رائد من رواد الفكر التربوى الاسلامى - العربى : برهان الاسلام الزرنوجى (*) ( المتوفى سنة 591 ه - 1195 م )
ومن مظاهر هذه العبقرية المائلة فى تراثنا التربوى ما تضمنه كتاب برهان الاسلام الزرنوجى الذى جاء بعنوان (( تعليم المتعلم طريق التعلم )) (23) من حقائق وقوانين لم تهتد اليها علوم التربية الا فى العصر الاخير . ومما يجدر بالملاحظة ان الزرنوجى لم يطرق موضوع التعليم والتعلم بصورة عرضية أو فى سياق نظرية فلسفية كما فعل كثير من العلماء من قبله بل كان علاج موضوع التعلم بالنسبة اليه مقصودا لذاته وهادفا إلى اعانة الطلاب على تحصيل العلم بصورة منهجية مدققة . يقول المؤلف في فاتحة كتابه : (( فلما رأيت كثيرا من طلاب العلم فى زماننا يجدون الى العلم ولا يصلون ، ومن منافعه وثمراته يحرمون ، لما انهم أخطأوا طرائقه ، وتركوا شرائطه ، أردت وأحببت أن أبين لهم طريق التعلم )) (24) وبذلك يكون الزرنوجى أول من
خاض مشكلة التعلم الذاتى بصورة مدقلة قائمة على حدة الملاحظة والحرص على الجانب العملى والتطبيقى . ولتحقيق هذا المقصد سيعمل الزرنوجى على تتبع أحوال المتعلم من الوجهة الدينية ومن الوجهة النفسية ( العقلية والانفعالية ) والوجهة الاجتماعية والوجهة الجسدية كما سيجتهد فى ضبط منهجية عامة للتعلم تحدد مراحله وتوضح شروطه . ثم ان تحليله لمختلف مظاهر التعلم لم يفض بالزرنوجى الى التعرض الى جوانب شخصية المتعلم على انها منفصلة عن بعضها بعض . بل كان يحرص دوما على الاحاطة بوحدة هذه الشخصية وتعقب ما يكون لتفاعل عناصرها من تأثير لا فى سير التعلم فحسب بل وكذلك فى نمو الشخصية ذاتها . يقول الدكتور سيد أحمد عثمان : (( ولم يهتم الزرنوجى بجوانب شخصية المتعلم كلها منفصلة متباعدة ، بل مترابطة متفاعلة يؤثر بعضها فى البعض الآخر تأثيرا متبادلا . من ذلك قوله مثلا (( ان الهم والحزن يضر بالقلب والعقل والبدن )) ، (( وان المعاصى وكثرة الذنوب تورث النسيان )) (( وان صحة البدن وحالاته تؤثر فى الحفظ والنسيان )) (25) .
ودون ان نحاول عرض نظرية الزرنوجى بتمامها فانه قد يكون من الجدير بالاهتمام ونحن نسعى الى التعرف على ملامح الفكر التربوى الاسلامى العربى أن نشير الى ما ابرزه الدكتور سيد أحمد عثمان فى دراسته لما أسماه (( بنسق التعلم )) عند الزرنوجى من نتائج باهرة انتهى اليها هذا العالم فى ميدان علم النفس وما نسميه الآن بعلم النفس التربوى . فهذه نظرته الى الحفظ والتذكر والنسيان مثلا تصادف تماما ما نجده فى نظرية ابنجهاوس ( 1909 - 1850 ) Ebbinghus أو فى نظرية (( الجشتالت )) (26) . وكذلك ما خصصه لدراسة (( الدافعية )) اذ جاء مطابقا لما انتهى اليه علم النفس الاجتماعى الحديث . (27) ويجب أن لا ينظر الى هذه الاستنتاجات على أنها من باب المقارنة السهلة التى ينتهى اليها كل من كان متعصبا للتراث الاسلامى العربى بل يجدر برجال التربية فى البلاد العربية وهم منهمكون فى البحث عما به ينشط الفكر التربوى العربى فى عصرنا هذا ان يتديروا ما انتهى اليه هذا الفكر فى الماضى مع النظر الى الفارق الزمنى على انه جاء شاهدا
لهذا الفكر لا عليه . وجانب المعاصرة هذا فى تصنيف الزرنوجى قد لا يبقى لغزا من الألغاز ان نحن أرجعناه الى عنصر الاصالة وحاولنا أن نتبين أن ما ثبت فى شأن القرآن من حيث مطابقته لمعطيات العلم الحديث قد يصح ، ولو فى درجة ثانية وبمقدار أقل ، فيما كان مستلهما بالقرآن من انتاج عباقرة الاسلام . نقول هذا ونحن نشاط الزرنوجى تماما رأيه فى التأهب للعلم باعتباره شرطا ضروريا من شروط التعلم وما يترتب عن هذا التأهب من وجوب النية والهمة والتوكل . وهى كلها مفاهيم قد تؤخذ على وجهين متناقضين ان نحن تناولناها فى طور فتوة الحضارة الاسلامية العربية او فى طور ركودها وجمودها . فالنية مثلا يراها الزرنوجى على جانبين : جانب الايجاب وهو متمثل فى (( رضاء الله - الدار الآخرة - ازالة الجهل عن النفس ازالة الجهل عن سائر الجهال - احياء الدين - ابقاء الاسلام - الشكر على نعمة العقل وصحة البدن . واما الجانب السلبى فهو ان يجتنب المتعلم أن تخالط نيته فى طلب العلم شوائب منها : اقبال الناس اليه - استجلاب حطام الدنيا الكرامة عند السلطان وغيره )) (28) .
ثم يضيف الزرنوجى الى النية الهمة العالية باعتبارها ضرورية لطالب العلم معللا ذلك بقوله (( ان المرء يطير بهمته كالطير بجناحيه )) (29) ويلاحظ الدكتور سيد احمد عثمان أن الزرنوجى يقرن بين الهمة والعمل ويجعل بينهما علاقة تبادلية ويتجاوز هذه العلاقة بأن يجعل من تأمل مناقب العلم وفضائله ما يبعث همة المتعلم الى التحصيل أى أنه ، حسب عبارة الدكتور سيد أحمد عثمان يربط (( بين استثارة العقلية المعرفية وبين استثارة الانفعالية الدافعية وهو ربط سديد سليم تؤكده بحوث علم النفس الحديثة التى تدور حول ما فى العمليات العقلية المعرفية من عناصر دافعية . )) (30)
واخيرا يجعل الزرنوجى من صدق التوكل (( اصل خلوص النية وعلو الهمة )) (31) . يقول الزرنوجى .
- (( لا بد لطالب العلم من التوكل فى طلب العلم ))
- (( و لا بد لطالب العلم من تقليل العلائق الدنيويه بقدر الوسع )) .
- (( وينبغى لطالب العلم ان لا يشتغل بشئ آخر عبر العلم ))
- (( كما يبغى أن يشتغل بالتعلم والتفقه فى جميع أوقاته )) (32)
ويضيف الدكتور سيد أحمد عثمان تعليقه قائلا : (( من هذا نرى كيف أن النية والهمة والتوكل شرائط يؤدى توافرها وتضافرها الى تكوين وانماء تأهب مناسب عند المتعلم ، يجعله يدخل خبرة التعلم ويعايشها باستعداد واتجاه انفعالى عقلى يتميز بالايجابية والتفتح والاقدام )) (33) ومن هنا نتبين الفارق القائم اليوم بين عقلية رجال العلم فى طور فتوة الثقافة الاسلامية العربية وعقلية المنتسبين الى هذه الثقافة فى عصور الركود والجمود او فى عصور التفسخ والتبعية ، اذ اصبحت المفاهيم غير المفاهيم وانقلبت المعانى الى أضدادها . ومن ذلك ما نلاحظه من فروق فى معانى هذه المفردات الثلاث التى يستخدمها الزرنوجى : النية - الهمة - التوكل اذ تناسينا النية فى كل اعمالنا وانطفأت فى النفوس جذوة الهمة وانقلب التوكل عندنا الى تواكل فبتنا غرباء عن ذاتنا كما صورها الاسلام وانقطعت صلتنا بالعقلية التى أوجدت فينا النزوع إلى العلم فصرنا متطفلين على المعرفة بعيدين كل البعد عن طريق التعلم كما وصفها الزرنوجى .
بعث الفكر التربوى الاسلام العربى شرط من شروط الاسهام فى انماء الفكر التربوى العالمى :
لم يكن القصد من كل ما تقدم الدعوة الى الماضى من أجل التبرك بالماضى ولا الدفاع عنه لانه فى غنى عنه ولان التمسح عليه ضرب من الوثنية . لكن كل ما قصدنا اليه هو ان نشعر القارئ عن طريق التلميح والايحاء بما يمكن استخلاصه من عبر عند مراجعة ثقافتنا مراجعة لا تقتصر على الاستعراض التاريخى بل تحاول ان تخلص الى اعماق العبقرية الاسلامية العربية لتستلهمها من جديد عسى ان تفوز فى مستوى المنهجية - لا فى مستوى التقليد والمحاكاة - بما يفتح على البصائر والقلوب بعد ان ختم عليها
زمنا طويلا . وهذه الرياضة التى يجب ان تكون مقصدنا ومبتغانا فى كل ما يبذل من جهد فى سبيل المعرفة والعلم انما هى موكولة أولا وبالذات الى كليات التربية اذ هى التى تعنى بتخريج من (( سيعلم المتعلم طريق التعلم )) . ويقول الدكتور سيد أحمد عثمان : (( ولعل أغلى ثمرة واعز نتاج لصحة اتجاهنا نحو ثقافتنا هو نمو الذات الفكرية العلمية المتميزة عندنا . فليس أقوى فى تكوين الذات المتميزة من ربطها ربطا واعيا بتاريخها الفكرى والوجدانى . لا شك اننا عندما نضع بين ايدى ابنائنا الدارسين نتاج دراسات قائمة على اتجاه نفسى ناضج عقلي راشد نحو ثقافتنا فانهم يكونون اكثر اقبالا عليها وتعمقا فيها وحماسة لها ، ويتوقون الى مزيد الاتصال بها والتعرف عليها ودراستها دراسة عمق وذوق وليس دراسة فهم خارجى منفصل بعيد عنها .
(( مثل هذا الاقبال هو الذى يجعل نتاج ثقافتنا السابق يجرى فى دماء ثقافتنا المعاصرة ، يمتزج بفكر ووجدان اهل العلم والفن المعاصرين ، يدخل فى تكوينهم العقلى والشعورى والذوقى ، فيعطيهم ملامحهم الخاصة ، يعطيهم معالم ذاتهم المتميزة ، وما من شئ مثل نتاج التاريخ الثقافى الخاص يعطى الذات قوة معالمها ووضوح قسماتها . وهذا أغلى ثمرا وابقى أثرا )) (34)
وما معالم الذات المتميزة ان لم تكن ما يتجلى فى سلوك الانسان تفكيرا كان او فعلا او انفعالا مما استقر فى الاعماق من مثل اعلى ومن قيم سامية متولدة عن ذلك المثل الاعلى ؟ لذا الححنا بتوضيح قيمة المثل الاعلى وفعالية القيم المثلى فى استرجاع ذاتنا كما الححنا بوجوب فهم هذه الذات ان نحن أردنا الربط بين ماضينا وحاضرنا قصد التأمل فى الحاضر والهيمنة عليه والتطلع الى المستقبل فى شىء من الايمان بالذات والوثوق بالنفس . يقول (( جيلبار دى لاندشير )) فى دراسة مستقبلية أعدها للمؤسسة الاوروبية للثقافة بعنوان (( تخريج المعلمين غدا )) : (( لا سبيل الى أية تربية دون ان يحتل مفهوم القيمة المثلى المكانه المركزية ودون أن تكون دراسة القيم الاساس الاول الذى تقوم عليه كل نظرية تربوية (35) ويواصل هذا الكاتب بحثه مبينا أن هدف التربية
يتمثل فى (( ازدهار الشخصية وتحقيق الذات )) (36) ويردف ذلك بقوله : (( ان فهم الذات وفهم الغير يشكل حجر الزاوية بالنسبة الى التربية وبالنسبة الى التوازن الشخصى والاجتماعى . ويمثل قيام علاقات اجتماعية سليمة ويسيرة شرطا ضروريا لنمو الفرد وكذلك لنمو الجماعة نموا منسجما )) (37) . وبعد ان بين ان ما تصطدم به التربية اليوم - وقد يشتد اكثر فأكثر غدا - هى هذه الحركية وهذا التغير المحرج الذى انتاب سلم القيم فولد فى النفوس التمزق والحيرة والتذبذب ودفع بكثير من الشبان فى البلاد المصنعة خاصة الى استنباط قيم جديدة تلوح بعيدة كل البعد عما عهدته هذه المجتمعات من قبل ، أشار الكاتب الى ان هذه القيم - عكسا لما استقر فى بعض الاراء - ليست عمل شئ من الفوضى بل هى على مقدار كبير من التماسك ، واستشهد على ذلك بقوله : (( ( يلوح ) ان القيم السائدة الآن فى الجامعات الاميركية تتحدد فى (( القول بانه لا بد من ايجاد علاقة جديدة مع الطبيعة وما ينجم عنها )) (38) ويرتكز هذا الاتجاه على محاور اساسية ثلاثة نرى من المفيد تلخيصها فيما يلى :
1 - تركيز الاهتمام على الامة اكثر منه على الفرد . ويلح الطلاب المتشبثون بهذه القيم الجديدة على تضامن الافراد مع التخفيض من قيمة التنافس والارقام القياسية والنجاح الفردى . كما يؤكدون حرصهم على الحياة الجماعية ... ( ويرون ) ان التضامن متقدم على التنافس .
2 - التأكيد على (( اللامعقول )) Le Non rationnel فالتجربة الحسية فوق المعرفة المجردة . والبحث عن الحقيقة يكون بالتجربة المباشرة اكثر مما يكون بالتحرية الموضوعية . فالتنظيم والعقلنة والفعالية كلها مفاهيم تأتى بعد معرفة الذات وبعد التأمل الباطنى .
3 - التأكيد على ما هو مقدس فى الطبيعة )) (39) .
وبعد وقوفه على هذه القيم الجديدة يلاحظ المؤلف ان كل مشروع تربوى مقبل لا يحاول ان يأخذ بعين الاعتبار هذه القيم الناشئة انما يكون عرضة للاخفاق لان : (( عدم التعرف على (( ايديولوجية )) (40) فترة تاريخية ما وعلى البنية التى كانت لأهم قيمها وعلى كيفية دخول هذه القيم حيز التطبيق يجعل النظام التربوى نظاما مبهما . وقد يبقى المعلم يتخبط كالاعمى ان هو لم يفز بنظرة واضحة الى ايديولوجية العصر الذى يعيش فيه والى القيم التى تنشطها فيه هذه الايديولوجية وذلك قبل أن يبلغ هذه القيم الى تلاميذه )) (41)
يتضح من هذا التحليل ان الحرص على القيم وعلى الايديولوجية المؤلفة لهذه القيم باعتبارها الاطار الضرورى للتربية انما جاء مطابقا لما حاولنا بسطه فى بداية هذا البحث من ضرورة مثل أعلى يحرك النفوس ويدفع الهمم كى ينهض المجتمع وكى تنهض التربية . فبدون ان نطيل الوقوف عند هذه القيم الجديدة التى يتطلع اليها الطلاب فى أمريكا او فى بقية العالم المصنع وقد جاءت قريبة جدا مما هو متعارف فى المجتمع الاسلامى وبدون افراط فى المقارنة بين ما يقرره (( دى لاندشير )) من ضرورة وجود قيم مثلى واطار ايديولوجى للتربية وما وقفنا عليه عند الزرنوجى من تحليل لاهمية النية والهمة والتوكل فى التعلم يحق لنا ان رمنا ضبط الشروط التى يتوقف عليها اسهامنا فى انماء الفكر التربوى العالمى ، ان نقرر ما يلى :
أولا : ان الفكر التربوى الاسلامى العربى القديم يبدو عند امعان النظر فيه قريبا فى جوهره وفى ملامحه مما يتطلع اليه الفكر التربوى العالمى اليوم . فما علمناه عن التعلم عند الزرنوجى مثلا يبدو وكأنه قد نقل بحذافيره فى تقرير اللجنة الدولية للنهوض بالتربية اذ نجد فى الصفحة 226 منه ما يلى : (( ينبغى ان يصبح المتعلم فى مدرسة المستقبل مسؤولا عن تعليم نفسه . وعوضا من ان يتلقى العلم فلا بد ان يتولى تهذيب نفسه ، وعوضا من ان يعلم غيره ، فالاجدر به ان يستزيد من المعرفة . ان هذا التغير الاساسى فى علاقة
الانسان بنفسه يرجع الى ضرورة تفجير الطاقات المبدعة الكامنة فى الانسان ، ولا شك انه سوف يكون اصعب مشكلة يواجهها التعليم فى المراحل العشرية القادمة من الثورة العلمية التقنية )) . فبالرغم مما جاء فى هذا الكلام من اطناب فانه يبقى في معناه دون قوله ( صلعم ) (( طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة )). (42)
فأين كل هذا السيل اللفظى من قوله (( صلعم )) (( اطلبوا العلم من المهد الى اللحد )) .
ونأمل أن لا يفهم من كلامنا هذا اننا متحاملون على تقرير اللجنة الدولية للنهوض بالتربية او متعنتون فى الدفاع عن التراث معرضون عن كل ما كان سواه . بل نقول مع الدكور سيد أحمد عثمان : (( الذات القوية لا تتردد أمام جديد ولا تتحير أمام غريب ولا تتراجع أمام تحد ، ولا تنكص أمام اختبار . هى بقوتها تسعد وترحب بل تبادر الى ملاقاة اى نتاج لثقافة أخرى قديمة او حديثة ، مطمئة الى انها لن تفقد ملامحها ولن تضيع معالمها ، بل انها سوف تتمثل مما تتفاعل معه من نتاج الثقافات الاخرى بحيوية وبثقه وبعمق ، ومن ثم فان نتاجها يأتى بعد ذلك نتاج ذات متميزة ، نتاجا ناضجا أصيلا مستقلا ، فيكون اضافة حديدة حقا إلى الثقافة الانسانية المعاصرة ، كما كان نتاج ثقافتنا القديمة اضافة الى الثقافة الانسانية الماضية . )) (43)
ثانيا : ان واقعنا التربوى لا يؤهلنا للاسهام فى انماء الفكر التربوى العالمى اذ ما زلنا فى حاجة الى استرجاع ذاتنا بعد التفريط فيها . وقد صور الشيخ محمد عبده هذا الوضع احسن تصوير عندما قال : (( إذا كان (الاسلام) أول دين خاطب العقل ودعاه الى النظر فى الاكوان واطلق له العنان ، يجول فى ضمائرها بما يسعه الامكان فما بالهم قنعوا باليسير وكثير منهم أغلق على نفسه باب العلم ، ظنا منه أنه قد يرضى الله بالجهل واغفال النظر فيما أبدع من محكم الصنع ؟ ))
(( إذا كان الاسلام يدعو الى البصيرة فيه فما بال قراء القرآن لا يقرؤونه الا تغنيا ، ورجال العلم بالدين لا يعرفه أغلبهم الا تظنيا ؟ إذا كان الاسلام منح العقل والارادة شرف الاستقلال ، فما بالهم شدوهما الى أغلال أى أغلال ؟ ... ( والجواب ) ...
(( ... ان الدين هدى وعقل ... وقد جرب علاج الاجتماع الانسانى بهذا الدواء فظهر نجاحه ظهورا لا يستطيع معه الاعمى انكارا ولا الاصم اعراضا ، وغاية ما قيل فى الايراد ان اعطى الطبيب المريض دواء فصح المريض وانقلب الطبيب بالمرض الذى كان يعمل لمعالجته وهو يتجرع الغصص من آلامه والدواء فى بيته وهو لا يتناوله ... وهو فى يأس من حياته .. )) (44)
فالمشكلة التربوية الاولى الماثلة أمامنا الآن والتى يترتب على رجال التربية بوجه عام فى البلاد العربية وعلى كليات التربية فيها بالخصوص علاجها من الجذور هى مشكلة اعادة بناء الذات الاسلامية العربية بناء تتلاقح فيه المعاصرة بالاصالة على اساس الربط والتوفيق والتوثيق بين الحاضر والماضى فى نظرة مستقبلية تعمل على الاحتياط لما نحن معرضون اليه اليوم من غزو عسكرى وغزو اقتصادى وغزو فكرى وروحى .
ثالثا : ان استرجاع ذاتنا وما سيفضى اليه من انبعاث مثل اعلى تنبع منه قيم مثلى جديدة هى التى ستعمل على اعادة الحياة إلى مؤسساتنا التربوية وعلى جعلها تستعيد ما فارقها من فكر تربوى ومن سنن ثقافية بصورة
عامة هو الذى سيفضى بصورة آلية الى أن تصبح المجموعة العربية تسهم اسهاما ايجابيا - ومن جديد - فى انماء الفكر التربوى العالمى وكذلك الفكر العلمى بصورة عامة ، وذلك (( لان من عرف ذاته وعرف مكانه ودوره فى عالمه يتفتح عنده الوعى ويتسع ، وتنشط عنده الارادة وتنهض ، ويرهف عنده الذوق ويرقى . ليس أدعى الى الاقبال على الحياة الثقة بها من ذات موصولة بتاريخها متميزة بمعالمها ، مدركة لدورها بين سائر الذوات على مسرح الحياة )) . (45)
المراجع العربية
- القرآن الكريم
- برهان الاسلام الزرنوجى : (( تعليم المتعلم طريق التعلم )) القاهرة : عيسى البابى الحلب وشركاؤه ( بدون تاريخ )
- تقدر لحنة وضع استراتبحبية لتطوير التربية في البلاد العربية جامعة الدول العربية - المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم القاهرة نوفمبر 1976 .
- تقرير اللجنة الدولية للنهوض بالتربية ( المشهور بتقرير - ايدجار فور - تحت عنوان تعلم لتكون ) - ترجمة : د حنفى بن عيسى . اليونسكو - الشركة الوطنية للنشر والتوزيع - الجزائر 1974 .
- الدكتور سيد أحمد عثمان : (( التعلم عند برهان الاسلام الزرنوجى )) القاهرة - مكتبة الانجلو المصرية : 1397 ه - 1977 م
- الشاذلى الفيتورى : (( المثل الاعلى والثورة الفكرية )) مجلة الفكر - السنة الخامسة - العدد 9 - تونس جوان 1960
- الشيخ محمد عبده : رسالة التوحيد - الطبعة السابعة عشرة - دار المنار - مصر سنة 1376 ه
المراجع الاجنبية
Maurice BUCAILLE : La Bible , le Coran et la Science : les ecritures sain - tes examinees a la lumiere des connaissances modernes.» Seghers , Paris 1976,255 pages . Gilbert DE LANDSHEERE : « La formation des enseignants , demain » - Fondation europeenne de la culture - Casterman , Tournai , avril 1976 .

