الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

دور كليات التربية فى تنمية الفكر التربوي العالمي

Share

تمهيد

تضطلع كليات التربية "*" فى كل بلدان الدنيا عادة بتخريج المربين على اختلاف أصنافهم . الا ان هذا التخريج لا يكون أصيلا الا اذا قام على أساس نظرة شاملة الى رسالة المربى فى المجتمع سواء اعتبر هذا المجتمع بمفهومه الوطني المتعارف او عنى به المجتمع الانسانى فى معناه العام . ولربما كانت النظرة الاولى الى المجتمع لا تفوز بما فى المجتمع الوطني من خصائص جوهرية ولا بما فيه من مميزات نوعية الا اذا اشتقت من النظرة الثانية التى تصهر المجتمع الوطني فى المجتمع الانسانى العام لتتعقب مشاكل التربية من الافق البعيد الى المجال القريب ومن المفهوم العام الى المفهوم الخاص باحثة بذلك عما اتصل باعماق التاريخ من جذور هذا الانسان المعاصر . وفي ذلك ما يجعل وظيفة كليات التربية تختلف تماما عن وظائف مختلف الكليات الاخرى . فان كانت كليات الطب او الهندسة مثلا تستهدف اعداد الاطباء او المهندسين بتزويدهم بمقادير من مختلف العلوم تساير مقتضيات العصر وبجملة من الخبرات والمهارات تضمن لهم نصيبا من النجاعة فيما هم عليه مقدمون من اعمال ، فان كليات التربية لا يمكنها أن تقتصر على هذا او ذاك بل لا بد لها بالاضافة الى المعرفة والخبرة ، من أن تزود خريجيها بنظرة خاصة الى المعرف مهما كانت والى الخبرة مهما ارتفعت وهي نظرة مشتقة من فلسفة شاملة في الحياة ومن موقف كلى من الكون ومن الانسان . وفي ذلك ما يبرز دور فلسفة التربية فى تخريج المربين

دور فلسفة التربية واهميتها فى اعداد المربين

تبدو أهمية هذه الفلسفة واضحة جلية ان نحن نظرنا الى التربية من حيث هى ضرب من المعونة يقدمها انسان ناضج راشد الى من لم يبلغ بعد سن الرشد ولا منتهى النضج . كذلك تتضح أهمية هذه الفلسفة اذا نظر إلى المربى ) طفلا كان أو مراهقا أو كهلا ( على انه غاية لذاته وطاقة روحية وفكرية ووجدانية وجسدية كامنة كمون النار فى الحجر تستهدف التربية ابرازها بفادح من روح المربى . من هنا يتضح أن دور المربى لا يقتصر على توزيع المعرفة ولا هو ينحصر فى تكوين المهارات بل يرتفع الى اعانة المربى على تحقيق ذاته وعلى تفجير ما أودع فيه البارىء من طاقات وامكانيات كامنة ما زالت تحار فى ادراكها عقول المتفلسفين والمتخصصين فى علوم التربية .

فلئن جاز للطبيب ان يبتعد بفنه عن التفلسف فى معاني الحياة والموت الى تلك الحدود التى يقف فيها الطب عاجزا عن مغالبة الموت اى ان حق له ان يكتفى فى علاج مرضاه بالاقتصار على معطيات العلوم التجريبية فانه بحق للمربى مهما كان اختصاصه ان تفارقه هذه النظرة الفلسفية الى فنه والى صلته بمرباه . وذلك لان علاجه لهذا المربى ليس علاجا فى مستوى معين كما هو الشأن بالنسبة الى الطبيب ) فهو يعالج الجسد ان كان طبيبا جسديا او بعض اختلالات السلوك ان كان طبيب أمراض عقلية ) بل هو علاج كلي يتناول الروح والفكر والوجدان وكذلك الجسد

ولربما اتضح الفرق بين الطبيب والمربى بصورة أدق عند صدور الخطأ عن كل منهما : فخطأ الطبيب قد يفضى الى قتل الجسد اى الى موت المريض وخطأ المربى يفضى الى قتل الروح والفكر والوجدان مع الحفاظ على نوع من الحياة النباتية لمن كان عرضة لهذه الجريمة . وهو أدهى وأمر ! وما هو افظع منه ان كل المجتمعات قد تحاكم الطبيب عند وقوعه فى الخطأ وهي لا ! تلتفت الى " المربى " عند ارتكابه الجريمة

لذا كان التفرغ للتربية يستلزم ، بالإضافة الى ما يشترط فيه من اكتساب لعناصر المعرفة وتدرب على جملة من الخبرات ، التمسك بنظرة فلسفية تضبط صلة المربى بالتلميذ وصلة كل منهما بالانسان فى معناه المطلق وبالكون وبمصدر الكون أى بالله . الا ان قولا كهذا قد يكون ذريعة لفتح المؤسسات التربوية فى بلادنا لكل التيارات الفلسفية التى أثرت في التربية شرقا وغربا فى دون ما حفاظ على شخصيتنا واصالتنا . والجواب

عل هذا هو ان فلسفة التربية فى أى مجتمع كان لا تنشأ بمحض ارادة المربين وليست هى ابداعا من العدم . بل لا بد من التيقن ان لكل نظام تربوى مهما كانت فلسفته سواء كانت هذه الفلسفة صريحة معلنة او ضمنية مستتره فهي تقوم من المؤسسة التربوية مقام الروح من الجسد : عليها تتوقف الوظائف الحيوية وبها يزداد النشاط أو ينقص ومنها تنبع الحياة فى كامل الجسد أو تغور

والمؤسسة التربوية منظومة فرعية مشتقة من منظومة اشمل وأعم وهي المجتمع الوطني بمختلف مؤسساته . لذلك كانت فلسفة التربية فى كل العصور وفي كل المجتمعات نابعة مما قامت عليه المجتمعات من آراء وتصورات أقامت على اساسها واقعها وتطلعت من خلالها الى مستقبلها

لكن ان صح هذا بالنسبة الى البلدان التى جاءت مقوماتها الذاتية مقتصرة عليها فانه لا يصح بالنسبة الى كل بلد عربي على حدة لان المقومات القومية فى هذه البلدان لا يمكن تصورها منفصلة عما هو مشترك بين كل الافطار العربية بل وحتى بين كل الاقطار الاسلامية . وفي هذا ما يجعل المجموعة العربية تختلف عن بقية المجموعات الأخرى التى تسعى الى التقارب والتألف مثل المجموعات الاوربية وذلك لان هذه المجموعات تسعى الآن بوازع المصلحة لا بوازع العاطفة او العقيدة او التاريخ المشترك - الى التقارب بعد التجافى والعداء الذى عرفته منذ بداية التاريخ فى حين أن المجموعة العربية تسعى الى اعادة وحدتها بعد ما شب فيها الشقاق والتجافى والتباعد نتيجة عصور الركود ونتيجة الاستعمار . الا ان سعيها الى اعادة ائتلافها بعد اختلافها قد يخشى عليه ان يقوم على شئ من الوهم ان نظرنا الى المجموعات الوطنية متفرقة واعتبرنا ان ما يتم لكل منها من نهضة منفردة قد يفضى - ان هو تجمع - الى نهضة عربية شاملة . في ذلك يكمن الخطأ الذي حصل للحركات الوطنية المنبثقة من حركة النهضة اذ قامت هذه الحركات على افتراض خاطئ يقضى بتوفر الكل لمجرد تجمع الاجزاء . وليس أدل على ذلك الخطأ مما تقاسيه مختلف الدول العربية اليوم لا فى مجال التربية فحسب بل وكذلك فى بقية المجالات الاخرى فبالرغم مما يوجد من تكامل بينها فهى ما زالت تتوهم ان سبيل النجاح والخروج من التخلف يمكن أن تشققه كل منها على انفراد فى الوقت الذى نرى فيه دولا كبرى مثل ألمانيا وفرنسا وغيرهما من الدول الاوروبية تعمل على التجمع وتوحيد الصف لمصارعة تحديات العصر . وما يزيد في هذه الحيرة أن مختلف الاقطار العربية اليوم كأنها نسيت أو تجاهلت أن ما أدى بها الى

الهزيمة بعد النصر والى المذلة بعد العز انما هو انقسامها واختلافها وتجافيها . فعوض ان تعتبر بذلك فهى ما زالت متشبثة بمبدا الانفراد والعمل المنعزل فى نطاق الوطنية الضيقة معتبرة فى ذلك ما خلفه الاستعمار فينا من ان لكل قطر خصائصه المميزة له ومصالحه التى لا يشاركه فيها احد وشخصيته التى لابد من ان يذود عنها . فأية خصائص وأية مصالح وما قيمة هذه الشخصية ان كان ما يميزنا اليوم هو التخلف وما نختص به هو الفقر والجهل والمرض وما نذود عنه هى التفرقة التى أقرها الاستعمار لكى يضمن مصالحه فى هذه الديار الى أبد الدهر وهذا الهوان الذي نقاسيه من جراء هزائمنا المتتالية ؟

ثم لا ننس ان سياسة الانعزال والتفرقة والنزاع وما يتبعها من تصور ضيق للمصلحة الوطنية قد أدت الى عدم الاكتراث بالمستقبل القريب والبعيد والى الانهماك فى مطاردة المصلحة العاجلة حتى ولو كانت هذه المصلحة مجرد أوهام يزينها الاستعمار الجديد فى عيون الرعاة والرعية حتى تبقى تركض وراء السراب فيتسنى بذلك تسخيرها لغير ما تقصد اليه واستغلالها من حيث لا تدرى . فلا غرو اذن ، والحال هذه ، أن تكون مؤسستنا على غير هدى وان يبقى مجتمعنا قائما على غير أساس وان تأتي التربية فى مثل هذه الاجواء خالية من كل فكر تربوى يغلب عليها الارتجال والتذبذب والتبعية وهذا ما وقفت عنده لجنة وضع استراتيجية لتطوير التربية فى البلاد العربية عند وصفها لحاضر التربية فى البلاد العربية ، اذ ورد فى الصفحة 227 ( الفقرة 11-7-4( من تقريرها ما يلى : " وهناك غياب فكر تربوى عربى وفلسفة موجهة للجهود المبذولة فى البلاد العربية . فالانطلاق الى التوسع وزيادة حجم المسجلين فى التعليم ينبع أساسا من احساس بأهمية التعليم ومن رغبة الجماهير فى تعويض ما فاتها ومن سعى كل بلد عربي الى تعزيز استقلاله ولكن هذا الاحساس لا تشفعه رؤية مستقبلية لمطالب المجتمع العربي مستندة الى دراسة وافية لامكاناته البشرية والمادية وأساليب تحويلها الى طاقات فعالة للتغيير الحقيقى على الارض العربية تحقق للامة العربية كلها القوة الذاتية " ) 1 ( ومثل هذا الفراغ الذى سجلته " لجنة وضع الاستراتيجية لا يمكن ان يعزي فقط الى عدم مبالاة المسؤولين عن التربية فى الاقطار العربية او الى عدم اكتراثهم بالمسائل الفلسفية فى هذا الميدان - طالما اقتصر

جهدهم على تعميم التعليم مهما كان نوعه وعلى تكوين ما يسمونه اطارا " مهما كان هزيلا - بل وبالاخص يعزي هذا الفراغ الى ما انتاب مؤسسستنا من استنزاف لطاقاتها المعنوية والروحية حتى اصبحت جثثا هامدة تتألف من دواليب آلية تدور الى غير ما غاية وتعمل الى غير ما هدف . فاحساس الجماهير بالحاجة الى التعليم ورغبتها فى تعويض ما فاتها منه - على حد ما ورد فى تقرير اللجنة - ليس الا احساسا ناجما عما تركه الاستعمار فينا وكذلك عصور الركود من ان المدرسة مدرج للرقى الاجتماعى والاقتصادى والوسيلة الاولى للاسهام فى السلطان . وكان ذلك على شئ من الصحة لما عم الجهل سواد الامة وأنشأ الحاكمون ) من المواطنين أو من الاجانب المستعمرين ( مؤسسات تربوية كانت مقصورة على نخبة النخبة وهادفة الى تخريج من هم فى حاجة اليهم من اعوان وموظفين . وكثيرا ما جاء نمط هذه المؤسسات مستوردا من الخارج قائما على اساس المسخ وعلى قتل كل مشاعر الاعتزاز بالانتساب الى العروبة والاسلام . واستقر الامر هكذا بالبلاد العربية التى سلط عليها الاستعمار ، وهي اغلبية ، الى ان أحرزت على استقلالها السياسى وكان من المؤمل ان تعيد النظر فى أسس تعليمها الا ان ثقل الارث قد حال دون ذلك وكذلك قصر النظر والميل الى اليسر - ولا نقول عدم الوثوق بالمستقبل وقلة الايمان بالذات - كل ذلك جعل النظم التربوية الموروثة عن الماضي تبقى قائمة الذات فى أهدافها وبناها ومناهجها حتى وان ادخلوا عليها بعض التحوير فى برامجها واعتبروا ذلك اصلاحا وتأصيلا وليس ذلك بالغريب ما دامت فلسفة المجتمع - ان وجدت - هي تلك التى ورثناها عن طريق ما يسميه ابن خلدون " باقتداء المغلوب بالغالب " فنبذنا حتى ما صمد فى وجه الاستعمار من مؤسساتنا الاصيلة واخذنا نعمم على جماهير الشباب انماطا موروثة من التعليم لا تتصل بمقوماتنا الذاتية الا من بعيد ولا هي تحاكى مؤسسات الغرب الا فى شكلها السطحي . فانى لنا البحث عن نظرة مستقبلية لنظم كهذه او عن شعور الانتماء الى مجموعة بشرية اوسع نطاقا ، لها من الامكانات البشرية والمادية ما يجعلها قادرة على استرجاع قوتها ومجدها ؟ فحرص كل بلد على تعزيز استقلالها على انفراد وما ولد ذلك فى نفوس البعض منا من تعصب للوطنية الضيقة قد أدى الى اهمال الجوهر والتمسك بما خلفه الاستعمار فينا من اعراض . والتشبث بالوطنية الضيقة ان تسنى لكل شعوب الدنيا ان تسلكه فانه لا يتسنى للبلاد العربية مهما اشتدت فيها نعرة الشعوبية لاسباب طارئة او اثرت فيها المصالح العاجلة لمدة من الزمن او حركتها الحزازات والاحن . وذلك لان هذه الشعوب

1 - ليست مجرد مجموعة انسانية ألف بينها العنصر البشرى فى البداية ثم انقسمت الى دول مختلفة كما هو الشأن بالنسبة الى بعض البلاد الاوروبية

2 - ولا هي مجرد مجموعة ثقافية وحدت بينها عناصر اللغة والثقافة وفرقتها الاحداث التاريخية والسياسية مثل فرنسا من جهة وبلجيكا وسويسرا من جهة ثانية فى جزئيهما الناطقين باللغة الفرنسية .

3 - وليست كذلك مجرد مجموعة لغوية يوحد بينها استخدام لغة معينة كما هو الشأن بالنسبة لما يسمونه " بالفرنكوفونية " وهي مجموع الدول المستخدمة للغة الفرنسية ) فرنسا - بلجيكا - سويسرا - كندا - وعدد من الدول الافريقية ) .

4 - ولا هي من باب أحرى مجرد مجموعة بشرية اتحدث فى العقيدة وفرق بينها التاريخ والسياسة والنظم الاجتماعية والاقتصادية كما هو الشأن بالنسبة الى مجموع الدول التى تغلب عليها المسيحية

فما يميز الامة العربية اذن عن بقية المجموعات الاخرى الواردة فى التاريخ او القائمة بذاتها الى يومنا هذا هو ان مفهوم الامة العربية جاء مفهوما مؤلفا جامعا لعناصر العقيدة والجنس واللغة والثقافة ولما هو حصيلة كل هذا أى التاريخ . فمهما حاول الافراد وحتى المجموعات ان يتجاهلوا هذا الواقع فانه هو باعتباره واقعا حيا لا يتجاهلهم ولا يفرط فيهم سواء كان ذلك فى السراء او فى الضراء . فالنكبة الحاصلة لاى شعب من شعوبنا تنتابنا جميعا من حيث شئنا او من حيث لا نشاء ، وما يسجله اى شعب من شعوبنا او اى فرد منا من انتصار او اثر يذكر يولد فى نفوسنا جميعا شعور الاعتزاز والفخر آلامنا مشتركة لا تقف عند الحدود المصطنعة وآمالنا تجهل الخرائط . ومراكز الشرطة والجمارك . وعزنا وذلنا واحد مهما اجتهدنا فى توليد المعانى السياسية والسفسطة لليتبرأ بعضنا من بعض . والحقيقة ان هذه الوحدة القائمة بالفعل منذ انتشار الاسلام فى ربوعنا لها اسبابها ومبرراتها . فليست هى وحدة العقيدة فحسب بل هى نتيجة هذا التأليف الذى أشرنا اليه بين العقيدة والجنس واللغة والثقافة والتاريخ فنبقى فى هذا السياق مختلفين شيئا ما عن بقية الشعوب الاسلامية الاخرى كالباكستان وأفغانستان وايران وبعض مناطق الهند والصين وذلك لان الاسلام قد انتشر فى تلك الربوع ولم تنتشر فيها اللغة العربية فى حين أن بلاد الشام ومصر والعراق وفلسطين

والسودان والمغرب قد انتشر فيها الاسلام بفضل ما تم من حركة سكانية أدت الى اختلاط العناصر البشرية بعضها ببعض والى استقرار فئات كثيرة من العرب في تلك الديار فتم في نفس الوقت نشر الدعوة الاسلامية وبث اللغة العربية مع الحفاظ على بقائها باستقرار أبنائها فى تلك الاقطار واستيطانهم فيها الى هذا اليوم . ولا ادل على ذلك مما حصل فى الاندلس : فان ريح العربية قد ذهبت مع الاسلام بعد الاحتلال المسيحى ونزوح العرب عن البلد وما كان للغة العربية ان تبلغ ما بلغته فى الاندلس لو بقى فتح شبه الجزيرة مقصورا على برابرة طارق بن زياد دون دعم لهم من قبل أفواج الامويين النازحين من الشام . وكذلك الحال بالنسبة الى المغرب : فما كان للغة العربية أن تستقر فيه الى اليوم ولا ان تزدهر آدابها وعلومها مثل ما ازدهرت فيه لولا ما استوطن فيه من اجيال العرب المسلمين من عهد الصحابة الى أن تم زحف بني هلال وبني سليم فى بداية القرن السادس الهجرى . الا ان هذا الواقع الاجتماعى والتاريخي لا نفهم كيف يبقى الى يومنا هذا مؤثرا فى حساسية الافراد والجماعات مؤلفا بين المشاعر والتصورات ان نحن عددنا العناصر المكونة له واكتفينا . ذلك لان التاريخ يفيد بما يماثل التجربة العربية الاسلامية فى الماضى دون بقاء نتائج مماثلة لها الى اليوم : اشرنا بذلك الى الامبراطورية الرومانية التى اكتسحت الجزء الكبير من العالم بما فى ذلك جل البلاد العربية وكانت هذه الامبراطورية قائمة على وحدة النظام السياسى واللغة والثقافة والعقيدة ) فى الطورين الوثني والمسيحي ( وكذلك على انتشار العنصر البشرى الرومانى . الا ان اجزاء الامبراطورية قد تفككت بسقوط الامبراطورية وموتها الذي تبعه موت اللغة اللاتينية وموت المحافظات من حيث هى خلايا الامبراطورية فى حين ان سقوط الخلافة فى بغداد او سقوط الحكم العثمانى لم يفضيا الى اندثار الحضارة الاسلامية ولا الى موت اللغة العربية . والسر فى ذلك ان مفهوم الامة كما افرزته الحضارة الاسلامية العربية مفهوم ملازم لحساسية الانسان ولتفكيره وهو جزء جوهرى من كيانه وذاته . معنى ذلك أن الفرد فى هذه الامة يكون فى تفكيره وفي احساسه وفي عمله - سواء بالرجوع الى نظرته الى نفسه او الى نظرة الغير اليه - متأثرا عن شعور او عن غير شعور بانتمائه الى مجموعة بشرية امتدت أطرافها عموديا الى النبىء العربى محمد ) صلعم ) وأفقيا من المحيط الاطلسي الى الخليج العربي . ومهما تعنت المتفلسفون فى السياسة ومن لف لفهم من دعاة المذاهب المبتدعة فان الرجل العربى على اختلاف ملتوياته وتباين مداركه لا يخلو من هذا النوع من الحساسية التى تجعله لا يقنع بالمفهوم المصطنع للوطن كما فرضه الاستعمار

داخل حدود جغرافية مفتعلة بل يشعر فى أعماقه بانه فرد من امة واحدة فرق بينها الزمان واحداثه دون ما قطع لصلة الرحم بين افرادها وشعوبها : وفي ذلك سر من اروع اسرار الحضارة الاسلامية - العربية لا بد من الوقوف عنده ان نحن اردنا الفوز بما يمكن ان نعيد على اساسه بناء نظرتنا الى انفسنا والى الكون اى بناء فلسفة فى الحياة نشتق منها ما به تستقيم أمورنا فى هذه الدنيا . وهذا السر يكمن فيما نسميه بالمثل الاعلى الاسلامى وما كان له من دور فى خلق الثقافة الاسلامية العربية وانبعاث أمة بهذا المعنى الذى أسلفنا

المثل الاعلى والثقافة "2"

ان تفحص تاريخ الامم بصورة عامة وتاريخ الامة العربية بصورة خاصة يفيد بانه لا سبيل الى الرقي والتطور الا اذا وجد مثل أعلى تتسامى اليه النفوس وتتعلق به الهمم . وهذا المثل الاعلى لا تكون له فعاليته الا اذا لاءم طبيعة المجموعة البشرية فصادف منها الجوهر بأكبر مقدار من الجاذبية فيكون الانطلاق ويكون تفتح العقلية التى أثر فيها فتتفتق المواهب والاستعدادات الكامنة في الافراد والجماعات وتتحقق بذلك المعجزات . وهل اقرب إلى طبيعة الانسان من الاسلام ، دين الفطرة ؟ هذا ما نفهم به كيف تمكن النبى العربى ) صلعم ) من جمع شتات العرب وتوحيد كلمتهم وجعلهم متكتلين ومتآلفين ضمن أمة واحدة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله . وهذا ما يفسر انطلاق هذه الامة الفتية ، فى عقود معدودة ، انطلاقا يبعث على الدهشة ) 3 ( : فالعنصر الانسانى قد بقى هو هو من الجاهلية

الى صدر الاسلام الا ان العقلية قد انقلبت او قل لقد خلق الاسلام فى تلك المجموعة الانسانية عقلية جديدة هى التى ستمكن الامة الاسلامية الناشئة من القيام بتلك الفتوحات الرهيبة التى جعلت المسلمين يكتسحون العراق فبلاد فارس فالشام ومصر . ولم يمض قرن على انبثاق الدعوة المحمدية حتى انتصر المسلمون على البيزنطيين وبلغوا القفقاس والمغرب وصقلية واسبانيا ثم بخارى وسمرقند وخوارزم وفرغانة وطشقند الى ان بلغوا حدود الصين بعد ان فتحوا بلاد الهند . وما كان ذلك الا بدافع المثل الاعلى الاسلامى وما كان له من أثر فى نفوس البشر . ولم يحرك هذا المثل الاعلى النفوس العربية التى تلقت الدعوة من بدايتها فقط بل سرى الى كل الشعوب التى اعتنقت الاسلام فتم بذلك امتزاج العناصر البشرية المتباينة والعناصر الثقافية والحضارية المختلفة وتولد عن ذلك تأليف جديد أبهر العقول اذ جاء مخالفا للعناصر المكونة له دقة وشمولا ورقة وعمقا

وما يعلل ذلك أن تعاليم الاسلام كما تستخلص من القرآن والسنة قد ادخلت فى الاذهان مفاهيم جديدة رفعت العقل العربى من سذاجة البداوة التى غلبت عليها المحسوسات الى حياة تأملية زاخرة بالقيم الروحية والانسانية الخالدة التى ستعين على تمثل قيم الحضارات القديمة الآتية عن طريق الموالى فتنشأ بذلك حركات علمية لا عهد للعرب بها من قبل : حركة لغوية وحركة تاريخية وحركة فلسفية الى جانب حركة ادبية . وتشع المدارس فى كثير من المراكز والعواصم الاسلامية : مكة والمدينة ، البصرة والكوفة الا أن هذه الاسباب التى تجمعت وهذه المعطيات العديدة المتباينة التى اسهمت في تكوين الفكر الاسلامى الجديد سوف لن تأتي نتاجها المنتظر ألا بعد فترة اختمار ومخاض كان للعنصر الديني فيها الدور الاول وستدوم هذه الفترة طيلة العهد الاموى الى أن تنتصب الدولة العباسية فتكون التفاعل اذ ذاك قد تم بين كل هذه العناصر الثقافية التى أخذت تتجمع شيئا فشيئا وقد عمل المثل الاعلى الاسلامى على التوفيق بين اجزائها وعلى تنسيقها وتأليفها : فهذه معطيات التيارات الروحانية من نصرانية ويهودية تلتحم بعناصر الثقافة الهندية والفارسية واليونانية والرومانية فيضغط عليها روح الاسلام بعد ان صهرتها عبقرية اللغة العربية فتخرج للناس حضارة بل ثقافة ليست هى مجرد جمع لتلك الاجزاء بل هي تأليف جديد له خصائصه النوعية وخلق فى ابتكار وابداع . وفى ذلك اهم عبرة من عبر تاريخ الفكر الاسلامى - العربى . لان هذه الحضارة وان كانت فى جوهرها تأليفا لعناصر

مختلفة فهى تبقى فى شكلها وفي عبقريتها عربية صميمة . ولا غرو ما دام النبى ) صلعم ) عربيا والقرآن كذلك عربيا . وفى هذا تفنيد لآراء بعض المتحاملين على الحضارة العربية القائلين بان العرب قد قاموا بغزو مسلح للشعوب التى تألفت منها الامبراطورية الاسلامية الا ان هذه الشعوب قد غزت بدورها العرب فى مجالات الفكر والحضارة ويكون الفضل اذن في انبثاق الحضارة الاسلامية يعود الى هذه الشعوب . الا ان فى هذا تهاونا كبيرا بالتاريخ لانه لولا الاسلام ولولا قيام العنصر العربى بنشر الدعوة الاسلامية ولولا عبقرية اللغة العربية لما نشأت تلك الحضارة التى ليست مجرد اضافة الاجزاء بعضها الى بعض بل هى تأليف وخلق جديد لم يكن فى مقدور عبقرية الفرس ولا عبقرية الهند ولا عبقرية الروم . يقول سيد حسين نصر : " يصطبغ اعتناق الاسلام بصبغة الجنس وذلك لاعتماده لغة واحدة اذ هو يأتي ملازما لتاريخ العرب باعتبارهم امة . وذلك لان شعور الانتماء الى الجنس العربى يتجلى - وفى ذلك شىء من الغرابة - فى استخدام اللغة العربية أكثر مما يبرز من خلال النسب ، الى حد ان الاعتبارات اللغوية فى هذه الربوع تتجاوز المشاكل العنصرية والقومية وقد تسببها فى كثير من الحالات وذلك من أجل ما أسند الى اللغة العربية من طاقة روحية خاصة بانتخابها أداة للوحى الاسلامى . " ) 4 (

ثم ان الفكر الاسلامى - العربى كأنه لم يكتف بما سجله من تجربة فى المشرق فيبادر بتجربة جديدة مماثلة فى الاندلس لاقامة الدليل على قابليته للتكيف والخلق والابداع . فها هى العناصر الانسانية والثقافية المتباينة نشتبك فى الاندلس فينتج عنها تأليف جديد عرف بالحضارة الاندلسية تلك التى ادهشت الدنيا وما زالت تحار العقول فى سر انبعاثها اذ جاءت تفوق ومن بعيد ما كان قائما فى اسبانيا من حضارة مسيحية إذ ذاك وما هو مستورد من الشام من حضارة بني أمية . فهى قوة المثل الاعلى ، هي التى جعلت برابرة طارق بن زياد يكتسحون اسبانيا ويمكنون الاسلام منها فتتفجر حضارة جديدة لم تستطع المسيحية تحقيقها فى تلك الربوع بالرغم من اعتمادها على اكبر امبراطورية عرفها التاريخ . وفى كل هذا ما يجعلنا نؤكد القول بان العامل الاول فى تولد الحضارة الاسلامية العربية سواء نظر اليها فى المشرق

او فى المغرب انما هي قوة المثل الاعلى الذى جاءت به الرسالة المحمدية وان العامل الثاني هو سرعة اندفاع الفكر العربى وراء المثل الاعلى وأما العامل الثالث فيكمن فيما انطوت عليه عبقرية اللغة العربية من قدرة على الاستجابة لمتطلبات هذا الفكر

المثل الاعلى والمجتمع والتربية

قد يلوح ما تقدم بعيدا كل البعد عن موضوعنا الاول الا وهو " دور كليات التربية العربية فى تنمية الفكر التربوى العالمى . لكننى لا أظن أنه يغيب عن ذهن القارىء ان الاجواء التى عاشها المجتمع الاسلامى فى أطوار عزته فى المشرق وفي المغرب قد ولدت تربية مزدهرة إلى أقصى حد اذ كانت الحياة بصورة عامة فى ازدهار مطرد . وما التربية الا وجه من وجوه الحياة في المجتمع تزدهر بازدهارها وتذيل بذبولها . فالعواصم السياسية فى البلاد الاسلامية كانت فى نفس الوقت عواصم ثقافية ومراكز علمية ازدهرت فيها المؤسسات التربوية على اختلاف اصنافها ومستوياتها . فمن المدينة المنورة الى الكوفة والبصرة فدمشق فبغداد ، ومن القيروان الى قرطبة ومن القاهرة إلى فاس وتلمسان كانت المؤسسات التربوية والعلمية تشع على كامل انحاء الدولة الاسلامية وكذلك على اجزاء كبيرة من العالم تلك التى كانت تتطلع الى الحضارة الاسلامية العربية وتحاول التعرف عليها والاقتباس منها ونخص بالذكر منها أوروبا الجنوبية التى اعترف فى عصرنا هذا أن نهضتها قد أقيمت على ما اقتبسته من الحضارة الاسلامية - العربية . ولم يكن العرب فى طور عزتهم فى حاجة الى تغذية الفكر التربوى او الفكر العلمي بصورة عامة فى بقية انحاء العالم عن قصد وبصورة مباشرة بل كان تقدمهم واشعاعهم كفيلين بذلك . والعبرة من هذا هي ان المجموعة العربية كاية مجموعة انسانية اخرى لا يتسنى لها أن تسهم فى تغذية اى نشاط عالمى الا اذا كانت فى طور صعود وارتقاء لا فى طور ركود أو انحطاط . ومعنى ذلك أن الاسهام فى تنمية الحضارة الانسانية لا يتسنى لامة من الامم إلا إذا كانت قادرة على خلق قيم جديدة تثرى بها التراث البشرى وتزكى بها تقدم العلم والحضارة بوجه عاما ولربما كانت القدرة على انتاج قيم جديدة مما يقوم مقام المعيار للتعرف على حيوية الامة والكشف على الطور من حياتها التى هى سالكته : فان كانت فى طور قوة مع فتوة كان انتاجها للقيم متزايدا سخيا ، وان كانت في طور وسط كان انتاجها للقيم لا يتجاوز استهلاكها لها ، وان كانت في طور شيخوخة

وهرم كانت مستهلكة لهذه القيم غير منتجة . وهذا ما حصل للامة العربية على وجه العموم : فعندما كان المثل الاعلى الاسلامي فيها دافعا للهمم مهيبا بالضمائر والعقول والقرائح ان تتسامى الى " ما وراء العرش " كان انتاجها للقيم الجديدة فى كل مجالات الخلق والابداع يفيض على الدنيا . وعندما ذبلت النفوس وفترت الهمم وتلاشى المثل الاعلى اخذت ينابيع الخلق والابتكار فى أمتنا تغور شيئا فشيئا الى أن أصبحنا حشيرات طفيلية نستهلك ما ينتجه الغير من القيم ونعيش عالة عليه فى غير ما وعى ولا تقدير لهذه القيم وعاودنا الجهل فعشش فى العقول من جديد وغاب المثل الاعلى عن النفوس وكذلك عن المؤسسات فبات مجتمعنا مجتمعا جاهليا يدعى الاسلام ولا يستنكف من التبجح بالانتساب الى حضارته ونسينا او تناسينا ان شرف الانتساب الى هذه الحضارة يمثل عبئا لا قدرة لاحد عليه اللهم الا اذا بات من المعتوهين او من الاولياء الصالحين

- يتبع -

اشترك في نشرتنا البريدية