الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

دور الكاتب بالاقطار الافريقية والاسيوية

Share

قد لا تكون مغاليا - ادنى مغالاة - اذا ما اكدت ان من ابرز الظواهر التى تطالعنا خلال ملامح هذا العهد المضطرب الشؤون ، القلق ، المفزر المتأزم المعانى والاوضاع فى جميع الميادين من جراء زلزالين هائلين زلزلا الكرة الارضية على نحو لم يسجل التاريخ - لحد الآن - مثله عنفا وشمولا ، هذا الحرص المتجدد الذى لا ينفك يحفز البشر على اختلافهم فى المشارب والمذاهب والمستويات الحضارية - على عقد شتى المؤتمرات - بين الفينة والفينة - للنظر فيما شئت من القضايا والشؤون . اجتماعية كانت ، او سياسية  ، او ثقافية ، او حضارية بوجه اشمل . . .

والذى يجب عليك ان تلاحظه هو ان تلك المؤتمرات تعلن حينا ما تسر ، وتعلن حينا خلاف ما تسر فى حلبة النوايا ، والاغراض ، والمبادىء ، عند افصاحها عما يخامرها من الشواغل فيحدو بها الى عقد ما تعقده من الاجتماعات ، والجلسات لشتى فنون النقاش والنظر . . . . وليس يهمنى - الآن - ان تعلن ما تسر او ان تعلن خلاف ما تسر من النوايا ، والاغراض ، والمبادىء . .

وليس يهمنى - الآن - ان تكون موفقة دائما او غير موفقة فى مجال تخيرها ما تتخيره لجلسات نقاشها ، وجدلها ، ونظرها من مختلف المواضيع التى تعرضها على عقول النواب المدعوين للمشاركة فى اعمالها . . فأنا احرص - كنه الحرص - على ان اكون ممن يمكن لك اعتبارهم - عن حق - من ابناء هذا العصر : ليس يحز نفوسهم من مطمح ، وليس يشغل بالهم من شاغل ، وليس يحفزهم من حافز غير ارادتهم ان يجابهوا - مجابهة تكاد تكون عسكرية الجنس - مشاكل هذا العصر ، وغصص هذا العصر ومخاوف هذا العصر ، وآمال هذا العصر ! فلا هم يحفلون بمن اتهمهم بالسذاجة . . او يطهر النوايا والسرائر . . فى عهد قد يكون ابرز شعار يشعر به " الليبب " - اشعار الريح والنجح - انما هو فى انتحاله تطليق كل سذاجة ، وكل طهر فى مجال النوايا والسرائر ! ولا هم يقوون على ان يتصنعوا خلاف ما غرز فى طبائعهم من ميول واشواق - هى قبل كل شىء ، وبعد كل شئ - ميول الجد واشواقه .

ولئن كان لابد من التصنع حتى يتم انسجامهم مع المتصنعين فهم انما يتصنعون الجد ، ويجدون فى هذا التصنع ، ويعمدون - مباشرة وفى كل سذاجة وبساطة - الى ذات السر الذى يمكن لك اعتباره سر الاسرار التى

تحدو بالمعاصرين من الادباء ، والمفكرين ، الى عقد ما يعقدونه - هنا او هناك - من المؤتمرات على اختلافها فى الاصباغ ، والاغراض ، والمبادىء ، المعلن عنها ، وغير المعلن . والمشعور بها او غير المشعور ، والمنتمية للسياسة او غير المنتمية ، والمنتسبة لاهم القضايا والمسائل او غير المنتسبة .

ولا تظنن انى - اذ اؤكد هذا اريد ان اتهم احدا - مهما يكن - او انى اشك فى نوايا احد - مهما يكن ! قصارى ما اريده من هذا الكلام ان الفت نظرك الى انا نعيش فى عصر اختلطت فيه السبل ، واختلطت فيه المفاهيم ، واختلطت فيه الغابات فاضحى الحق يلتبس بالباطل ، واضحى الباطل يختال ويتظاهر بمظاهر الحق . واضحت العقول تتخبط وسط ظلمات اشكال من اللبس ، وتسير سير المدلج الذى ينتظر بفارغ صبر اشراق نور يغير سيره " وخطاه ، اثناء نشدانه حقا يرومه ، وعزة يبغيها . وتوفيقا يأمله !

ولما كان هذا ، كان لا يمكن لاحد ان يتهم احدا . ولا ان يشك فى نوايا احد فيضمن لنفسه الا يكون اول متهم ، واول مشكوك فى امر نواياه ! ولما كان هذا ، كان من اوكد الاوكد بالاضافة لكتاب افريقيا ولكتاب آسيا ان يجتمعوا هذا الاجتماع الذى اريده من اسطع آيات غيرتهم على ما ينتمون اليه من مختلف القيم ، والمعانى الحضارية لاجلائها ، والاخلاص لها اخلاص حياة استرجعت - او هى تجهد نفسها لاسترجاع عهد الحياة  القوية ، السالمة .

ولما كان هذا ، كان من اوكد الاوكد بالاضافة لكتاب افريقيا ، ولكتاب آسيا ان يكونوا " الضمائر الحية " الواعية ، الساعية ، سعى الحياة ، وسعى الوعى فى سبيل تحطيم ما تراكم - خلال الدهور - من الجهالات ، والاوهام ، على قيمها الذاتية ، الموروثة عن اعمق اعماق ماضيها ، لبعثها - مزكاة ! - وسط عالم استرجع " نظام العقلى " واسترجع انسجام الانفاس فى نطاق البصر بنواميس الامور ! . .

ولما كان هذا هذا ، ولما كنت حظيت بشرف المثول بين ايديكم لمشاركتكم فى الجدال حول " سبل البعث " المرجو لمجتمعاتنا الافريقية ، والاسيوية - المختلفة اجواء ، ومعانى ، والوان التراث الحضارى ! - الموحدة بما عانته او بما تعانيه من صنوف التخلف المادى ، والعقلى ، والفنى معا - فلأجدد لك التأكيد انى الساذج ، البسيط ، الجاد فى سذاجتى ، وبساطتى ، وطهر السريرة

فلست ابغى شيئا غير فهم شؤون هذا العصر ، فهم الجد ! ولست اروم شيئا غير البحث - معكم - عن طرق مجابهة معضلات هذا العصر مجابهة الجد !

ولاجدد لك - كذلك - التاكيد بان قصارى تصنعى ان يكون تصنع من لا تصنع له ، ولا يريد من التصنع الا محو كل اثار التصنع فى احساسه ، وتفكيره ، واتجاهه . فليس بغير هذا يمكن لنا ان نطمع فى الانتهاء الى رأى جزم يمكن لنا اعتماده فيما سنذهب اليه من مذاهب الاحساس ، والنظر ، والعمل

ولئن كان فى موقفنا هذا ما يمكن ان يحرج البعض او ما يمكن ان يغضب البعض ، او يثير ثائرته فليس يمكن ان يكون ذلك الا " بليغ الاشارة " لما يحف بمهمة الكاتب ، اديبا كان او شاعرا ، او مفكرا - من جسم الصعاب ، وشتى الاشواك ، ومتنوع الاخطار ، فى عصر كهذا العصر ، وفى بيئة كبيئتنا او غير بيئتنا ، وفى نطاق عقلية كعقليتنا او غير عقليتنا ! . .

واذا فقد يكون فى " صلب الموضوع " المطروح علينا فى شأن الدور الذى يجب على الكاتب الاضطلاع به فى سبيل ما شئت من الاغراض - ان ننظر فى هذه الصعاب الجسيمة ، وفى هذه الاشواك المختلفة ، وفى هذه الاخطار المتنوعة ، العارضة وغير العارضة ، الموقوتة وغير الموقوتة ، التى تعترضه فى طريقة ان هو رام الاخلاص فى اضطلاعه باعباء المهام التى هى مهامه وسط المجتمع الذى هو مجتمعه ، والحضارة التى هى حضارته !

ذلك ان الحديث عن رسالة الاديب ، او دين الشاعر ، او شرع المفكر فى هذه الحياة ليس يمكن لك فصله عما تحف به من الظروف الاجتماعية والتاريخية ، والحضارية التى تكتنفه ، لا ولا يمكن لك فصله عن حقيقة المشاكل التى تعترض الافراد والامم اثناء تطورهم التطور الفردى او الجماعى لا ولا يمكن لك كذلك فصله عن حقيقة الشقة - البعيدة او القريبة - التى تفصل بين " الرأى الجديد " الذى يصدع به واستعداد العقول - او عدم استعدادها - لفهمه ، وهضمه ، لما قد يكون لهذا الرأى الجديد من الاقتدار علم مصادمة ما تعودته من عادات الاحساس ، والنظر ، والاتجاه !

وليس من شك فى ان " مأساة " الكاتب المفكر بالاقطار الافريقية والاسيوية على وجه العموم - وبغض الطرف عما هنالك من الفوارق بينها فى هذا المجال - انما تنشأ عن كون الشقة اوسع ما تكون بينه وبين العقول الشعبية ، نظرا لكون هذه العقول ما زالت تتخبط وسط موروث العادات ، والتقاليد على اختلافها ، وحالك الخرافات والاوهام على تنوعها ، فكانت لا تقوى على ان تهضم الا ما كان فيه " تطعيم " لاندفاعاتها العاطفية على ظلمة فوضاها ؛ وجموحها فى غير ما آنتباه الى ما هو كامن فيها من الاخطار الجسيمة التى قد تنتهى بها الى عكس ما تامل بالضبط !. . وكانت لا ترى فى كل دعوة الى الاصلاح او الى التطور الا " ضربا بشعا " من التنكر لماضيها ، او لتراثها الاعتقادى او الروحى ، فى غير ما انتباه - كذلك - الى ان تطليق بعض الاوهام والخرافات

والعادات الموروثة ليس تطليقا لذلك التراث الاعتقادى او الروحى . . . وقلما تدرك ان جمودها على تلك الاوهام والخرافات والعادات هو الخطر الحقيقى على ذلك التراث المحترم !

ولا تظنن انى ادعو بهذا الكلام الى ضرب من الادب الارستقراطى يكون وقفا على الخواص نظرا الى ان العقول الشعبية - وغير الشعبية ! - لا تقوى على هضمة ، وانما اعنى ان العبء الملقى على عاتق الكاتب المفكر بالاقطار الافريقية والاسيوية عبء ثقيل مرهق !

وانك لتخص ذلك العب الثقيل المرهق اصدق التخصيص اذا ما قلت انه يفرض عليه ضروبا من الواجبات تتطلب جنسا من " البطولة العقلية " هى الى " القداسة " انسب واليق !

وليس من شك فى ان فصيلة العقول التى ترغب فى التحليل ، ولا تقنع باجمال القول واقتضابه ، وتسعى جهدها وراء ثمرة التحليل - اعنى انبجاس الانوار التى تضىء السبل امام " المدلجين فى الحياة " من ذوى الارادة الحرة الصادقة التى اتخذت شعارا لها الاخلاص - مطلق الاخلاص - لما يهزها من جاحم الاشواق - تدرك - كنه الادراك - ان تلك الواجبات جنسان . وقد يمكن لك الفصل سنهما لضرورة التحليل ، وقد يجب عليك التوحيد بينهما فى صعيد واحد : اعنى الاخلاص للفكر فى سبيل الحياة او الاخلاص للحياة فى سبيل الفكر ما دامت الحياة ليست تسعى من وراء " مخاضها " الدائب الا وراء العرووج الى " مستويات وجودية " اسمى فأسمى . وارحب فأرحب !

اما الجنس الاول من تلك الواجبات الملقاة على عاتق المفكر بالاقطار الافريقية او الاسيوية فهى واجبات نحو امته او شعبه. فان كان شعبه يمكن لك اعتباره لحم لحمه ، ودم دمه فالمفكر يقف بالاضافة لذلك الشعب بمثابة عقلة البصير ، وضميره الحى وسهم اشواقه الجاحمة . . وللمفكر مطالب - بهذه الصفة - ومن عدة وجوه - بالاخذ بيد شعبه لانتشاله من " الهوة العقلية " السحيقة التى رمت به فيها ظروف تاريخية غير رحيمة فجعلته - احيانا - متأخرا بعديد القرون عن ابناء هذا العصر فى شتى الميادين . . .

اما الجنس الثانى من الواجبات الملقاة على عاتقه فتنحصر فى كفاح متصل ، يقظان فى سبيل صيانة " حرية انفاسه " حتى يبقى العقل البصير ، والضمير الحى ، وسهم الاشواق الجاحمة : لا تجرفه التيارات العاطفية - مهما تكن - ولا تضطره الى مافيه " الحياد " - قيد انملة - عن اخلاصه الحى لما يلمع فى اعمق اعماقة الحية من " لوامع الحق " ، و " نجوم القيم " التى لم يهتد اليها الا بغصص " التية الطويل " فى مفاوز البحث والطلب ، وتحسس الذات ، والتجسس على اسرار " جودها الاصيل " !

ولا ريب فى ان المفكر بالاقطار الافريقية والاسيوية على اختلاف بيئاتها ، واجوائها ، ومشاكلها ، يجد فى هذا العصر من الصعوبات فى دروب اخلاصه لهذين الجنسين من الواجبات ما قد لا يجده فى اى قطر آخر بسائر انحاء العالم . . . وانما كان الامر كذلك لاصول عدة : من اراد استعراضها - اصلا اصلا - كان حريا به ان يؤلف تأليفا ضخما فى ذلك بدلا من محاضرة . .

ولعلك لا تخطئ السبيل اذا ما اكدت ان تلك الاصول جميعها هى هى الاصول التى تجب العودة اليها بالاضافة لكل ذى عقل رام ادراك الاسرار التى من اجلها ترى البشر فى هذا العهد لا ينفكون ينظمون - هنا او هناك - بمختلف انحاء العالم - اشكالا من المؤتمرات فى شتى الاغراض : سياسية كانت ، او اجتماعية ، او فلسفية ، او حضارية بوجه الشمول !

فما جرى من الانقلابات الصناعية والفنية فى العقود الاخيرة ، وما كان من ذينك الزلزالين الهائلين اللذين زلزلا الكرة الارضية على النحو المريع الذى تعرفون ، وما يخشاه البشر كافة - وفى ضمنهم الروس . وفى صمنهم الاميركان ! - من امر زلزال ثالث ان هو انفجر - لا قدر الله ، ولا قدر جنون الاطماع ! - كان الحاقة الشاملة ، والقضاء الشامل على كل حضارة ، وكل بشرية بفضل ما انتهى اليه " الانسان " من الاقتدار المدهش فى ميدان التهديم والتخريب - فكل هذه العوامل جعلت الانسانية قاطبة احوج ما تكون الى " بناء عقلى " جديد يمكنها من " هضم " الفتوحات العلمية الجديدة فى نطاق نظرة جديدة ، مجددة للانسان ، ولشؤون الانسان ، ولحرمة الانسان فى هذا العالم المجدد !

وانى لاجزم لك جزما بان البشرية قاطبة امام عين " المحنة " ! وهى " محنة " لا يمكن لك التحديق فى امرها - تحديق النسر فى عين الشمس ! - الا تبين لك جليا ان الانسانية تجد نفسها - بفضل فتوحاتها نفسها امام امرين لا ثالث لهما : اما ان تقوى على " هضم " فتوحاتها ، فتعرج الى مستوى جديد من مستويات اقتدارها وتفوز الانسانية جمعاء .

" واما ان تعجز عن " هضم " فتوحاتها فتهضمها فتوحاتها عينها فيكون ذلك وبالا عليها جمعاء ! " وان انت اقتنعت بهذا - اقتناعى فرمت " وجه الفوز " اكدت لك تأكيدا ان " العبقرية العقلية " التى تمت على يديها فتوحات الانسانية هى هى العبقرية العقلية التى يحب ان تستحيل " ضميرا " يعمل ، ويكافح لتحقيق وسائل " النحاة الشاملة " فى نطاق صرامة النظام العقلى ، وفى نطاق عزة الحق ، وفى

نطاق الفهم ، والتفهم ، والتفاهم - وهل المحبة شىء غير هذا ؟ لا فى نطاق فوضى المشاعر ، وظلمة الاهواء ، واندفاعات العصبية مهما تكن ! ولئن كان " الوضع العالمى " هذا الوضع التضامنى الشامل ، ولئن كانت " اوامر " هذا الوضع هذه " الاوامر " - افليس من الجلى ان الواجبات الملقاة على عاتق الكاتب المفكر بالاقطار الافريقية والاسيوية غير الواجبات الملقاة على عاتق الكاتب المفكر فى العالم الغربى او على عاتق الكاتب المفكر فى العالم الشيوعى ؟

او ان شئت فقل انه يلتقى بهذا وبذاك فى صعيد ، ويخالف هذا وذاك فى صعيد . هو يلتقى بهما فى صعيد العمل فى سبيل " بناء الضمير العالمى " الجديد فى دروب الاخلاص للقيم الانسانية العليا - وفى ضمنها السلم ! وهو يخالفهما فى جنس الصعوبات التى يصطدم بها فى حلبة سعيه وراء بناء الضمير القومى " !

فالشعوب الافريقية والاسيوية على اختلافها فى الاجواء ، والخصائص الطبيعية الانسانية ، والمذاهب ، والمشارب الحضارية ، عانت - وما زالت تعانى الوانا من الاسقام التى شوهت ملامحها ، وطمست معالم قيمها ولا بد من العمل الجدى ، الدائب . البصير فى سبيل انقاذ تلك الملامح وتلك القيم ، وبعثها بعث الحياة المستجدة

وهذا هو جنس " الكفاح الاصلى " الذى هو كفاح الكاتب المفكر بالاقطار الافريقية والاسيوية : وليس له من غاية سوى ايقاظ الضمائر ، وتنوير العقول ، وتنشيط الهمم فى دروب الاخلاص لانسانيتها الطريفة هو عمل احياء . وعمل خلق

وهو عمل الاخلاص لاعمق اعماق الذات لتفجير ينابيع ، ثوراتها وثررواتها فى آن واحد - فى سبيل الحياة المستجدة التى تمتاز بالاحساس الصحيح ، والادراك الصحيح ، والارادة الصحيحة ، فى نطاق نظرة صحيحة للوجود وشؤونه، وللحياة وسننها الصارمة !

وليس من شك فى ان " الطابع " الذى سيكتب لمفكرى افريقيا وآسيا ان يطبع به كفاحهم فى هذا المضمار الحيوى - لامد غير قصير - انما هو طابع " البراز " الضرورى بين " النزعة القومية " الضيقة الافق ، القريبة الاهداف و " النزعة الانسانية " الشاملة التى تطمح الى ارحب الاجواء ، وابعد الاهداف! وليس عن صدفة محض ان كان اثر من اروع آثار الشاعر الهندى طاغور عنوانه هذا العنوان البليغ " الدار والعالم " !

صحيح ان " حياة الفكر " عامة هى هذا البراز عينه . وصحيح ان المفكر فى اى قطر شئت ، وفى اى عصر شئت لس يمكن ان يحون " المفكر الاصيل " الا بفوزه بتحقيق " الاعتدال الحى " بين هاتين  النزعتين الاصيلتين فى الطبيعة الانسانية ، المخلصة - حى الاخلاص - لحقيقتها وحقيقة مطامحها !

وانما الذى اعنيه هو ان مشكل هذا " البراز الضرورى " سيكون اشوك ما يكون ، واعنف ما يكون ، واحد ما يكون بالاضافة لمفكرى الاقطار الافريقية والاسيوية فى هذا العهد المضطرب الشؤون ، المحكوم عليه - بطبيعة الحال - ان يكون " مفزرا " بين جارف التيارات التى تتقاسم العقول بالعالم ، وتتجاذبها خلافا !

وليس من شك عندى فى ان " اعظم مجد " يمكن للهند المعاصرة - مثلا - ان تطالب به - عن جدارة ! - فى هذا الصعيد - ان كان فى امكانها - ايام كفاحها الحيوى فى سبيل شرف الحياة ، وشرف الفكر - ان تؤكد ان " ضروريات " ذلك الكفاح المجيد لم تجرها الى " خنق " متباين النزعات متناقضها ! فامكن لعقول جبارة امثال عقول غاندى ، وطاغور ، واقبال - على ما بينها من تهاجر الانظار والنزعات - ان " تتساكن " مخلصة لعميق " مطامحها الوجودية " البعيدة ! وانه للامر العظيم !

ولا يمكن لك ان تخلص " لمتنوع " اصوات الفكر فى الوجود الانسانى اثناء زحفه النارى تحت هدى " لامع النجوم " الا اذا ما بنيت سلوك وتفكيرك واحساسك على قاعدة البر بالفكر ، والبر بالحياة فى آن واحد . وقد تكون موفقا - كنه التوفيق - الى الاعراب - صادقا فى اعرابك - عن " جنس " ذلك البر ان انت اكدت تأكيدا

سواء أكان الحديث عن رسالة الاديب ، او عن دين الشاعر ، او عن شرع المفكر او عما شئت من مهام ارباب القلم فليكن دينك الذى تدين به ان ليس هنالك اديب ، او شاعر ، او مفكر - مهما يكن عظيما - بحرى ان نضحى بجوهرى حاجات الحياة ، وبجوهرى اشواق الحياة ، بجوهرى حاجات الفكر وبجوهرى اشواق الفكر - فى سبيل الانتصار لما ذهب اليه هذا او ذاك فى شرحه رسالته ، او فى تحريره دينه ، او فى تحديده شرعه ، او فى دعوته الى ما شئت من المبادىء والتعاليم فى شأن فهمه الحياة وشؤونها ! فالحياة ، وشؤون الحياة . والفكر وشؤون الفكر اوسع ، واعمق ، واغزر من ان " تحصر " فى فهم هذا او فى فهم ذاك

فقد يشاهدها هذا من جانب . وقد يشاهدها ذاك من جانب آخر . وقد ينبض احساس هذا بشؤونها على وتيرة واسلوب ، وقد ينبض احساس ذاك بامرها على وتيرة اخرى واسلوب آخر . ولا الحق كل الحق وقف على هذا . ولا الباطل كل الباطل سيمياء ذاك . ذلك ان هذا قد يكون اشع قلبه بقبس من اقباس الحياة والفكر ، فى حين ان الآخر قد يكون قلبه اشع بقبس آخر من اقياس الحياة او الفكر ! ولك ان تعتبر " المعيار " الذى تعاير به الاشياء اعتقادك الجزم ان ليس لرسالة الاديب ، ولا لدين الشاعر ، ولا لشرع المفكر ولا لأية مهمة من مهام ارباب القلم من قيمة اومن شرف ، او من شأن الا على قدر توفيقها - ان قليلا او كثيرا - الى الاخلاص لجوهرى حاجات الحياة وجوهرى اشواق الحياة لجوهرى حاجات الفكر ، وجوهرى اشواق الفكر ومهما كان الاديب او الشاعر ، او المفكر عظيما فانه يصعب عليه - بلغ ما بلغ اعجابك به او تحمسك له او اخلاصك لتعاليمه - ان تجزم بانه " وسع " كل حاجات الفكر ، وكل حاجات الحياة ! فالحياة والفكر - معدنا وشوقا - انبجاس ابدا متجدد لمتجدد الحاجات والاشواق ! والفكر والحياة - قضاء وقدرا - تطور متصل لا ينفك يستبدل مظهرا بمظهر ، واسلوبا باسلوب ونموذجا بنموذج ! وليس الاديب ، وليس الشاعر ، وليس المفكر الا " عملة " ابدا يعملون - كل لما يسر له من ضروب الاخلاص لشؤون الحياة ، ولشؤون الفكر - فى سبيل " اجلاء " ما للحياة وما للفكر من الحاجات الجديدة والاشواق الجديدة . وفى نطاق ما يتخيرونه من مبتكر المظاهر ، والاساليب والنماذج فى حلبة المشاعر . والفكر اثناء نشدانهم - دائما - العروج بالانسانية الطريقة التى هى انسانيتهم من وراء ما يعزفونه من متنوع " التقاسيم " التى تؤلف " سنفونية الحياة " و " سنفونية الفكر " !

ان كان هذا هو البر بالحياة ، والبر بالفكر معا افليس من البدهى ان اعظم واجب تلقيه " الحياة " ، ويلقيه " الفكر " على عاتق كتاب افريقيا وآسيا انما هو فى " ايقاظهم " مختلف " الطبائع " الافريقية ، والاسيوية حتى يصبح ميسورا لها من جديد - بعد الليل الاليل الذى غمرها دهورا فعقم فيها المواهب والقرائح - ان تشارك فى " سنفونية الحياة " وفى " سنفونية الفكر " بفضل ما تزخر به " طبائعها الحية " من مختلف كنوز الاحساس ، والادراك

أليس هذا " دستور البعث " الذى نرومه ونسعى فى سبيله ؟ أليس فيه اشباع - فى عين الحين - " للنزعة القومية " وللنزعة الانسانية الشاملة ؟ فهل فى سبل هذا البعث عاملون ؟ وهل انتم لسننه مخلصون ؟

اشترك في نشرتنا البريدية