الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

دور الكلمة في التركيب اللغوي

Share

لقد استبحر النحو وفاض بالآراء والمذاهب فيضا فأبقت لنا الايام من جهاد النحاة المتقدمين تراثا عظيما ضخما وظفر نحو اللغة العربية بما لم يظفر به نحو لغة أخرى من الدراسة والبحث والاستقراء والتعمق واتساع التأليف وغزارته وشموله ، فكان الكتاب الشهير أعنى كتاب سيبويه أو « الكتاب » كما كان يسمه المتقدمون من قبل وهو قدوة ومثل فى البحث والتعمق والنظرة الشاملة الفاحصة الدقيقة .

وبعده تعددت المدارس النحوية ونعنى مدارس البصرة والكوفة وبغداد ثم مدارس المدن الكبرى فى مصر والشام والمغرب والاندلس - ولكل مدرسة علماؤها وكتبها وكذلك منحاها واتجاهها . وتجدر الاشارة الى أن الحياة العقلية للمسلمين تأثرت بهدأة أو غفوة نتيجة الثورات والانتفاضات ونتيجة الحكم المطلق وطغيانه فوقع الوقف على الكتب القديمة وسد باب الاجتهاد وأصيب النحو بصبغة من هذا الجمود .

وبتوالى الزمان وفى عصرنا الحاضر اضحينا نعتبر أن فى مجرد تفسير عبارات النحاة نوعا من الاجترار العقلى لا يليق بالحياة التى نعيشها ولا بنهضتنا العقلية فى جميع المجالات وبالخصوص فى هذا الدور الحاسم من أدوار الثقافة العربية .

ويهمنا قبل كل شىء أن نبسط مشكلة دقيقة من مشاكل التحليل العلمى ونقصد بها ما يسمى بالوحدة التحليلية . فالمقالة كما هو متفق عليه كل اذا نظرنا اليها باعتبارها مجموعة من الجمل والجملة جزء اذا اعتبرنا انها تكون مع غيرها من الجمل المقالة ، غير أنه اذا نظرنا اليها باعتبارها متكونة من أجزاء هى كلمات فهى كل ينقسم الى اجزاء يعرف كل منها باسم « كلمة » والكلمة

أيضا كل يتفرع إلى أجزاء صوتية تعرف باسم الحروف وهذه بدورها كل آخر أجزاؤه وأقسامه الظواهر الصوتية التى يهتم بها علم الاصوات ويدرسها .

لقد أقحم النحاة العرب هذه المعطيات كلها فى تحليلهم ونظرياتهم النحوية وتدرجوا بها هذا التدرج الذى سبق ذكره . ويتجلى ذلك واضحا بينا فيما اعتبره النحاة من أقسام الكلمة وفيما يلى سلسلة من التعريفات التى اتفق عليها النحاة العرب :

اللفظ : وهو مجموعة من الاصوات الانسانية أفادت أو لم تفد .     القول : وهو مجموعة من الاصوات المفيدة وهو كل ينقسم الى كلم وكلمة .     الكلم : هو ما دل على أكثر من معنى مفرد . والكلم بدوره ينقسم الى قسمين : ما يدل على أكثر من معنى مفرد ولكنه غير كامل وهذا لا يعمل به وليس له من اعتبار مثل : إن جاء ... وفى الجملة معنى الشرط ومعنى الحدث ومعنى الفاعل . وهذه المعانى بدورها لا تكون فكرة تامة كاملة . أما القسم الثانى من الكلم فقد أطلق عليه النحاة اسم الكلام .

الكلام : وهو الذى دل على أكثر من معنى مفرد أفاد فائدة تامة كجملة « على صاح » وهى تركيب يدل على أكثر من معنى مفرد . ( الذات والحدث ) وتعبر عن معنى وفكرة كاملين .      أما الكلمة فهى مجموعة من الاصوات تدل على معنى مفرد .

وهكذا يتبين أن المستعمل من التقسيمات السابقة قسمان : الكلام والكلمة . والكلام يمثل الكل الذى يتكون من أجزاء يسمى كل منها باسم الكلمة .

وقبل الشروع فى توضيح الطرق التى تستعمل فى العربية لتحديد دور الكلمة فى التركيب اللغوى أشير الى وجود مدرستين تنتهج كل منهما سبيلا: الاولى تبدأ بالجزء وتنتهى منه الى الكل . والاخرى تعتمد العمل العكسى مثل من ينظر الى البناء الكامل ويتبينه حجرا حجرا دون ان يزيح حجرا واحدا من موضعه فى البناء .

وقد اعتبر الاتجاه الاول صنيع من يكون الشىء اما الاتجاه الثانى فاعتبر عمله صنيع من يصف تكوينه . وهذا الفرق بين من يبنى البناء ومن يصفه هو نفس الفرق بين المدرسة اللغوية التقليدية ومنها مدرسة النحاة العرب وبين

المدرسة اللغوية التحليلية الجديدة التى تصف التركيب اللغوى دون فصل بين أجزائه وقد اختارت المدرسة النحوية العربية أن تبدأ بالجزء حتى يكون الانتهاء الى الكل ، فكان من مقتضيات هذا الاتجاه تفكيك الكلمة الى أجزاء عند اعرابها كاعتبار التاء فى «قلت» كلمة مستقلة عن الفعل واعتبار الفعل فى هذا المجال برد الالف التى لا وجود لها فى الواقع كما يدل على ذلك قول النحاة التقليدى فى اعراب هذه اللفظة : ( قال : من قلت : فعل ماض ... الخ ) .

لقد رأى النحاة أن هناك كلمات تدل على ذوات وأخرى تدل على أحداث وثالثة على علاقات فقسموا الكلمة الى اسم وفعل وحرف . وتفسير دلالة الكلمة على معنى فى نفسها أنها لا تعبر عن مجرد العلاقة بين أمرين آخرين، فلفظة علي أو محمد دلت على الذات التى وضعت الكلمة لها وكذلك كلمة «ضرب» تدل على الحدث الذى وضعت الكلمة له فى ظرف خاص أما الكلمة الى كما فى جملة « ذهب الولد الى علي » فلا تدل الا على علاقة بين الحدث الذى يعبر عنه بالكلمة « ذهب » وبالذات الذى يعبر عنها بالكلمة علي - لهذا يرى النحاة أن كلمة مثل « إلى » لا تدل على معنى فى نفسها بل فى غيرها - وكثير من النحاة هنا قد أخطأ الصواب فكلمة « إلى » قد دلت على معنى فى نفسها هو العلاقة التى تضفيها على الكلمة التى تشير للحدث والكلمة التى تشير للذات فى المثال السابق ولو كانت هذه العلاقة موجودة فى هذين الكلمتين لأدت المعنى دون حاجة الى وجود الكلمة « إلى » ولكان من الممكن أن نقول : « ذهب الولد علي » فتفيد المعنى الذى تؤديه جملة « ذهب الولد إلى علي » .      إن الكثير من النحاة أخطأ نتيجة عزوفهم وابتعادهم عن دراسة خصائص العربية ذاتها دراسة دقيقة متعمقة .

فبتقسيم الكلمة الى الانواع الثلاثة نلاحظ نقص التعريف النحوى وقصوره عن أن يكون جامعا مانعا كما يريدون للتعريف أن يكون . فالملاحظ أن النوع الذى يطلقون عليه « اسم فعل » كقولك صه بمعنى اسكت ، وهيهات كان الاجدر بناء على تعريفهم للفعل أن يطلقوا على « صه » أو « هيهات » فعلا لانها دلت على حدث فى زمن ما . وما حجة النحاة فى ذلك الا لان هذه لا تقبل علامات الافعال وبالتالى فهى ليست بأفعال . وحرصا منهم فى اكمال نقص تعريفهم أفردوا لكل نوع من أنواع الكلمة علامات فالاسم علاماته الجر بحرف الجر أو بالإضافة لنداء سواء باستعمال أداة النداء أو بدون استعمالها . وأداة التعريف وامكانية وقوع الاسم مستندا اليه . أما الفعل فعلاماته أيضا كثيرة كامكانية الحاق تاء الفاعل به مثل « ضربت » وامكانية الحاق تاء التأنيث

الساكنة ، أما اذا كان الفعل مضارعا فمنها امكانية دخول لم الجازمة عليه . وأما الامر فعلاماته مشتركة بن المضارع والامر كامكانية دخول نون التوكيد أو ياء المخاطبة .        بقي الحرف فان علامته سلبية وهى كونه مخالفا لما سواه من الاقسام .

هذا وان هناك تقسيما باعتبار قابلية الحرف الاخير لحركات مختلفة فمن الكلمات العربية كلمات يلتزم الحرف الاخير منها حركة واحدة ومنها كلمات يقبل هذا الحرف فيها حركات مختلفة ويسمى النوع الاول مبنيا والثانى معربا .

وعلل الاعراب فى الاسماء والافعال كثيرة وقد تردد النحاة فى تعليل الاعراب والبناء بين أمور كثيرة منها :      أولا : تقرير نوع الكلمة قوة وضعفا وتمييز القوية بالاعراب وانتقاص الضعيفة بالبناء .     ثانيا : تعليل الاعراب بحاجة الكلمة الى الحالات الاعرابية لتحديد معناها والبناء بعدم حاجتها لها .

وباعتبار ما تقدم نستطيع القول بأن لكل لغة من اللغات طريقتها فى تمييز الدور الذى تقوم به « الكلمة فى التركيب اللغوى » ومن الطرق التى تتبعها اللغات لتحقيق هذا الغرض الحالات الاعرابية ووضع الكلمة فى الجملة .

ويظهر أن اللغة العربية الفصحى تمثل مرحلة متوسطة بين التزام الحالة الاعرابية وبين التخلص منها والجنوح الى مكان الكلمة فى التركيب حتى ان اللهجات العامية وصلت الى نهاية المرحلة بتخلصها من الاعراب واقتصارها على مكان الكلمة فى التركيب فمثلا : محمد فى « محمد ضرب » فاعل وفى « ضرب محمد » محمد مفعول فى اللهجة الدارجة التونسية أو بالاحرى العامية .

وعلى كل فالملاحظ أن اعتماد العربية الفصيحة على الحالة الاعرابية ليس اعتمادا تاما كاملا . ولكم ذهب كثير من النحاة فى تعليل بعض الاعرابات ألف مذهب ولكن نظفر فى البعض منهم برغبة فى العودة للواقع والاعتراف به ، نلاحظ ذلك وهذا كمثال فى قول الخضرى على حاشية ابن عقيل حين حديثه عن باب المعرب والمبنى فى جملة « ما صام زيد واعتكف » . ( العمدة فى هذا ترجع للسماع وأن العلل حكم تلتمس بعد الوقوع ) .

اذن فهذا علم من أعلام النحو أقلع عن التدليل واكتفى بتقرير الواقع ولا غير . ثم هناك نظرية التقدير التى احتلت دورا كبيرا فى النحو العربى . وذلك لان النحاة كثيرا ما لجأوا اليه لتصحيح رأي قالوا به وزكوه ، والتقدير ولا شك افتراض وهو ليس لغويا لفظيا بل دلاليا . ولهذا السبب رفض الكثير من النقاد المحدثين للنحو العربى نظرية التقدير باعتبار ان الكلمة مجموعة من الاصوات الملفوظة بالفعل لا الملحوظة فى الذهن وسواء كان التقدير كلمة أو حركة فى آخرها .

والى هنا ألاحظ أن البحث واسع مستفيض وأن مجال الكتابة يتطلب صفحات كثيرة لا يسمح هذا المجال لتقديمها .       إن الاسم والفعل والحرف باعتبار تقسيم الكلمة تقسيما عاما كل منها يتفرع إلى أقسام فرعية . وهكذا تتزايد عناصر الموضوع وتكثر وتتشعب لكن حسبنا الحصر والتدقيق فى اطار الجملة التى يرى النحاة القدامى بأن تقسم الى صنفين اسمية وفعلية بينما يرى المحدثون أنها نوعان : اسنادية وغير اسنادية .       لقد مر مجال الجملة ومداه بدورين :

أما المبكر منهما فلم يفرق بين نوعها الاسمى ونوعها الفعلى تفريقا حادا بل اعتبرها كما يعتبرها البلاغيون اسنادا مكونا من مسند ومسند اليه . واما الدور المتأخر فقد انفصلت فيه الجملة الاسمية عن الفعلية وبوبت الاحكام لكل منهما وفصلت على ما نرى بين أيدينا اليوم .

لقد قام تفكير البلاغيين ومن قبلهم سيبويه على أساس أن الفعل والخبر يمثلان المسند . وأن الفاعل والمبتدأ يمثلان المسند اليه ونود هنا أن نلفت النظر الى التناقض الذى تجره نظرية الفاعل الذى يسد مسد الخبر فى هذا الصدد . وفي المثال « أقائم محمد » تعرب « قائم » مبتدأ أى أنها مسند ال اليه وتعرب « محمد » فاعلا أى أنها مسند اليه ايضا . ومقتضى هذا وجود جملة تتكون من مسندين اليهما ولا غير . ولو قيل بأن « محمد » قد سد مسد الخبر وأنه بذلك مسند لكانت هذه الكلمة مسند أو مسندا اليه فى نفس الوقت ، وهو أمر غير منطقى ولا يقبله عقل .

ثم ان هناك موضوع المطابقة بين طرفى الجملة وقد وضع النحاة لها قاعدتين احداهما للجملة الاسمية والثانية للجملة الفعلية . وقد قالوا بأنها لازمة فى الاولى بين المبتدا والخبر وبأنها ممتنعة فى الثانية إذا كان الفاعل أو نائبه مثنى أو جمعا حيث يتحتم فى هذه الحالة بقاء الفعل فى صيغة المفرد . ولم

يمكن النحاة فى هذا التفريق محكومين بالدافع اللغوى بمقدار ما كانوا مدفوعين باعتبارات فلسفية لا علاقة لها باللغة وتظهر عدم واقعية النحاة أيضا فى بعض العبارات التى يستعملونها كعبارة ابن عقيل بجواز تقديم الفعل مثنى على الفاعل المثنى وأشار إلى من منع ذلك وكأن الامر تشريع قائم على المنطق ...

إن عملية تحليل الجمل أو الاعراب ليست سوى تعيين المواقع الاعرابية فيها وهى بهذا الاعتبار لا ترتبط بالمعنى القاموسى للالفاظ بل بوظيفتها فى التركيب الجملى . فاعراب جاء محمد يجب أن لا يختلف عن اعراب دخل علي بالرغم من اختلاف المعانى القاموسية لمفرداتهما وبالمثل ينبغي أن يكون الاعراب فى « اكرامى الضيف موجودا » مماثلا لاعراب « ضرب العبد مسيئا » وذلك لان كلا التركيبين يحتوى على نفس العناصر والوظائف التركيبية التى فى الآخر بقيت الوظيفة الدلالية للافعال الناسخة فالملاحظ ان النحاة عالجوها من وجهة نظر واحدة هى التى سموها بالعمل . وذلك لان قيمة النواسخ عندهم هي تأثيرها على شكل الكلمة أو الكلمات التى تتبعها . وليس من شك فى أن وظيفة الافعال الناسخة لا تنحصر فى مجرد أثرها الاعرابى ولكن لها وظيفة خاصة بدلالة التركب الذى توجد فيه .

بقيت مشكلة التعدية واللزوم فالملاحظ أنه لا تعدية ولا لزوم ثابتان فنحن عند اللغويين ملزمون بأن نحفظ تفصيلا كل فعل وبأى حرف من حروف المعانى يتعدى وبمواصلة الالحاح كانت المذاهب المختلفة المتباينة وكان التضمين النحوى والتضمين البيانى ولعل من أبلغ الشواهد دلالة فعل رغب ومثله كثر فنحن حين نقول : رغب به، نعنى مال اليه. وحينما نقول : رغب عنه، نعنى نفر ، وإنما تغيرت واختلفت دلالة الفعل الواحد هذا التغير الكبير الواضح نتيجة لتوحد معنى الفعل والحرف توحدا يجعل من كل منهما فعلا جديدا مستقلا عن الفعل الاصلى الساذج وأن كلا منهما مع حرفه المصاحب قدر مشترك .

أخير ونتيجة لذلك لا بد من استخلاص الوحدة المعنوية فكثيرا ما اتهمت العربية بأن الكلمة فيها تنشر جناحيها وتطويهما على معان شتى من كل واحدة .

إن الكلمة عقل مطوى وأحاسيس وصور ودورنا اليوم أن ننظر ما فى طياتها من صفات بدون تقيد باشكال ليس لها اعتبار او مفهوم ومنذ زمن بعيد كانت المدرسة اللغوية وخصوصا فرع البصرة معتمدة السببية العقلية اعتمادا مطلقا أدى التمكين لنظرية العامل فى تعصب مقيت وتعسف

كبير ... فوقف صنيعها بالعربية وقوفا ظهر أثره الواضح عندما حدث داخل مجتمع اللغة العربية تراكم في الكمية اللغوية لاشتات الشعوب وللغاتها المختلفة المتباينة . وهكذا وبدل أن يكون التطور والتكيف مع الجديد انكمشت على نفسها واكتفت بزادها القديم بل واتجهت وجهة أخرى مغايرة للاخذ من المعين الاصلى الخالص واتخذ التكيف الجديد سبيله الى ابداع الاشكال اللغوية الدارجة وأضحت العربية الفصيحة بعيدة عن حاجة الواقع والجماعة يوما بعد يوم مما دفع بالكثير الى مقاومة مثل هذا المنحى والسعى للاعتماد على كلمات دقيقة معبرة حتى ولو كانت دخيلة من لغة أخرى اعتبارا بالعبرة من المقصود المفيد وكفى بذلك بيانا وايضاحا .

اشترك في نشرتنا البريدية