يجد القارىء فى هذه المحاولة من النوع الهريالى اعرابا يخرج عن الاعراب المتعارف وتعابير وتراكيب عامية قصدها الكاتب . وقد آثرنا نشرها كتجربة أخرى فى القصة التونسية حتى يرى فيها القارئ رأيه ونترك للكاتب بطبيعة الحال المسؤولية الكاملة .
- الفكر -
ابعدي قليلا عن الدفء الدامىء الاصفر . ابعدي عن الدفء الاصفر قليلا . إذ أن أبي كان يردد أقوالا حفظها عن أحد أجداده . سترين أنه أزرق لاني أغضب عندما يتهم أبي أصدقائي بالإنحراف والبلادة . إنهم لا يريدون تمييز الايام بالحلل والدماء والدعاوي . حياة قلمي باهته في الابخرة . البهتان باهت في حياة أوراق قلمي المضمخة خجلا في جبن محفظة كتبي . الاحلام ضربت نظاراتي الصفراء فتهشم إطارها الاسود . . . عندما قفزت من الطابق الخامس من مدرستنا العتيقة . كنت أظن أني سأتحطم كما زعم القيم العام ومساعدوه الثلاثة وكما ذكر القيمون الاربعون في اجماع تقريرهم للادارة . ولكني رأيت الارض بنفسجية مخضرة . فقفزت . . . عندما اصطدمت بالارض تذكرتك . التفت إلى الطابق السادس من مدرستنا العتيقة . الطابق السادس اصفر اللون فتحت عيني اليمنى وغمزت بعيني اليسرى . رايتهم أشباحا . الاشباح دوما تتحرك في تخبط . افتحي عينيك عندما تصطدمين بالارض . سترين الاشباح تتخبط . ولعلك . . . أنا معهم أتخبط . المحطة مزدحمة بسكان الذباب . الذباب يتراقصون . الاهل يحبون الذبان . القطار لن يسافر . القطار يريد الذبان . القطار قرر القيام بحملة أسبوع النظافة . القطار لا يريد الذباب . القطار نظيف الحواشي . الاهل يحبون الذبان . القطار لن يسافر . الاصدقاء لا يريدون الذبان . القطار لا يريد الذباب . عندما كنت طائرا في طريقي كانت الطوابق تتجاذبنى . وكنت أشعر بجاذبية الطوابق . كانت الشبابيك
تنبعث من أعماقها أضواء مختلفة تغريني . لكن أبي نصحني عن الإغراء . الإغراء اندفاع في رمشة عيني اليمنى الغامزة . كنت استطيع أن أنزع لها ملابسي الداخلية . كان لنا ديك بليد . قال أبي إنه بليد . قال أبي إنه لا يستحي . الديك يقبل زوجاته الاربعة أمام الاشجار . أبي لا يقبل زوجته الوحيدة أمام الاحجار . كان أبي يضرب ديكه بعكازه . ويعذبه بأن ينتف له جناحينه . ديكنا كان لا يصيح حسب الاوقات . لعل ديكنا لا يعرف تمييز الاوقات مثل الآخرين . كان بجناح ديكنا حشرجة . لعل ذلك نتيجة تعذيب ديكنا ومراقبته المتواصلة . أبي لا يحب الحشرجة . كان ديكنا يقبل قبل تدخين زوجاته الاربعة . كنت أنا أضحك بدون قهقهة . أبي يدخن ولا يقبل زوجته . أبي لا يحب القهقهة . كان ديكنا يتناول كثيرا من النفة بعد تقبيل زوجاته الاربعة . أبي يضرب حكة النفة مرتين ثم يحلها برفق وانتباه بتجمع له لعابها فيضم شفته ويبتلع ريقه جرعات عديدة ثم يفتحها ويدق نفة بين خنصر وإبهام يده اليمنى ليودعها بين اسنانه وشفته السفلى واحيانا شفته العليا . . . لقد ورث حكة النفة عن أبيه الذي تلقاها هدية من جده يوم بلوغه " سن الزواج " . إن حكة النفة غالية الذكريات . جاءت من المدينة المكرمة عندما حج جد أبي للمرة الثانية . جد أبي فكر في هدية لابنائه . وبقي الابناء يتفكرون حجة جدهم الثانية . أبي لم يعطني الحكة المذهبة . ترى هل لم أبلغ بعد " سن الزواج " . هل يريد أبي أن يتذكر أجداده دوما . . . كنت أتمنى لو يهديها لي . أشعر بواجب نحو أساتذتي الذين لقنوني حكايات كثيرة عن جد أبي . كانت حكة النفة - التي لم يشبحوها - محور دروس أساتذتي ومساجلاتهم . أبي يبالغ في تناول النفة . يمسح إصبعيه في حذائه . وأحيانا في وجه أمي . ولا يقبل زوجته . أبي يخشى نظرات الاشجار الفضولية . وكنت في الطابق الثاني فسمعت همسة لاحدى النوافذ الخشبية فاستدرت قليلا لكني شبحت أستاذي المتبرز في الغزالي وحلفائه المهللين يحادث أستاذي المتدكتر في ابن خلدون وخصومه . كدت أضيع اتجاه كتفي . فيبتر خنصر يدي اليمنى . لكن . كان أبي يكره ديكنا . كنت أحب ديكنا . كنت أرقص " الستنبالي " عندما يقبل
ديكنا زوجاته الثلاثة . ذات يوم . لم يتناول أبي النفة وليس له دخان . وجدت ديكنا في نفس مساء اليوم في حانة مع زوجاته الثلاثة يرقصون على نغمات " هوليداى " ويغنون أغاني " بريفار " ويتشاجرون بلسان " بوفوار " و " ساقان " فتوقعت كارثة وهمست في أذن ديكنا بقيتارة " ورايت " . . . هلعت إلى منزلنا فوجدت أمي مفحجة على كانون يحترق فيه بخور وداد وصرغين . أدركت أن كراهية أبي لديكنا ستتوتر وستحطم درجة الوصم الريكور لاني تذكرت أن أبي كان يكره ديكنا كلما أرى أمي محرقصة مسوكة أو اشتم عليها رائحة الجاوي والصرغين أو تعلك اللوبان . أسرعت راجعا لاعلم ديكنا . وجدت ديكنا آنذاك في نشوة موسيقي " براون " . كانت طامتي الكبرى . ديكنا لا يفهمني . ديكنا يشطح " السلوي " مع طوطو ( زوجته الصغرى ) حدثته حديث ناصح يهوى الوعظ والإرشاد . وبسبست له مثل كلبنا الاملس الامين . لكن كان ديكنا قد غير الرقص مع موسيقى " براون " وكانت الطامة الكبرى إذ وجده صديق أبي في الكارتا والديمينو - وكان آنذاك وحيدا في الحانة - يرقص مع دجاجته " الدجارك " على موسيقى " توم دجويس " . . . وصادف أن حلم أبى ليلة أنه ضيع حكة النفة فاغتاظ ثلاثة أيام واضرب عن الاكل ساعتين من كل هذه الايام . وقرر أن يذبح ديكنا . كتف أبي ديكنا بشوليقة من محرمة نفته . مسكت أمي بيدها اليمنى جناحيه ورجليه في خمسة واحدة . وبيدها اليسرى عنقه بعد أن طلع أبي لسانه وكمض فمه ثم طلع لسان ديكنا وكمض منقاره بعنف إلى درجة أني خلت لسانه قد انقسم ثم مسك بيده اليسرى بلعومه وقبل رأسه إلى القبلة . وكانت فلفولة ديكنا تتدلدل حمراء . وكان ديكنا لا يتحرك ولا يصيح . أسلحته تحت مراقبة عظمى . تمتم أبي كلمات أسمعها منه عند الصلاة أو قبل النوم . جر أبي الخنجر ثلاث مرات على بلعوم ديكنا . خرج دم أحمر . خرج دم أحمر مزرق . خرج دم أحمر مصفر . خرج دم أصفر مزرق بدون خضرة . قذف أبي الديك بعيدا وتركه . قفز ديكنا يجري . يوزع الدم على
الارض والحشائش . ينادي دجاجته الصغرى ليقبلها قبلة الوداع . دجاجته الكبرى كانت تقاقي . فرحت . صفقت بجناحي . صاح أبي " قداش تعاند . ماحر روحك يابلعوط . أهبط اربش التراب " . أخذ ديكنا لاول مرة كلام أبي . نزل ديكنا بعد أن لوى عنكوشه المشطور . بدمه المغمى عليه . يتخبط بجناحيه . يتصكك برجليه . رقد على ظهره . عضيت ظهر ابهامي بقوة الحسرة والالم المتألم . طبخت أمي ديكنا في برمة الجيران . وتفور الكسكيى في كسكاس الجيران . وتملس الخبز في طابونة الجيران . . . عندما كانت أمي تطيب السردوك حدثتني عن قصة " البدري منع والعيد ودي يم ويم " وجاءت ابنة جارتنا _ التي تسميت عليها وتسمت علي منذ صغر الصغر _ تسخر مني وتتمنيك علي . تتساءل كيف أبقى مع النساء وغنت أغنية بدوية رمزية شيقة لم أحفظها لاني كنت ثائرا . أخذت علجية - زوجتي عندما اتحصل على مستقبلي - ترقص فوق رأسي وتي في أذني . كنت مقعمزا أنفخ نار الكانون . صاحت أمي محتجة لمثل هذا النوع من تطييح القدر غضبت أمي غضبة فارت منها البرمة فكثر الدخان حول المناصب . جاءت السيدة فزعوطة - جارة أمي وعشيرتها في أكل لحوم البشر - مولولة محتجة لان أمي ضربت علجية - ابنتها البكر - بالمحماش الملتهب . لحست السيدة فزغوطه المرق الذي فار من البرمة . تطور النقاش . أخذ صبغة الللوم على ذكريات الصبا الراحلة والتحسر على الايام المدفونة تحت أقدام النعجات . . . لم أقبل زوجتى المقبلة . بكيت كثيرا . لكن . لحم ديكنا كان لذيذا في شهوته . أكل أبى الصدر كله . حلقنا حول شقالة الكسكسي . بدأ أبي يأكل بغنجاية كبيرة - كان يقول بأنها مصنوعة باللامنيو - عثر عليها أثناء الحرب العالمية ملوحة مع حذاء لاحد الجيوش المجهولين . بدأت أمي تستعمل مغرفا مصنوعة من الخشب تستعملها أحيانا لتحريك الطنجرة - التي بال فيها كلبنا قبل ذبح ديكنا بقليل -
أو تذوق الملح . كنت واخوتي الصغار نستعمل لحوم ايدينا للاكل . . . لذلك كان تعود أبي يبدأ بالأكل . ننتظره حتى يشرب كأسا من ماء الماجل الراكد . نتبعه عندما ينتصف شبعا . عندما يضرب الهواء البارد الكسكسي فتطيق سخونته أيدينا . سلم لي أبي قليلا من اللحم الشهي . أبي يشتم الديك الذي لحمه شهي . همس في أذني أخي الأوسط حكمة علمتها له جدتي عندما كان يؤنسها في وحدتها " أكل الغلة وسبان الملة " . غصصت بالكسكس الشايح الذي امتص أبي مرقه الفاوح . قطعت أمي فخذ أبي الايمن . سلمت لي الفخذ الايسر . إخوتي ما بقي لهم . مسكت الفخذ الايسر بيدي . أنا لا آكل الفخذ الأيمن . الفخذ الايسر كان يبدأ دائما في دفع ديكنا على تقبيل زوجاته . كان ديكنا مولعا في التشقعب وجمع مواقف التبزدق . أبي يكره الفخذ الايسر لانه لا يستحي . كان الفخذ الايسر يبادر بتقبيل زوجاته الاربعة . غسلت يدي . مسكت فخذي أبي بكلتا يدي . بكل عنف الشباب المضبع . كنت صبيا في ثورتي وجوعي . نهشت فخذي أبي بأسناني الخضراء الفوقية في الأمام . أكلت عرق فخذ أبي بأنفي . عيني كانت تختار . كانت تصمم . عيني تهوي سبيل النجاح . النجاح وليد الدقة . كان أبي يقول بأن عظام الدجاج تسبب أمراض الكلبا - جاءت كلبتنا وابنها ( في السنة قبل الماضية ياحسرة ) يبصبصان ببعبوصيهما كما يفعل جدي - ( رحمة أبي عليه ) عندما يكون جالسا ثانيا رجليه تحت أليته الشاحبة - بإبهامه سبابته . أخرج كل منهما لسانه وانتبهت آذانهما بكل استعداد . وكان أبي يرمي اليهما من حين لآخر قطعة من العظم بعد أن يمشمشه ويمتصه من جميع نواحيه الخارجية والداخلية . فيصطدم الفم في الفم في موقف غرامي قد يتطور إلى معركة يتبوص منها الشعر ويكثر فيها الكران والهران . وقد تنتهى المعركة بانتصار الزوج على الزوجة أحيانا وكانت آذان أبي تتحرك عند نصبته على المعركة أو عند تقليبه عظم ديكنا في فمه . أدرك أخي الصغير . . . ابتسم وفسر لي في اذني المجاورة له لماذا سمي أبي " الحاج بلغه " في حين أنه قال عن نفسه يوما بأنه لم
يغادر المنطقة قط - كنت أطيع كلام أبي . كان أبي - مثل آباء اصدقائي لا يعرف إلا الاوامر السلطانية . هكذا رباه أبوه عن صنعة أجداده . كنت أطيع كلام أبي المنزل من صدره . لكن عظام الدجاج كانت دقيقة . لحم الدجاج شهي . إبقعععععئه . ضحك أخي الصغير حتى استلقى على الارض وفركها برجليه فجعلت أختي منه زربية قيروانية مزينة . قبلت أبي من أذنه المجاورة لي . ضحكت كما يضحك ديكنا عندما تغازله دجاجة جيراننا . ضربني أبي برذاذ عظام ديكنا تطاير من أنفه . أبي لا يطيق أن أقبله قبل أن أغسل فمي . كان أبى يحفظ الامثال كثيرا . حدثني أنه حشا " المثل السائر " بجانب أمثال جدوده في مخه . كان أبي يطقطق عظام ديكه المهزوم . كان أبي يمرطق كثيرا عند الاكل خاصة عندما يكون الميكول شكشوكة بالفلفل الاكحل والكروية المتبلة أو عجة بالمعدنوس وعظم دجاجات ديكنا المرحوم والفلفل الاحمر المرحي والطماطم المعجونة . . . تڤرع أبي تڤريعة انفجعت منها كلبتنا وزوجها . جاءني ديكنا ونقر عيني اليمنى . أزال ما علق بها من رماد سواقير أبي المبعثرة قعاميرها هنا وهناك . وشوش في أذني " فنان الغلبة لن يعطوه كرسي الأوسمة " . عند ذاك أدركت أن ديكنا نبي مجهول . وتفاءلت . أن أبي يكره ديكنا أنانية ، أنه يتهم ديكنا بكونه معدا وماسخون ظلما . وتفاءلت . قفز ديكنا بعيدا وصاح بجناحيه الإثنين وطلع ريش مزركش يعوض ما تتفه أبي . التفت حول ديكنا زوجاته الاربعة التفاف الصبيان بمعتوه القرية . وتبختر لهم . وطمأنهم . فتفاءلت . قال لهم فى التبختر بما قاله لي منذ حين فانحنت الدجاجة الصغرى . قفز فوقها ليغمض عينيه . فتفاءلت . سلمها ما افتكه منذ حين من عيني اليسرى . فتفاءلت . ديكنا يحب دجاجتنا الصغرى محبة خاصه ( وهي طوطو الصبية ) لعل ذلك راجع إلى أنها تلبس سروالا قصير كسروال "عبد الرحمان " الذي أضحكني به معلمي المستشهد في رمادة عندما كان يقضي إجازته الاسبوعية بين صغار حزامه . مسكين معلمي كان بشوشا . رحمة الله عليه معلمي كان يحبني ويحب
تلاميذه . وكان يقسم دائما بأنه لا يفرق بيننا وبين أبنائه في رماده . رحمة الله عليهم جميعا . ديكنا يحب دجاجته الصغرى محبتي لما أكتب . ديكنا يحب دجاجته الصغرى محبتى لمعلمي الراحل . ديكنا يحب دجاجته الصغرى . كانت دجاجتنا الصغرى لا تخجل عندما ينزع لها ديكنا سروالها القصير أيام الصيف . كانت جميلة في جاذبيتها . كانت ساحرة في آناقتها . كانت تقهقه في مواصلة تغيير لباسها اعتقادا منها - حسب ما قال لي ديكنا يوما من أيام حياته - أن لباس البارحة قد لا يكون صالحا اليوم . كان ديكنا يشتري لها الملابس الجديدة والمؤلفات " الموضائية " العصرية يوما بعد يوم لان ديكنا كان لا يحب بدائية النفاق وتسعبن خداع منتصف الليل . كان ديكنا يتڤزدر جهارا أمام دجاجاته الصغريات . وقد كان أبي يفتح تكته من حين لآخر ويتوكل على الله في تجزير بعض النعاج الوادعة بين خلايا تكته تمرح في الدفء والراحة على نغمة الصبا أو السيكا في بعض الاحيان . كان أبي تطربق بعض أضراسه على بعض عندما يرى ديكنا يغازل زوجته الكبرى . يلتفت إليه ديكنا التفاتة استراحة كادح جوعان . يحك منقاره في بعضه مقلدا طربقة اضراس أبي الصفراء . يواصل مغازلاته المتوجة في أعصابه . كنت قد تذكرت في تلك اللحظة عجوزا فرنسية تقبل زوجها بلهفة نظارتيهما المزدوجتين في شارع كبير من شوارع باريس غاب عني اسمه وكنا آنذاك في حافلة الرحلة الجماعية فصاح أحدنا صيحة صبي شرقي متفرنس " الشيب ولعيب " فأجابته العجوز بلغة مدام بوفاري والتفاته الإيزابيت وثورة شعر بريجيت باردو " اعمل كيف لخزين . يا مغيار . . . يا مسكين " وكنا قد صحنا كلنا صيحة شرقية متفرنسة إلا سائق الحافلة ومرشد - وكانا فرنسيين - تكهربا بالصيحات الشرقية المتفرنسة فصاحا صيحتين فرنسيتين متمشرقتين . كان أبي يمنعني من قراءة الشعر . كان أبي مولعا بقراءة شعر الحفلات وملزومات الاعراس . كان ذيل دجاجتنا الكبرى ( زوجة ديكنا العجفاء ) كسروال أبي عندما يجري بدون جبة وراء بعوضة قرصته في أنفه وضرب أنفه
بشدة القرصة . كان ديكنا لا يرافقها لاكل الدود من اكداس اللغبار لان دجاجتنا هذه لا تحسن العزف على الميلوديكا . كانت دجاجة ديكنا الوسطى تعزف على البيانو . الموسيقى عندها " مالوف " وهديل أم كلثوم الباهت في العهد العثماني . الموسيقى عندها تنويم واسترخاء . التصوير عندها حرقصة العرائس ليلة زفافهن . ديكنا كان يحب الرقص فوق نغمات الموسيقى المجنونة . قالت دجاجتنا الكبرى هذه تحدث ديكنا المنشغل آنذاك بمغازلة دجاجته الصغرى التي بالغت وقتئذ فى اغرائه والتهاب اعصابه . كنت يوما ابنا لي - واحسرتاه - وكنت أحبك حبا افلاطونيا . وكان آنذاك المؤلف قد انتحر لرفض قصصه . وكان الجو حارا . وكان المؤلف جمع مخطوطاته وكتب مطالعته واشعل فيها النار ثم ارتمى عليها بعد أن علق نفسه في حبل في السقف . وبقي يتدلى وسط النار وقد أغلق الباب . وكنت أتوقع أنك ستكرهني عندما تكبر لانك كنت لا تبتعد عني . وكنت تقلقني . وكنت أطيق نبزاتك الصبيانيه . وكان احد رواد الفكر المقربين يحذرني برفق ولطف . وكنت أنذاك نزعت أوسمته كلها . وأزلت صورته من مجموعة ألبومي وبحثت عن المؤلف فوجدته رمادا . وكنت قد بكيت . . . ثم أتهجت بكاء ثم ولولت عويلا ثم خرفته خرافة الغول المتكبر ومآله . وقف ديكنا مغتاظا يسمع شعر دجاجته ثم وضع رجله اليسرى تحت منقاره ونصب على زوجته الصغرى يتربج بها فظن أحد القراء ( ولعلك أنت ) فليسوف الرموز فغضب من تأويل هذا السوء وواصل مغازلة زوجته الصغرى . دجاجتنا الكبرى لا تطير . دجاجتنا الصغرى تنام بجوار زوجها فوق سقف مواشينا . دجاجة ديكنا الكبرى تتململ فوق العظام تحرسها من الحناش والزرزوميات والوزغ . قلت لابي يوم سجن ديكنا ومنعه من تفلفيس دجاجاته بأنه يتألم . فضربني بكفه ضربة رأيت من خلالها النجوم في القائلة ووزوز منها خدي مسحت خدي الملتهب بيدي وتلهيت في معالجة ضرس خلخلها كف أبي . تؤلمني . وتفاءلت دنكست من الحشمة . ان أبي لا يعرف صمت الكلام . أبي يؤمن بأن الكلام هو الكلام
أبي يقدس الكلام . الكلام منزل في كتاب مبين . كان أبي يمنعني من قراءة الشعر ولكنه يقرأ الشعر قليلا ويسمعه كثيرا . كان ابي لا يفلت مناسبة شعرية .
عندما تنادي أمي دجاجاتها لتناول مسحوق من طعام . كنت أضحك بالسرقة لان ابي عندما يقرأ الشعر يلتفت ( بدون أن يشعر ) إلى أمي في ابتسامة الفخ . وعندما اسمع أمي تنادي دجاجاتها . أضحك بالقوة لاني دجاجتنا الكبرى في حاجة إلى عصاة أبي التي يتركز بها عند دخوله طريق منزلنا ويضربني بها عندما أضربه ( بدون عمد ) بالكرة المطاطية أو بعجلة مرساديس حصان دجاجة ديكنا الصغرى . لحم ديكنا شهي رغم اصبعه المشوه بغيار زوجاته الاربعة ( ليس دائما ) ورغم تحول قضية " فرانس كافكا " إلى قضية دبلوماسية على صعيد مختلف القضايا . وكانت دجاجتنا الزرقة - زوجة ديكنا العاقر - تضحك عندما سقط ديكنا فوق قصعة الكسكسي مغشيا عليه . شربت دجاجتنا الزرقاء هذه - سامحها ربها - من نزيف عنق ديكنا المتخبط . كان أخي الصغير يبكي مثل معلق سياسي في جثة ديكنا التي تملا آذان قطتنا الخضراء . قطتنا خضراء تحب الفئران البرتقالية . كانت قطتنا لاتحرقص وجوه العرائس ليلة زفافهن . بل كانت تخبشهن في خدودهن . لكنها تحب الدماء الحمراء . الرسم عند قطتنا خربشة وتفرعيس تعقف ذيل قطتنا . امتد ذيل قطتنا كالثعبان الذي رايته في الافلام . أحاط بعبوص قطتنا الصفراء برجل أبي كما وصفه معلمي - رحمة الله عليه - بالسوار الذي يحيط بمعاصم فتيات السلاطين . معلمي كان حنونا . أبي يمسح السكين الحمراء في لسانه وشنياته المحزمة بفتلات أصابعه الدائمة . أبي لا يحب ان تبقى شنباته مبعثرة . أصابع أبي تقتل شنبات أبي باستمرار حتى في النوم أبي لا يحب أن تبقى السكين حمراء . وصية ثمينة ورثها عن أجداد له . رحمة أبي عليهم في ليلة جمعة وبعد صلاة العشاء . أبي يمقت الفضائح . أبي يضرب حمارنا عندما ينهق . الحمار يفضح الشياطين . النهيق تحد لزمجرة أبي " الهلالية " . كانت آذان حمارنا
تطرب راقصة " السلوي " لنهيق قطتنا الجائعة على نغمة " الجاز " من هجوم الفئران لمراقبة التسلح من الحل الدائم لقضيه البقاء لله التي تعرض إليها سالم بن الصادق بن أحمد إثر محاولته للانتحار قصد شربة خليط الجافال ومادة الد . د . ت . لان السيد " أندري مالرو " وزير الشؤون الثقافية تعرض لاعتداء من طرف رسام ثائر على النظام يسمى " بينسلي " الذي رماه بدهان أحمر فتدخلت الشرطة في الابان واوقفت الرسام المعتوه في جنونه ومنعت الصحافيين من تنطير خبزتهم بعرق جبينهم بمحادثته ثم أعلن رئيس المركز بأن بنسلي قال " اني رسام ويعرفني السيد مالرو ولم أقم بعمل خطير فقد رميته بدهان مائي وقمت إزاءه بدور تثقيفي " . قطتنا تخربش وجوه العرائس ليلة زفافهن . قطتنا نظيفة . لا تحب الاوساخ . لقد علمتها أمها تربية بيداغوجية رحمة المؤلف على أم قطتنا . قطتنا نظيفة جدا . قطتنا لا تدمي الارض عندما تجري وراء قطيع من الفئران . أبي يدمي الارض بعكازه عندما يجري وراء ديكنا . قطتنا لا تحب البترول . البترول أوساخ شقاء . أبي لا يحب قطتنا عندما لا تحب الإوساخ . كان عكاز أبي يوخز الارض اليابسة . يقتل الاعشاب الطرية أحيانا كان أبي مولعا بفتل شاربيه . أبى يحب جده الذي لم يره لان "جيمس جوايس " لم يحدثه عنه . حدثني أبي كثيرا عن ( جده ) . كان جده يشبه أبي في شخيره عندما يكون مستيقظا على مرفق كتفه أو رافعا رجليه فوق صدره كابن عمي الصغير تنقصه الحلوى . أو عندما يضع كفه على خده ويغني " الصالحي " أو " قد لبابور " مصفقا بكلتا يديه . بكلتا يديه الغليظتين . كان جده مدمنا في ذبح الاكباش - لم يفهم من كتاب جوايس ولو كعبة واحدة - خاصة أيام العيد . جدي لم يتزوج قط . كان لجدنا ديك أصم . كان أبي يمنعني من محادثة ديكنا . لكن ديكنا لم يكن أخرس . ديكنا يصيح . ليس بكوشا . ديكنا يسمعني . ليس أطرشا . كان ديكنا سعيدا متهنيا . كان جد أبي هذا قد طاف بالعالم أسيرا للالمان وكان جدي أحب امراة فرنسية علمته كلمات الطبخ فقط لانها كانت طباخة الفوج الخامس . وكان يساعدها في الطبخ . كان ديكنا سعيدا مع زوجاته الاربعة .
بعدما انتهى أبي من أكل الدجاج-دجاج لحم ديكنا-مسح أصابعه في شنباته ومسح شنباته في فمه . أخذ - كعادته - عودا من الحصير الذي يجلس ويصلي وينام عليه ليخلل به أسنانه واضراسه . وقد ببصق من حين لآخر بصقات لا تتجاوز بصقات النفة سوى أنها أقل ميوعة وأكثر احمرارا . فتح أبي حكة النفة وأودع ما جادت به عليه أصابعه في فمه . ثم أدخل سبابة يده اليسرى في أنفه وعالج حواشيه الداخلية قليلا . بكل انتباه . حمدل . بسمل . قرأ سورة علمها له جده . ضحكت ضحكة متخنث جبان . قهقه أخي الصغير . أخي الصغير لا يحب تشويه القرآن في خطإ . معلم أخي الصغير - ابقاه الله - أوصاهم بأن يقهقهوا عندما يسمعون خطأ في ترتيل القرآن . قهقهات الصبيان تبلغ آذان الاعراج فلا يحرم أبي من شفاعة أجهزة الاعلام . لعن أبي المعلم لعنة متعجرف إلتهبت مفاصله . الجيل الجديد في ظلال مبين . ألو همغفلهم . ازدادت ضحكات أخي تشنجا حتى شرق بريقه . بصقت أمي على أوجهه وكان فمها محشوا كسكسا وهريسة ونفخت في عينه وحملته بعيدا منادية الاولياء الصالحين لمسح وجه أخي مما علق به أثر نوبة الضحك . انفلتت شعرة من شنبات حزمة أبي تطالب بارائك مصنوعة من دود الحرير في أقصى اليابان أمام قصر المأمون وعلى ضفاف نهر مجردة ردد أبي بصوت مجهور - خوفا من تناثر مسحوق النفة من فمه - القرعان طياح في كل ظلام . سوف لن يترقب أبي دوره طويلا أمام باب الجنة الاول في " الريد يشوسي " . سكت أخي الصغير في ابتهال . نظرت عيني غامزة حلقة تناقض الاعمار في الحلقة الخامسة . كمشت على حفنة من الكسكسي . قفزت . هرولت أتكتك للدجاجات الثكلى لتقف دقائق صمت أمام الاربعينيه . أربعينية ديكنا ولا شك - لكن دجاجتنا الزرقاء لا تحسن الفرنسية ولم تحفظ قصائد الخنساء . رفضت دجاجتنا الحسناء ( زوجة ديكنا طوطو ) أن تأتي لتلبية دعاء الاوامر كانت منشغلة بتغطية دم ديكنا - عندما ذبح - بما جمعته في بطنها من زق وبول مدة يومين . دجاجتنا الزرقاء لا تحسن ترجمة الفرنسية . رفضت دجاجتنا الزرقاء الاكل وزهقت ( فرحة أوحزنا أو دهشة . . . ) لما جاءت
كلبتنا الاكولة لاهثه من عينيها . لعقت تراب الكسكسي بنهم لسانها الطويل المحمر . الكلاب بارعة في مسح التراب . أوصى أبى خنجره قبل ديكنا ثم أتى بحجرة سوداء . . . ثم معجنة كبيرة وقلبها على قعرها . دلك عليها خنجره كثيرا . وكان من حين لآخر يبصق عليهما إلى أن يلتهم أحدهما بصاق أبي . ثم طعن أبي الارض " طعنة ثائر " وجرح ظفر ابهامه ليده اليسرى ليتثبت من مضاوة حافة خنجره . كان أبي لا يستطيع أن يعمل بيده اليسرى . لذلك تجد اليمنى تقوم بتجاربها على أبي اليسرى . يد أبي اليسرى عاجزة . لا تعرف الا نتائج أعمال أبي . رجعت أختي من " معمل الصناعات التقليدية " . قبلت أفراد العائلة . لم تقبل أبي . أختي تخشى أبي عندما يكون في عكازه . لعلها هذه المرة أرادت أن تمنع أبي فاختنقت بخنجر أبي لان صديقتها . سعاد " لم تنجح في الامتحان فتزوجت بإبن معلمتها العجوز . لاني سمعتها تتمتم بكلمات لم أفهمها بل لم أفهم منها إلا أنها سمعتها تقول بأن الحق على حواشي الخناجر . وتفاءلت - غسل أبي يديه بماء من الصابون . ثم حدثنا أحاديث طويلة كررها مرارا عديدة حتى أن أخي الصغير كان يهمس في أذني بنهاية حديث أبي كل ما شرع في حديثه . كان أبي ينفعل ( فيبكي أحيانا ) عندما يحدثنا عن شبابه وماسيه البطولية . كان أخي الصغير يبكي عندما يضحك أبي متفاعلا مع ذكرياته . وكان قد يضحك عندما يبكي أبي . أخي الصغير كان خبيثا . سماه أصدقاؤه نعتا لطيفا نسيته . أخي خبيث . حتى مع أبي وكان أبي من حين لآخر يستعير قصة لاحد أصدقاء طفولته مدة من الزمن ثم يطرأ له أن يرجعها بكل أمانة لان جمعية حقوق المؤلفين شرعت في تطبيق الفصل الرابع والخمسين من حقوق الطبع المحفوظة . كان أخي يردد حكمة علمها له معلمه - أبقاه الله - فى تمارين الخط تقول بأن الذئاب تعدو على من لا كلاب له .
استيقظت ذات يوم متأخرا لاني سهرت كثيرا أحطم جماجم الدخان على الطقطوقة ولان أمي اسمعتني أغنية من ذكرياتها في العصر الجاهلي . وجدت أبي يتخاصم مع جيراننا الذين طيبت
عندهم أمي ديكنا لكنهم غبروا بأوساخ ديكنا أعواد البرتقال في سانية عندهم . وبعد أخذ وجدال وتطييح حرف الياجور افتك أبي تراث ديكنا من مزبلة جيراننا . جمع ريش ديكنا في صندوق صنعه في أوقات فراغه . . . بحث مدة طويلة - لم نجد خلالها ما نأكل - عن ديك آخر يشبه ديكنا واشتراه - بعد أن وجده - بأموال جمعتها أمي من بيع بيض زوجات ديكنا الثلاثه . وكون للتمثال تاريخا للشجرة التي كان يقبل تحتها ديكنا زوجته الحسناء . ظن أخي الصغير أن أبي قد وبخه أحد أجداده في منامة من أحلامه . كان أبي يمنع أمي من الذهاب إلى أهلها لان لها أخا تزوج فرنسية تنظف أبناءها كثيرا . أبي لا يحب القيل والقال كثيرا . أما قيل أو قال . أما الاثنان فالجحيش لا يطيق . كان يردد أقوالا عن أجداده . بكل أمانة . وهل يجوز اللعب بعشانا . . . أبعدى قليلا عن الدفء الدامىء الاصفر . ابعدي عن الدفء الاصفر قليلا . إذ أن أبي كان يردد أقوالا حفظها عن أجداد أجداده . سترين أنه أزرق لاني أغضب عندما يتهم أبي أصدقائي . . .
