عن هذا أن اعتقد البعض ان تقدم العلم سيجيب على كل التساؤلات التى تخامر بال الانسان فى حياته الفردية والجماعية . وانه سيزيل الحيرة وبما ان الفلسفة هى فى جانب من جوانبها تسلسل نظريات يهدم بعضها بعضا بينما الانسان لا يزال قلقا يبحث عن الحقيقة ويتوق الى اليقين فالسؤال الذي يطرح نفسه دائما هو : اين المذهب الذي سيشفى الغليل ويغنينا عن النظريات المتناقضة المتهافتة ؟ وكان من نتائج عقم الفلسفات وانتشار العلم واشعاعه فى أواخر القرن التاسع عشر وخاصة فى
النصف الاول من القرن العشرين اذ ذهب فريق من الفلاسفة الى الابتعاد عن البحث فى الماهيات والماورائيات وآثروا ان يقتصروا على البحث في (( كيف )) تحدث الاشياء والكف عن البحث عن اسبابها . ومعنى هذا ان (( كيف )) عوضت (( لماذا )) ...؟
وفى هذا الصدد يجب الملاحظة ان الفلسفة والعلوم يطرحان سؤالين مختلفين فالفيلسوف يتساءل لماذا يوجد الشئ أى أنه يبحث عن علته فى حين ان العالم يبحث عن ذلك الشئ كيف يوجد وكيف تتسلسل ظواهره . والفرق بين السؤالين هو ان سؤال العالم يجد عادة جوابا صحيحا مدعما بالاستنتاج العقلى او بالاستقراء التجريبى وان سؤال الفيلسوف يبقى دائما مطروحا .
وفيما يخص العلم بالذات لعلكم تعلمون انه كان يوجد سنة 1940 فى الدنيا قاطبة حوالى 100.000 عالم يبحثون فى مختلف العلوم وقد اصبح عددها اليوم ثلاثة ملايين . وهذا ما يدل على تقدم العلم ونجاحه المنقطع النظير .
اما فيما يتعلق بالاكتشافات العلمية فان 90% منها توصل اليها علماء لا يزالون الى اليوم على قيد الحياة ومعنى هذا ان ما وقع اكتشافه فى خلال عشرات القرون السابقة لا يتجاوز نسبة 10 % من جميع الاكتشافات . وهذا ما يدل على أهمية القفزة العلمية التى حصلت فى هذه الفترة المتراوحة بين الاربعينات والسبعينات .
لكن هل نستنتج من هذا كله ان العلم بهذا التقدم سيحل كل المشاكل ويجيب على كل التساؤلات الفلسفية وغير الفلسفية ؟ وهل سيشفى الغليل كما كان يتصور ارنست رونون وغيره ؟ هل دخلنا فى عهد العلم والوضعية كما ادعى ذلك اوغوست كونت ؟ كلا ، لان هذا التقدم العظيم الذى لاحظناه بدلا من حل المشاكل الوجودية والماورائية ربما تسبب فى خلق مشاكل فلسفية جديدة . وعلى سبيل المثال فان التقدم الحاصل فى السنوات العشر الاخيرة فى علم الحياة هو من الاهمية بمكان اذ توصل العلماء الى معرفة العلامات الوراثية التى هى بمثابة بطاقة التعريف الشخصية واصبحوا يتحكمون فى المكونات الكيميائية فاصبح بمقدورهم ان يتصرفوا فى تلك المكونات بحيث يتوصلون الى بعث اصناف جديدة من الموجودات فى عالم الحيوان والنبات . وهكذا نرى ان علم الحياة لم يكتف بمعرفة الواقع بل اصبح قادرا بواسطة التكنولوجيا على تغييره وهذا عظيم وخطير فى نفس
الوقت اذ من يضمن لنا ان نفرا من العلماء او السياسيين او المحتالين الذين لا عهد لهم ولا ميثاق سوف لا يحاولون تغيير خصائص الانسان البيولوجية فتسفر النتيجة عن ايجاد مخلوقات مشوهة غريبة لا علاقة لها بالانسانية وذلك بدعوى خلق نخبة من (( العباقرة )) (( والاذكياء )) فينتهى بهم الامر الى تغيير سحنة البشر . واذن فان العلم الذى نؤمن به هو ذاك الذى يوفر لنا حلولا لبعض مشاكلنا الصحية والاجتماعية والاقتصادية ويبقى عاجزا عن حل البعض الآخر وربما كان له ضلع فى تشعيب ما يجابهنا به الزمن من مصاعب.
وهذا ما جعل العلماء الاصيلين لا يزالون يكتبون الى اليوم ان العلم لم يتوصل الى حل جميع المشاكل فى الحاضر ولن يتوصل الى حلها باجمعها فى المستقبل . وان العلم ميدانه محدود ومتواضع ، وان من ظن انه بالعلم يمكن حل مشكل الموت أو غيره من المشاكل الفلسفية فقد أهمل قصد العلم وتنكب عن غايته .
ولكى اربط موضوع العلم والفلسفة بموضوع الشخصية القومية ومصلحة البلاد السائرة فى طريقها الى النمو اسوق لكم هذا المثال البسيط الذى قد لا يعطيه بعضهم الاهمية التى يستحقها .
اطلعت فى مجلة علمية فرنسية صدرت هذا الاسبوع على حديث دار بين جماعة من العلماء والباحثين فى بعض المعاهد العليا يدرسون امكانية استغلال البيولوجيا النباتية فى تلقيح بكتيريا قادرة على الاحتفاظ بمادة الازوت بالاشجار التى لا تقدر بكتيرياتها على مسك هذا العنصر ولقائل ان يقول : ما علاقة هذا بالفلسفة ؟ ان العلاقة بينهما وطيدة ونستدل على ذلك بما أكده بعض العلماء من ان ما تستورده فرنسا من الاسمدة الازوتية الصناعية لا يقل عن مليونى طن فى السنة الواحدة . وان ما ترجوه من باحثيها هو ان يجنبوها هذه التكاليف العظيمة والنفقات الباهضة . وهو مسعى لا تنفرد به وحدها بل تشاركها فيه خاصة كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتى واستراليا وبريطانيا العظمى ، التى رصدت كلها الاعتمادات ووفرت الامكانيات وقدمت التشجيعات للعلماء كى ينهضوا للبحث فى هذا الموضوع.
واذا فكرنا مليا فى هذه الابحاث العلمية وما لها من التأثيرات على اقتصاد بعض الشعوب النامية وجدنا لها من العواقب ما لا تقدر مضرته . وفيما يخصنا فان تونس كانت ضحية الاستعمار مدة 75 سنة استنزفت خلالها
ثرواتها ثم اتيح لها ان تحررت بفضل جهاد طويل وتضحيات جسيمة . والآن وقد انطلقت تونس تبنى اقتصادها وترصد فى هذا المضمار مئات الملايين من الدنانير فى الصناعات الكيميائية تجد جهودها مهددة بهذه المساعى إذا ما كتب لها النجاح ونحن لا نناقش حق أية دولة من الدول فى تشجيع البحث العلمى فذلك واجب عليها بل وحتى فى مساعيها لجعل الاكتشافات العلمية تخدم اقتصادها وعظمتها ولكن نربأ بشبابنا ومثقفينا ان تنطلى عليهم حيلة (( موضوعية )) او (( اممية )) العلم وتبرئته من السياسة او الاقتصاد اى السمو به عن مصالح الشعوب ((الضيقة)) فلا مجانية فى البحث العلمى والمصالح القومية! إن هى فى الواقع الا الدافع الاول للبحث والتفلسف! ومعنى ذلك ان الدول العظمى و ((نصف العظمى)) تسلك جميعها سياسة ترمى الى الابقاء على سيطرتها على الشعوب الضعيفة حتى تظل ابدا شعوبا مستهلكة لا تستطيع ان تنهض بنفسها فتستورد لا فقط البضاعة الاقتصادية ومواد الاستهلاك المادى بل كذلك القيم الثقافية والحضارية ولذلك وجب على شبابنا ومفكرينا وفلاسفتنا وبحاثينا ان يتذكروا هذه الحقيقة وان يضعوها نصب اعينهم وان يكفوا عن ترديد اغنية الفلسفة المجردة من المعانى والاهداف القومية المتسامية عن حدود الاوطان .
ولا تختلف تلك المحاولة من قبل الشعوب المتقدمة فى سعيها للظفر بوسيلة توفر لها بديلا للفسفاط عن محاولتها الجادة فى البحث عن طريقة لتعويض الطاقة البترولية بطاقات اخرى ذرية او شمسية او غيرها . وهنا لا يسعنا الا ان نتساءل اين براءة التقنيات الناتجة عن العلم ؟ اننا نلاحظ بأسف انها لم تجعل لخدمة الانسان فى كل مكان ومهما كان لونه ومستواه الاقتصادى ولكن لخدمة شعوب بعينها دون اعتبار مهما كان ضئيلا لفكرة الاممية والشمول ، انى لا اقول هذا خدمة لاتجاه سياسى معين بل اهتماما بمستقبل اجيالنا القادمة .
ولهذا فان التفكير الفلسفى الصحيح بما يقتضيه من تكوين متين وثقافة اصيلة هو الذى بفضله نستطيع عندما نطالع مقالة كهذه التى اشرنا اليها ، ان نستقصى ما تضمنته سطورها وخاصة ما يوجد بين سطورها من مخلفات وارضيات واعتبارات ايديولوجية ... وان نستنتج منها ما يعيننا على تقدير الاشياء حق قدرها وادراك العواقب خيرها وشرها ، فنكون بذلك أقدر على النهوض بأنفسنا وبقومنا والتخلص من التبعية والنجاة من اطماع الطامعين .
واذن فانه يتحتم على مدرس الفلسفة ان يفكر تفكيرا صادقا عميقا متيقظا الى كل الملابسات والمعطيات يراعى فيه مصلحة الامة التى ينتمى اليها ويتبين به حقيقة المذاهب التى يطلع عليها ويتعرف الى مقاصدها ما ظهر منها وما خفى وذلك بصرف النظر عن آرائه الشخصية ومزاجه الخاص .
ان العلماء فى الدول المتقدمة تفرض عليهم برامج بحث تتماشى وحاجات البلاد التى ينتمون اليها ، اما نحن فى تونس وفي العالم الثالث عامة فنلاحظ بأسف ان بعض الباحثين يدرسون مواضيع تتصل مراكز اهتمامها بالواقع الاوربى الذى عاشوا فيه وتأثروا به وواقعنا مفتقر الى مزيد المعرفة ومحتاج الى من يعالجه بالدراسة والبحث . وهكذا يظفر بثمار مجهودات جزء من نخبتنا غيرنا ونحن فى أشد الافتقار اليها . وليس ما نذهب اليه من قبيل الدعاية أو مقتضيات السياسة (( اليومية )) ولكنه مستوحى من أسلم مقتضيات الوطنية وانبلها اذ لا ينبغى ان نكون اقل حرصا على مصالح شعوبنا من الامم الاوروبية التى لا تخفى سلوكها الانتفاعى تجاه البلاد الضعيفة وموقفها التحيزى تجاه الاقطار العربية كما يظهر ذلك واضحا فى الاجراءات غير العادلة التى اتخذتها حكومات السوق الاوربية المشتركة مثلا فى توظيف الضرائب على زيت الحبوب وزيت الزيتون بالخصوص الذى يبلغ سعر الكيلو منه اليوم في فرنسا والمانيا وغيرها ثلاثة او اربعة اضعاف ثمن الكيلو من الزيوت الحيوانية التى هى من انتاجهم . وفى ذلك ما فيه من الضغط على المستهلكين لاجتناب زيوتنا وحماية اقتصادهم وربما تعجيز اقتصادنا .
هذا ومما يجب تأكيده انه لا ينبغي ان نخلط بين السياسة والوطنية . واذا كانت السياسة فنا متحولا ونشاطا ظرفيا يستجيب الى اهداف ظرفية فان الوطن ثابت وباق ، وقد تداولت على بنائه الاجيال تلو الاجيال وستساهم في عملية بنائه اجيال اخرى كثيرة الى ان يرث الله الارض ومن عليها وهو خير الوارثين . ولئن كان مفهوم القومية عرضة للانتقاد فى البلاد الغربية خاصة لانه يذكر بالنازية الهتلرية وما شابهها فان الوطنية مفهوم شرعى مقدس لا عيب فيه على الاطلاق ، وغاية ما يطالب به من ينادى بالوطنية هو حق التميز عن الغير وعدم الذوبان فى الآخرين - باعتبار ان له مقوماته الخاصة وحضارته الخاصة وأسلوبه وتفكيره الخاص - ولقد بان زيف الفلسفة منذ ان صار يستخدمها اقوام للتمييز بين الاجناس وتفضيل بعضها على بعض ويكفى لتأكيد ذلك ان نلقى نظرة على ما تتضمنه بعض الكتب والافلام لنلمس نزعة العنصرية والشعور بالتفوق عند بعض الاقوام .
تلك أمثلة سقتها لكم لابين لكم كيف ان الفلسفة تساعد بصورة مباشرة وغير مباشرة على تكوين الشخصية لدى الفرد المنتمى الى الواقع التونسى والقومى عامة ، ولم احاول الاستشهاد باقوال افلاطون او سارتر او ماركس للتأثير عليكم ولكنى حاولت التفكير بنفسى والاستناد الى ما استفدته - ولا ازال - من مطالعاتى .
وقبل ان انتهى من الحديث عن الدين والعلم والفلسفة والتقدم بصفة عامة أود أن أسوق مثالا آخر يتصل بكتاب صدر هذه السنة وهو من تأليف السيدة (( دنكوس )) الاستاذة بجامعة باريس وعنوانه (( الامبراطورية المفجرة )) وتقصد بها امبراطورية روسيا وقد افادت الكاتبة انه يوجد الآن في الاتحاد السوفياتى ما يزيد على ستين مليونا من المسلمين لا يزالون متمسكين بدينهم رغم محاولات لينين وستالين وخروتشوف المتعاقبة للقضاء على شعورهم الدينى وان هؤلاء المسلمين لا يزالون الى الآن متمسكين بطقوسهم الدينية فى كثير من الامور كالولادة والختان والزواج وخاصة بالنسبة لمراسم الموت وذلك بالرغم من كونهم لا يلقنون فى التعليم الرسمى الا مبادئ المذهب الماركسى . تفند هذه المعلومات - طبعا - ما ذهب اليه ااقست كونت وغيره من الفلاسفة من ان تطور البشر وتقدم العلم واتساع المعرفة تحكم كلها بتقلص الدين وتبشر بانسانية علمانية .
وفى اعتقادى انه لا يمكن القضاء على الدين اذ كما ان العلم يجيب على اسئلة معينة فان الدين يجيب على تساؤلات اخرى : مصير الانسان ومأتاه ومعنى الحياة ولغز الموت وقد رأينا كيف ان عددا من الفلاسفة يتطورون فى تفكيرهم ويخرجون من صلفهم العلمي او المذهبى او الوضعى ويرجعون الى الدين ومن بينهم (( روجى قارودى )) وقد كان من اقطاب الحزب الشيوعى الفرنسى وماركسيا متطرفا وصاحب مؤلفات كثيرة تعكس نزعته الشيوعية ولكنه تطور تطورا فكريا عجيبا وتنكر للكثير من نظرياته السابقة واعتنق المسيحية فلم تكن الفترة الاولى من حياته الا مرحلة تعكس حماس الشباب ومثاليته وطموحه الى العدل المطلق الى ان حنكته الحياة وعلمته التجارب ما لم يكن يعلم فاكتشف الدين من جديد بعد ان كفر به فى سن المراهقة عندما ظن ان التقدم والعقل والتحرر تتنافى مع تعاليمه والمؤسف هو ان بعض الشبان وربما بعض أساتذة الفلسفة لا يزالون يستشهدون بكتبه الاولى التى طالعوها أيام تطلبهم من دون أن يعلموا شيئا عن تطور أفكار هذا الفيلسوف أو يطالعوا كتبه الجديدة . ولكنه التحجر والدغماتية أو الكسل العقلى !
ولقد اعترضت على احدى التلميذات وانا اعلق على درس فلسفى يمثل هذه المعانى فى احد المعاهد الثانوية بالعاصمة بقولها : (( اذن هل نشك فى العلم ونحد من ثقتنا به ؟ )) وهذا هو عين الخطأ ولعله ناتج عن كون بعض الاساتذة يقدمون نظرية كونت او اى فيلسوف آخر كما تقدم النظريات والنواميس العلمية الثابتة فيخيل للطلبة انه من الواجب عليهم ان يتمسكوا بها تمسكهم بالحقائق العلمية والنظريات الرياضية والحال انهم فى مستوى فلسفى والفلسفة تعلم الانسان اساليب التفكير السليم ولا تضمن لهم سداد اية نظرية من النظريات . ولقد سألني سائل ذات مرة (( ماذا استفدت من الفلسفة ؟ )) فأجبته انى استفدت منها ان لا اتأثر بها ولا انبهر ببريق مذاهبها بل ان اسلط عليها نور العقل الذى يراض بدوره بفضل ممارستها واواجهها بالواقع الذى اسعى لعقله واستكناه اسراره والوقوف على ملابساته بفضل تكوينى الفلسفى .
واريد اخيرا ان اثير موضوع الامة ومفهوم الطبقية . ان الذى يطلع على كتابات ماركس وانجلس ولينين يتجلى له بوضوح انهم يرون ان الطبقية هى كل شئ وانها محرك التاريخ وان الامة لا معنى لها وان انتصار الطبقة الشغيلة فى العالم معناه القضاء على الامم والذى تكشفه الاحداث اليوم هو العكس اذ لم يعد تحرير الطبقة الشغيلة شرطا لتحرير الجماعة بل اصبح تحرير البلدان هو الشرط لتحرير الطبقة الشغيلة فيها ولو دعيت انا الى تدريس نظريات ماركس وانجلس فى الطبقية لرجعت الى تاريخ تونس واستشهدت بالخصوص برأى محمد على الحامى الذى ذهب الى ان تحرير البلاد من نير الاستعمار هو الشرط الاساسى لتحرير العمال من الاستغلال وان التمسك بجدل الطبقة الشغيلة التى كانت فى تونس حينذاك خليطا من العرب والفرنسيين والمالطيين والايطاليين ... تمييع للذات القومية ووجه من وجوه الذوبان فى الغير . وهو الموقف الذي جلب لمحمد على النفى من البلاد ، ولقد طال الخلاف فى مستهل الكفاح الوطنى بين الرئيس الحبيب بورقيبة وبين الشيوعيين اذ كانوا يؤيدون فكرة الكفاح الطبقى ويؤيد هو الكفاح الوطنى لتحرير الشعب باكمله بكل اصنافه الاجتماعية ويتمسك لا بطبقية معينة بل بوطن تونسى عربى مسلم له خصائصه ومميزاته الحضارية كما يتمسك بالاعتقاد بان الحكم الوطنى الديمقراطى النزيه كفيل بتجاوز التناقضات التى توجد او قد توجد بين مختلف الاصناف الاجتماعية وان الحكم الوطنى العادل يحفظ لكل ذى حق حقه ويصون عامة المواطنين من كل
ضروب الاستغلال . ولقد كانت هذه هى الطريقة التى توخاها معظم زعماء البلدان الافريقية والآسياوية فى تحرير اوطانهم .
وهناك ملاحظة ختامية أسوقها لتحذيركم من التشبث بالنظريات الجاهزة ! وهى ظاهرة الحرب القديمة قدم الانسان . وقد فكر الفلاسفة وعلماء الاجتماع فيها وذهبوا مذاهب شتى فى تحليلها ومعرفة اسبابها ومن بينهم لينين الذي قدم بشانها تحليلا مفاده ان الحرب تشكل الخاتمة التى تؤول اليها القوى الامبريالية فى تسابقها لاقتسام الاسواق العالمية .
ويتوصل لينين الى هذه النتيجة لانه يعتبر الامبريالية بمثابة المرحلة الاخيرة للرأسمالية حيث يتجمع الانتاج الرأسمالى فيجتمع بذلك رأس المالى البنكى وراس المالى الصناعى ثم تاتى مرحلة التفكير فى كيفية استغلال ذلك المال فتتكون شركات احتكارية تنتشر فى انحاء الدنيا كالسرطان وتتكالب على استنزاف الثروات فيكون الصراع بينها فتشب الحرب وهذه نظرية معروفة لدى الخاص والعام ولكن اذا سلمنا بصحتها فكيف نفسر النزاع القائم اليوم بين الصين والفيتنام وبين الكمبودج والفيتنام وهي جميعها دول اشتراكية زالت منها كل ضروب الطبقية بعد انتصار البروليتاريا فيها انتصارا (( مبينا )) ألم يقل لينين فى (( البيان )) (1) Le manifeste ان تناقض الطبقات فى مستوى الامم يزول بزوال الامم ؟
وهكذا تعيننا الفلسفة على النجاح فى اعمال الجدل بين النظرية والواقع وادراك التناقضات وتجاوزها والكشف عن تحجر بعض المذاهب .
والفلسفة لا تستطيع ان تقاوم الفوضى الفكرية والتناقضات الا اذا توخت منهجا سليما ، ان الفلسفة هى السخرية من الجزمية والايمان الاعمى ، وإن سقراط أكبر ساخر استعمل الفلسفة لنسف المعتقدات البالية واليقينيات الساذجة وهو يقول : (( المعرفة التامة ليست الا لللالة )) . ومعنى ذلك ان الانسان لا يمكن الا ان يكون فى بحث متواصل وان الحقيقة كسب متجدد وجهد لاينى ويقظة مستمرة .
وخلاصة القول انه على الطالب ان يسعى دوما حتى لا يكون وعاء حافظا ومستودعا لافكار الآخرين بل ينبغى ان يعمل فكره باستمرار وبشجاعة مستفيدا بما حصل له من الفلسفة .
ولذا فان آخر ما اوصيكم به هو ان تحاولوا تطبيق هذا المنهج فتضعوا على محك النقد ملاحظاتى التى حاولت بها ان اعرف الفلسفة واربط بينها وبين الملابسات الفردية والجماعية التى تكيفها الى حد بعيد وان ابين ما تتصف به من نسبية تدعو كل واحد منا الى الاجتهاد واعمال الراى من دون توان ولا غفلة والحذر من النظريات الجاهزة التى افرزتها ظروف تاريخية وخصائص حضارية ليست بالضرورة متطابقة ولا منسجمة مع ظروف كل واحد منا وخصائصه الحضارية وشخصيته الفردية والجماعية التى يحسن العمل على صيانة طرافتها واحترام مميزاتها .

