الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

دور كليات التربية في تنمية الفكر التربوي العالمي

Share

شرف الانتساب الى الحضارة الاسلامية العربية وما يستوجبه من مسؤوليات

لا نريد (*) الخوض فى كل عناصر الحضارة الاسلامية وما يفرض ذلك على من يدعى اليوم الانتساب الى هذه الحضارة ، بل نكتفى بأن نتتبع ما خلفته هذه الحضارة من سنن فى ميادين العلم والمعرفة والتربية حتى نتبين ما يترتب على المثقف العربى بصورة عامة والمربى بصورة خاصة ان هو رام التمتع بشرف الانتساب الى هذه الحضارة الاسلامية العربية . نقول هذا ونحن نعالج قضية الاسهام فى تنمية الفكر التربوى العالمى ايمانا منا بانه لا سبيل الى افادة الغير ان كنا من المعوزين ولا سبيل الى الاسهام فى اية عملية انمائية تشترك فيها عناصر بشرية مختلفة ان كنا لا ندرى من نحن ولا من اين اتينا ولا الى اين نقصد . وشرف الانتساب هذا يفرض على كل مثقف عربى وعلى كل معلم عربى بالخصوص ان يغرق فى تأمل تاريخ الحضارة العربية الاسلامية حتى يتمثله وحتى يصبح هذا التاريخ جزءا مكونا لذاته ولتفكيره ولوجدانه . وهذا يعنى الفوز من وراء أحداث التاريخ بالقوى الاساسية التى كانت محركا لذلك التاريخ قصد استلهامها من جديد وترويض النفس عليها بعد ما طال عهد انقطاع الصلة بها . وعسى ان يتم بهذا الضرب من الرياضة شىء من استرجاع فتوة الفكر العربى ومن ربط صلة الحاضر بالماضى الحى قصد بناء مستقبل أفضل . وفى هذا ما يضطرنا إلى التذكير باطار الفكر التربوى الاسلامى العربى وتأمل المبادىء والقيم التى كانت له أسا قصد الاحاطة بملامحه الاساسية وتبين ما هو نصيب هذه الملامح من الاصالة والمعاصرة حتى يمكن للنظم التربوية العربية ان تنهض على أساسها وان ينبثق منها فكر تربوى عربى أصيل قادر على الاسهام فى انماء الفكر التربوى العالمى .

الفكر التربوي الاسلامى - العربى : اطاره وملامحه

أ) اطاره

جاء الاسلام منذ بدايته يهيب بالانسان ان يكون دوما متعلما لانه بعلمه يحقق ما اسنده المولى اليه من فضل وما كرمه به وخصه به عن سائر المخلوقات . لذلك كانت بداية القرآن بقوله تعالى : (( اقرأ باسم ربك الذى خلق ، خلق الانسان من علق ، اقرأ وربك الاكرم الذى علم بالقلم علم الانسان لما لم يعلم )) . وتعددت آيات القرآن الكريم والاحاديث النبوية الشريفة فى تقدير العلم والعلماء وذهب بعضهم الى القول بأن : (( العلم أمر عظيم ، وهو أفضل من الجهاد عند اكثر العلماء )) (5) وتجاوز الاسلام حث الانسان على طلب العلم الى حمله على عدم القناعة منه ( وقل ربى زدنى علما ) والسعى دوما الى الفوز بأوفر حظ منه اذ لا تنكشف معانى القرآن الا لمن كان له علم وكان قادرا على التفكير والتأمل والنظر . يقول تعالى :

- (( وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها الا العالمون )) (6) - (( قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون )) (7) - (( ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون )) (8) - (( وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون )) (9)

وبهذه النظرة الجديدة اوجد الاسلام علاقة جدلية بين العقيدة والعلم تجعل من اثراء المعرفة وتقدم العلم شرطا ضروريا من شروط رسوخ العقيدة كما

تجعل من مقومات هذه العقيدة الرسوخ فى العلم والتمكن منه . وبذلك يكون الاسلام قد نظر الى العلم من حيث هو نافع ودافع للانسان فى دينه ودنياه وقد اوضح الرسول ( صلعم ) ذلك فى دعائه اذ قال : (( اللهم علمنى ما ينفعنى وانفعنى بما علمتنى وزدنى علما والحمد لله على كل حال)) وهكذا يكون الاسلام قد أوجد منذ بدايته (( مجتمعا متعلما )) (10) وقد ازدادت هذه الصفة للمجتمع وضوحا بعد الهجرة الى المدينة . (( فمن المعروف ان أسرى بدر قد أتيح لهم الفداء بان يقوم كل واحد من المتعلمين منهم بتعليم عشرة من المسلمين ، وكانت تلك أول محاولة معروفة لمحو الامية بين الكبار ، وكانت دار ابن ابى الارقم أول مدرسة لتعليم الكبار ينشئها الرسول وهكذا اصبح مجتمع المدينة مجتمعا متعلما ، كان فيه القرآن الكتاب الاول والنبى المعلم الاكبر والمسجد المؤسسة الاولى . ونسج الخلفاء الراشدون على هذا المنوال فاجتمعت لهم صفات القيادة بمعانى الهداية والتعليم ومعانى التدبير والتنظيم )) (11)     وان نحن تذكرنا ان الاسلام قد جاء بنظرة جديدة الى الانسان من حيث موقعه من الكون ومن حيث صلته بغيره ومن حيث ربط هذا وتلك بصلة العبد بربه فهمنا انه لم يقرن بين العلم والايمان فحسب بل جعل قوة العقل فى الانسان باعتبارها الطاقة المؤدية إلى المعرفة والنظر قوة تصدر عنها كل الفضائل وتتوقف عليها أمانة التكليف (12) . وبذلك يتألف الاطار العام

للفكر التربوى الاسلامى من مجموع القيم الروحية والاخلاقية السامية التى جاء بها الاسلام لتشييد مجتمع انسانى جديد قوامه البر (13) والتقوى والاحسان والوفاء والبذل والانفاق فى سبيل الله وما يجعل النفس متوثبة لكل هذه القيم أى الجهاد (14) وجوه التآلف والاخوة والتآزر ، وشعاره الامر بالمعروف والنهى عن المنكر والايمان بالله .

وهكذا بعد ما كان التعليم فى بداية الامر يرمى الى الحفاظ على القرآن وعلى العقيدة بصورة عامة سرعان ما استجاب الفكر العربى لتلك العلاقة الجدلية التى أتى بها الاسلام بين العلم والايمان فاشتد حرص المسلمين على التعلم والتعليم ، وتولد بذلك جو تربوى عم كل مظاهر الحياة وارتسمت بذلك الملامح الاولى لما يمكن أن نسميه بالفكر التربوى الاسلامى العربى .

ب) ملامحه :

يجدر بنا قبل التعرف على ملامح الفكر التربوى الاسلامى - العربى أن يذكر بأن التربية الاسلامية قد اتخذت من المسجد مؤسستها الاولى وذلك

منذ عهد الرسول ( صلعم ) . فلم تكن المساجد فى عصور الفتوة بيوتا للـه مقصورة على الصلاة والاعتكاف فحسب بل كان المسجد دارا للعلم والبحث والتعليم وملتقى لتصريف شؤون الامة اقتصادية كانت أم سياسية وبرلمانا شعبيا تجرى فى رحابه البيعة وتعقد مجالس الشورى وحصنى يحتمى به فى الحرب ودارا للقضاء ومأوى للمسافر وابن السبيل ، فكان بكل تلك الوظائف قلب المدينة النابض ومنطلق نشاطها ورمز تضامن الامة وتكافلها . والتفت حول المساجد فى كل مدينة اسلامية مجموعة من الكتاتيب تعلم القرآن ومبادئ اللغة فكانت تمثل الدرجة الاولى فى النظام التربوى الاسلامى ثم جاءت الدولة العباسية فتطورت المؤسسة التربوية بتقدم المعرفة وتشعبها واحتكاك العنصر العربى بعناصر أجنبية كثيرة وحضارات مختلفة كانت قد بلغت مستويات مرموقة من التقدم ، فأنشئت دار الحكمة فى بغداد أيام المأمون ثم أقام الحاكم بأمر الله دارا للعلم مماثلة لها فى القاهرة . وكذلك أنشئت المكتبات وكانت كل هذه المؤسسات تعنى بالترجمة والنقل وبالتأليف والبحث وبالتعليم والدرس وقد ركزت اهتماماتها على العلوم الوضعية ، فتطور علم الطب الى حد كبير وانشئت البيمارستانات ( اى المستشفيات ) وكانت تعنى بعلاج المرضى وكذلك بالتدريس والتدريب والبحث ، وتطورت حركة التصوف وأسست الخوانق والزوايا والربط وكانت مخصصة للمعتكفين على علوم الدين . وحف بهذه المؤسسات جو ثقافى عام كان متفشيا فى كامل المجتمع ، فمن حوانيت الوراقين الى مجالس الخلفاء والامراء وأعيان القوم ومنها الى حلقات الذكر كانت فرص التعلم والاحراز على الثقافة متوفرة لكل فرد من أفراد الامة بأكبر مقدار من المرونة . ثم أنشئت المدارس فى نهاية القرن الرابع للهجرة على يدى نظام الملك فتغيرت طبيعة المؤسسة وانقلبت من مؤسسة حرة منتشرة فى جميع خلايا الامة ، قائمة على أساس خدمة العقيدة والمعرفة فى جو من الحرية المطلقة ، الى مؤسسة حكومية منحصرة فى منشآت تنفق عليها الدولة وتهيمن على تصريف أمورها (15) . فكانت فى خدمة السلطان اكثر منها فى خدمة العلم والايمان . فتقلص بذلك المثل الاعلى

الذى قامت على أساسه حركة التربية فى الاسلام واخذ الفكر التربوى ينذر بالذبول وقد دب الركود فى الامة الاسلامية . لكن قوة الدفع التى كانت للمثل الاعلى الاسلامى سيبقى لها مفعولها ردحا من الزمن يتواصل الى نهاية القرن السابع الهجرى فتتمادى فى كثير من العواصم الاسلامية نشاطات علمية وثقافية متنوعة جاء موسم الحج منذ البداية يقوم مقام الحافز لها اذ كان مناسبة لالتقاء علماء الاسلام من كل صوب وفى كل فن يتناظرون ويتبادلون المعلومات والتجارب والخبرات فكان الحج بذلك عبارة عن جملة من المؤتمرات العلمية تعقد سنويا زيادة على كونه ركنا دينيا (16) .

وحف بكل هذه الاجواء الثقافية والتربوية اهتمام كبير بالتربية من حيث هى فن وصناعة . وتناول الفقهاء والعلماء والفلاسفة بالبحث مشاكل التربية فقلبوها على جميع جوانبها متفحصين اطوارها ومستوياتها ومشاكلها ومقضياتها الى ان تألف بذلك فكر تربوى أصيل ما زلنا نكتشف ملامحه شيئا فشيئا الى يومنا هذا . وهذه الملامح متعددة الجوانب اذ منها ما هو فلسفى - ما ورائى ومنها ما هو اخلاقى - اجتماعى ومنها ما هو نفسانى وجسدى .

أما الجانب الفلسفى - الماورائى فقد يستخلص من النظرة الجديدة التى نظر بها القرآن الى الانسان وقد كرمه الله وميزه عن بقية المخلوقات وعلمه الاسماء كلها واطلعه على نظام الكون وكشف له عن سر التوحيد ورفع من منزلته الى حد انه امر الملائكة بالسجود له ثم سخر له الكون بما فيه بعد ان خصه بالعقل وفوض له مسؤولية أفعاله . فجاءت بذلك كامل العقيدة الاسلامية متضمنة نظرة شاملة للكون وللانسان ولمصدرهما أى الله هى التى ولدت فى نفوس المسلمين وازع المعرفة والتعلم فتولدت عن ذلك سنن تربوية لا يمكن أن تفهم ان هى فصلت عن اطارها العقائدى .

أما الجانب الاخلاقى والاجتماعى للفكر التربوى الاسلامى فهو متصل بجانب العقيدة وثيق الاتصال اذ جاء المجتمع الاسلامى محددا لعلاقات جديدة

بين أفراد الاسرة وبين أفراد المجتمع ، كلها نابعة من الايمان بالله وبالملائكة والنبيئين واليوم الآخر . فأوجد الاخوة الاسلامية وغلبها على الاخوة الدموية اذ جعلها أخوة فى الله واستبدل بالعصبية القبلية العصبية الدينية وجعل الامر بالمعروف والنهى عن المنكر اساس الحياة الاجتماعية . كما جعل التفاضل بين البشر يقوم على اساس التقوى ( يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ) (17) وأقر منذ البداية مبدأ المساواة والعدل ومبدأ الحرية وما ينجم عنهما من مسؤولية ( وان ليس للانسان الا ما سعى وان سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الاوفى ) (18) فأخرج بذلك أمة مؤمنة متآخية متكاتفة ابناؤها أحرار متساوون مسؤولون فكانت التربية فى مثل هذا الاطار الاجتماعى ترمى الى توليد هذه القيم الاخلاقية السامية فى النفوس والى الحرص على تدعيمها . وتألفت بذلك تربية أخلاقية واجتماعية زخرت بها كتب الفقه كما تناولتها بالتحليل والشرح والاستقصاء كتب الفلاسفة والادباء والمعتنين بشؤون التربية . وكان لهذه التربية مصادر ثلاثة هى القرآن والسنة وسيرة السلف الصالح . وقد يميل بعضهم الى اضافة مصدر رابع متمثل فى حركة التصوف اذ شددت هذه الحركة على التربية الاخلاقية والروحية فأضفت عليها صبغة خاصة لا يمكن تجاهلها . ولاختصار القول فى هذا الموضوع نسوق فصلا واردا فى تقرير (( لجنة وضع استراتيجية لتطوير التربية فى البلاد العربية )) تحت عنوان (( الفكر التربوى العربى )) .

(( وكانت التربية والتعليم ، بهذه المبادئ الاصيلة وبهذه الوظائف الكثيرة . وبهذا التعدد من الانشطة ، وبهذه المكانة فى المجتمع موضع دراسة ومناقشة وتحليل على ايدى بعض العلماء من الفلاسفة والفقهاء والادباء ومن اول هذه الدراسات ما ألفه سحنون عن (( آداب المعلمين )) وما كتبه القابسى بعنوان (( الرسالة المفصلة لاحوال المعلمين واحكام المعلمين والمتعلمين )) والف ابن  مسكويه ثلاثة كتب فى التربية ، كما تناولت كتب الفلسفة جوانب من التربية ومنها رسائل اخوان الصفا ، وكتابات الفارابى وابن سيناء وابن رشد والغزالى وابن خلدون ، وقد جاءت آراء هؤلاء متفاعلة مع اوضاع المجتمع العربى الاسلامى كاشفة عن خصائصه ومطالبه من ناحية وعن تفاعلاته بالثقافات والآراء

الاخرى من جهة ثانية ، ومن هنا يمكن القول بانهم اسهموا فى تكوين فكر تربوى ، لا يقف عند مجرد النقل بل يتجاوز ذلك الى حسن الاستيعاب والتكيف للثقافة العربية وخصائصها والى الابداع والابتكار . وقد تناول هذا الفكر جوانب متعددة من العمل التربوى .

(( فالنظرة إلى المتعلم ووجوب دراسة الاسس النفسية له كانت موضع نفكير هؤلاء الاعلام ، فيرى الفارابى وجوب استعداد المتعلمين والتعرف الى طبائعهم ، والا كان التعليم هدرا . كما يرى ان نقد سلوك الناس والاتعاظ بهم هو خير الاوجه لسياسة النفوس وهو من أجل ذلك يحلل قوى النفس ويعدد منها القوة المتخيلة ، والقوة الناطقة ، والقوة النزوعية ، ويميز بين أعصاب الحس واعصاب الحركة .

ويدعو ابن سينا الى التبكير فى التربية ، ويرى البدء بها منذ فطام الصبى لئلا تثبت فى نفسه الاخلاق الذميمة فيصعب نزعها ، ويكون تهذيبه بالحمد والتوبيخ وبالايناس والايحاش واذا احتاج الامر الى ضربه ، فليكن ضربا قليلا مؤثرا ، ويؤكد فى نفس الوقت على تعليم الصبى بين جماعته (( فان الصبى عن الصبى ألقن ، وهو عنه آخذ ، وبه آنس ، وكثرتهم موجبة لالفتهم ، وللتنافس الحميد بينهم )) ويشير ابن سينا ايضا الى أهمية التوجيه التربوى والمهنى ، اذ يرى انه اذا فرغ الصبى من التعليم وجهه المؤدب نحو صناعة ( مهنة ) تكون موافقة لمزاجه واستعداده ، اذ ليس كل صناعة يريدها الصبى ممكنة مؤاتية ، والناس يتفاوتون فيما يواتيهم من الصناعات ، (( وينبغى لموجه الصبى أن يزن ويسير قريحته ، ويختبر ذكاءه ، فيختار له ما يواتيه من الصناعات )) .

(( ... ويعزز ابن خلدون هذه النظرة النفسية ويفصلها عندما وضع قواعد عامة ينبغى مراعاتها من جانب المعلمين ، ومن ذلك :

* مراعاة مقدرة المتعلم العقلية من حيث نوع مادة التعليم ومقدارها .

* التدرج بالمتعلم من السهل الى الصعب فى ثلاث مراتب . الاولى لبسائط العلم ، والثانية لجوامعه ، والثالثة صعودا الى مشكلاته ومعضلاته .

* الانصراف الى العلوم واحدا بعد الآخر ، فلا يشتغل بها مرة واحدة .

* تجنب فصل الدروس بعضها عن بعض لمدة طويلة ، ومراعاة التتابع   والتكرار خشية النسيان .

* تجنب الشدة على المتعلمين لانها تفسد معانى الانسانية وتضر بشخصية   المتعلم .

* الاستعداد والجد من أهم اسس التعليم ، وتفضيل العلوم المقصودة بذاتها    على العلوم التى هى أدوات لغيرها .

وهى مبادئ نفسية تربوية تجد ما يؤيدها فى الفكر الحديث .

(( ... وقد تناول هؤلاء المفكرون ايضا محتوى التعليم ومضمونه وحاول كل منهم أن يؤكد الجانب الذى يتفق ووجهة نظره للمجتمع ومن ذلك الغزالى ، وقد كان صوفيا فأثرت هذه النزعة فى تحديده للغرض من التربية . فهو يقسم العلوم الى ثلاث فئات : الاولى مذموم قليلها وكثيرها كالسحر والطلسمات والتنجيم لانها عديمة الفائدة فى الدنيا وفى الآخرة . والثانية : علوم محمود قليلها وكثيرها وهى الدراسات الدينية والعبادات لانها تساعد على معرفة الخير والتقرب من الله . والثالثة : يحمد منها بقدر معين مثل فروع الفلسفة وبعض المذاهب الطبيعية .

(( أما ابن خلدون ، فقد تأثرت آراؤه التربوية بفلسفته الاجتماعية . فهو يرى ان الانسان حيوان مفكر اجتماعى ، وعن فكره تنشأ العلوم والصنائع ولذلك فانه يسعى الى المعرفة والى تحصيل ثقافة الاجيال السابقة . فان العلم والتعليم طبيعى فى البشر ويرى ان انتشار التعليم وتقدم العلم متوقفان على الحضارة ، كما ان مستوى الحضارة يتوقف على التربية ذلك ان التفاوت بين الناس يرجع الى التربية لا الى اختلاف الطبيعة الانسانية من مكان الى آخر .

(( وفى آراء هؤلاء المفكرين وجوب التعليم وضرورة السعى الى العلم ومن ذلك على سبيل المثال ما يأتى فى كتاب القابسى حتى أوجبه وقال بالزاميته .

ويحتل العلم مكانة كبيرة فى آرائهم، فيصفون كيف يختار، وكيف يعامل الصبيان ، وكيف يعالج أمور التعليم . وقد فطن اخوان الصفا على سبيل المثال - الى قيمة المعلم وضرورته فى تلقين العلوم والمعارف .

(( فالمعلم وسيلة من وسائل كسب المعرفة .. ومن أجل هذا يحتاج كل انسان إلى معلم او مؤدب او استاذ فى تعلمه وتخلفه واعتقاده واعماله وصنائعه )) .

ويرى ابن سينا ان المعلم ينبغى ان يكون عاقلا ، ذا دين ، بصيرا برياضة الاخلاق حاذقا بتخريج الصبيان ، وقورا رزينا بعيدا عن الخفة والسخف قليل التبذل والاسترسال بحضرة الصبى )) (19)

تبدو هذه اللمحة عن الفكر التربوى الاسلامى العربى مفعمة بكثير من الاتجاهات والآراء التى جاءت على نصيب من المعاصرة ما قد يجعلنا نحار فيما كان لرواد هذا الفكر من حدة نظر وقوة حدس ما جعلهم يغوصون على اعماق النفس البشرية وعلى مختلف مظاهر النشاط الفكرى وعلى طبيعة الصلات المتولدة بين المعلمين والمتعلمين فى مجال التعليم وعلى قوانين التعلم المستخلصة من طبيعة الادراك والفهم والحفظ ما لو نظر اليه على ضوء تطورات علم النفس التربوى الحديث لكان مطابقا لها فى أغلبه بالرغم مما يفصل بين هذا وذاك من مسافة زمنية ومن تطور لعلوم التربية فى هذا العصر . ولعل ما يفسر هذا التقارب وهذا النوع من التطابق هو حرص الاسلام من جهة على طلب العلم وعلى التعرف على اسرار النفس البشرية من جهة ثانية الامر الذى جعل علماء الاسلام يغرقون فى التأمل الباطنى كما يدققون الملاحظة فى تتبع أصول النفس البشرية مهتدين فى كل ذلك بما تضمنه القرآن من حقائق ما فتئ العلم الحديث يقيم الدليل على ثبوتها وصحتها . ويكفى فى هذا السياق أن نذكر كتاب (( موريس بوكاى )) بعنوان (( التوراة والانجيل والقرآن والعلم )) (20) الذى  نشر فى باريس سنة 1976 والذى انتهى صاحبه فيه الى هذه النتيجة قائلا : (( ان القرآن من حيث هو تنزيل يأتى فى سياق الرسالتين السابقتين له ، (21) ليس خلوا فحسب من التضارب الذى انطوت عليه قصص التوراة والانجيل ( هذا التضارب الذى يدل على ان صياغة الكتابين كانت صياغة انسانية ) بل هو يكشف لمن أقدم على تفحصه

بكل موضوعية وعلى ضوء العلم عن طابعه الخاص المتمثل فى مطابقته تمام المطابقة لمعطيات العلم الحديث . بل واكثر من هذا فان الباحث يفوز من خلاله ، كما اسلفنا ، بجملة من المعانى العلمية لا يستقيم عقليا ان تكون صادرة عن رجل معاصر لمحمد . وهكذا تكون المعطيات العلمية الحديثة مما يمكن من فهم ما لم يتسن تفسيره الى الآن من آى القرآن ... ولا يجوز عقلا ان نتصور ان الكثير مما ورد فى القرآن من المعانى العلمية قد كان من ابتكار انسان وذلك بالرجوع الى ما كانت عليه المعرفة العلمية فى عهد محمد . لذا بات من المشروع ليس فحسب القول بان القرآن تنزيل بل اعطاء هذا التنزيل كذلك مكانة خاصة من اجل ما يتمتع به من ثبوت صحته ومن اجل ما تضمنه من حقائق علمية تبدو عند تفحصها فى عصرنا هذا ضربا من التحدى للتفسير البشرى . )) (22) وفى الاعتراف للقرآن بما تضمنه من حقائق علمية من طرف رجل مثل موريس بوكاى وهو الطبيب الجراحى الذى لم يحركه الا وازع المعرفة والاطلاع ما يزيد فى دعم ما اتفق عليه منذ بداية الحضارة الاسلامية من ان القرآن هو المصدر الاول لكل تفكير علمى او فلسفى وكذلك ما يمكن ان نعلل به جانبا كبيرا مما هو مائل فى تراثنا العلمى من عبقرية لا يمكن ادراكها ان هى فصلت عن العقلية الجديدة التى اوجدها الاسلام وعما تضمنه القرآن من اسرار ربانية لا يفوز بها المؤمن الا بفتح من الله وبكثير من الجهد.

- يتبع -

اشترك في نشرتنا البريدية