ظهر فى البحرين
نشرت دائرة الاعلام لحكومة البحرين - نشرة (١) بعنوان : ((آثار البحرين)) في تاريخ ( غير موجود ) أعد المادة جمعية البحرين التاريخية الموقرة ، وقد لفت نظرى من الصور الاثرية المنشورة ( على كثرتها ) صورة دينار فى الصفحة الاخيرة ( الصفحات غير مرقمة ) واضح المعالم بسبب اعتباره من الدنانير المضروبة جيدا انظر شكل (١) أضف الى ذلك أن الصورة مكبرة ٥:٤ الى اضعاف حجمها الطبيعى ، وقبل دراستى لهذا الدينار (٢) أذكر نصوصه ( أنظر شكل ٢ ) .
لا اله الا الوجه مركز الله وحده لا شريك له الحسن ع
(١) أهدى لى هذه النشرة مشكورا احد تلامذتى السيد عبد الرحمن مسامح ( وهو من البحرين ) فى السنة الثالثة قسم التاريخ كلية الآداب جامعة الرياض .
٢ - يضم كل من متحف برلين بالمانيا والمتحف البريطانى بلندن دينارين مشابهين لهذا الدينار ،
كما نشرت مجلة الجمعية الاسيوية الملكية - المجلد السابع عن السلسلة الجديدة لسنة ١٨٧٥ م دينارا آخر مشابها له انظر ( النقشبندى - الدينار الاسلامى ، ص ١٢٣ ) بغداد ١٩٥٣ م .
الظهر مركز
لله محمد سور الله ذو الرياستين
الهامش : محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره عن الدين كله الهامش : بسم الله الرحمن الرحيم ضرب هذا الدينار ستة مائتين .
ويحثنا لهذا الدينار يدور حول معرفة ما ورد عليه من اسم ولقب علاوة على ذلك الظروف والاسباب التى جعلت هذا الدينار يقتصر على ذلك ( الحسن ) و ( ذو
الرياستين ) دون اسم صاحبه الشرعى الخليفة المأمون .
بعد انتصار المأمون على اخيه الامين سنة ١٩٨ م على يد قائديه طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين ، اصبحت أمور البلاد بمرو يديرها وزيره الفضل بن سهل الذى ادعى انه صاحب الفضل الأكبر في تأسيس دولة المأمون ، وأراد الفضل ان يستفيد من هذه الدولة فيستأثر بنفوذ الكلمة فيها ، ولكنه لم يتم له ذلك والعراق بين يدى القائدين طاهر وهرثمة ، فأصدر الفضل أمرين سنة ١٩٨ م على لسان المأمون أولهما بتولية الحسن بن سهل على جميع ما افتتحه
القائد طاهر من بلاد وكور الجبال وفارس والاهواز والبصرة والكوفة والحجاز واليمن ، وطلب من طاهر تسليم ما بيده من الاعمال الى الحسن وان يتوجه الى الرقة لمحاربة نصر ابن سيار بن شبث العقيلى وولاه الموصل والجزيرة والشام والمغرب(٣) ، ولم يسع طاهرا الا أن ينصاع للامر .
والامر الثانى الذى اصدره الفضل كان الى هرثة يأمره بالتوجه الى خراساف ، فامتثل هرثمة للامر ايضا ، وبذلك خلا
العراق من هذين القائدين للحسن بن سهل .
والدينار المذكور عليه اسم الحسن بن سهل بن السرخسى الذى كان واليا على العراق والمناطق الاخرى من قبل الخليفة المأمون ، ولم نعرف بالتأكيد المدينة التى ضرب فيها هذا الدينار ، لأن مدن الضرب على الدنانير الاسلامية عامة لم تظهر الا فى سنة ١٩٩ ه (٤) عندما ظهرت كلمة العراق ومصر سنة ٢٠٢ ه عندما ظهرت كلمة المغرب (٥) والذى اعتقده أنه ضرب في احدى البلاد التى اصبحت تحت سيطرته وارجح العراق لانها كانت مركزا للمنطقة الشرقية من العالم الاسلامي ، وربما يعطى الحرف (ع) الذي نقش تحت كلمة الحسن رمزا لكلمة (العراق) .
أما لقب ( ذو الرياستين ) في مركز الظهر فيخص اخا الحسن الفضل بن سهل وزير المأمون ، وكان قد تلقب به منذ توليته الوزارة (٦) سنة ١٩٦هـ على نقده الفضى المضروب فى طبرستان ( في نفس التاريخ ) وعليه اسمه ( الفضل بن سهل ) ، وهنا جاء تاريخ التلقيب به وهو ( ١٩٦ هـ ) غير متفق مع ما ذكره الدكتور محمد جمال الدين سرور بعد هذا التاريخ ( وهو ١٩٨ هـ )
حيث ذكر بالحرف الواحد ( بويع للمأمون بالخلافة بيعة عامة ببغداد سنة ١٩٨ ه بعد مقتل اخيه - وكان يقيم وقتذاك فى الرى - ثم انتقل الى مرو وابقى الفضل بن سهل وزيرا له ولقبه ذا الرياستين لجمعه بين السيف والقلم ) (٧) .
كما أننا لا نتفق مع ما أورده الدكتور حسن الباشا من أن هذا اللقب ( ذو الرياستين ) أطلق على الفضل بن سهل قبل وزارته سنة ١٩٦ هـ حيث ذكر بالحرف الواحد ، وتتفق المؤلفات التاريخية مع النقوش على النقود والآثار في اطلاقه على الفضل بن سهل حتى قبل وزارته للمأمون ، اذ أطلق عليه في سكة بتاريخ سنة ١٦١ هـ في طبرستان ، (۸) والواقع أنه لم يكن لهذه المؤلفات التاريخية مع النقوش على النقود والآثار ( التى ذكرها الباشا ) وجود يؤيد كلامه ، وانما الموجود من الآثار ( وهو ما استند عليه فى العبارة السالفة ) درهم إسلامى مضروب في طبرستان على الطراز الساسانى وعليه التاريخ الفهلوى ( ١٦١ ) ويقابله التاريخ الهجري ( ۱۹۷ هـ ) وقد نشره وولکر (Walker) (٩) الذى أوضح هذا الفرق بالتاريخ - ٣٦ سنة - في نفس الصفحة . هذا من ناحية ومن الناحية الثانية ان الفضل بن سهل كان مجوسيا
ولم يسلم الا فى سنة ١٩٠ ه على يد الخليفة المأمون فهو فى سنة ١٦١ ه لم يكن مسلما كما انه كان طفلا عمره سبع سنوات (١١) ولم يتقلد وهو في هذا العمر أية مسؤولية قبل توزيره تؤهله لنيل هذا اللقب الذى كان يناله الوزير بشرط أن يكون مسلما (١٢) .
وهنا نتساءل بعد قراءتنا لنصوص الدينار السالف الذكر ، لماذا لم ينقش الخليفة المأمون اسمه وهو صاحبه الشرعى ، واقتصر على ذكر اسمى الحسن والفضل ابنى سهل ، فى الوقت الذى نقرأ فيه اسم المأمون على نقوده الذهبية التى ضربها منذ اعلانه الخلافة ضد اخيه الامين سنة ١٩٦ ه وتوليته اياها ببيعة عامة سنة ١٩٨ ه (١٣) .
هذا السؤال دفعنى الى أن اجعل هذا الدينار نادرا . وهو ما اوضحته في عنوان البحث .
والجواب هو أن عدم ذكر اسم الخليفة العباسى على النقود ( الدنانير والدراهم ) (١٤) منذ بداية ظهور اسمائهم عليها زمن هارون الرشيد (١٥) معناه أنها لم تكتمل صفتها الشرعية فلا يجوز التعامل بها ، لأن ذكر اسم الخليفة على النقد أصبح حقا من حقوق الخلافة تمسك به الخلفاء انفسهم علاوة على اهتمام الولاة والحكام بتسجيله في نقودهم ليضفوا على حكمهم صفة الشرعية ، فضلا عن تمسكهم بالعلاقة الروحية التي تربطهم بالخليفة العباسى المعاصر حتى في اسوأ الظروف التي كانت تتوتر فيها العلاقات بين الولاة والخلفاء (١٦).
اذن لا بد هناك من اسباب جعلت هذا الدينار يظهر بالشكل الموضح سالفا ، وفى رأيى ان هناك سببين الاول سياسى والثانى عنصرى .
* أما السبب السياسى فهو أن الحسن بن سهل انتهز فرصة غضب أهل العراق وسخطهم على الخليفة المأمون ، وخاصة العلويين واعيان المسلمين ، بسبب سيادته
المتحيزة ضد العرب اولا ثم انتهازه مذهب اخيه ((الفضل)) السياسى وقوة نفوذه حيث كان صاحب الامر والنهي في الدولة العباسية الى درجة انه استطاع ان ينزل الخليفة المأمون في قصر ويحجبه فيه عن اهل بيته ووجوه الناس ليبرم الامور على هواه ثانيا (١٧) .
* وأما السبب العنصرى فهو أن الحسن ابن سهل واخاه الفضل عندما شعرا بأن النفوذ الفارسى المتمثل في أسرتهما ( بني سهل ) عاد ثانية - بعد ان زال - الى ما
كان عليه الحال في اوائل عهد الرشيد حيث استحوذ البرامكة على السلطة وأرادوا بذلك استغلال قوتهم ونفوذهم لاسترجاع مجدهم الفارسى السابق ( وهو ما كانوا ينادون به دائما ) (١٨) فضربوا نقودا لها صفة رسمية دون ذكر أسم الخليفة عليها لابراز كيانهم ، وربما قصدوا من هذا الدينار بالدرجة الاولى الدعاية لا التعامل به فى المعاملات التجارية كما هو الحال فى النقود العامة ، ومثل هذا النوع من النقود ( نقود الدعاية ) ليست غريبة على النقود الاسلامية فهناك امثلة كثيرة لا مجال لذكرها .
لم تكن سياسه الحسن بن سهل فى العراق على ضوء بحثنا هذا سليمة وموفقة ،
فقد حدث العكس ، فالثورات ضده اخذت تتوالى منذ سنة ١٩٩ ه حتى انه هرب مرة عن المدائن الى واسط وظلت الامور مضطرية في العراق وليس هناك من يعمل على تلافي هذه الحال . بل ان المأمون نفسه كان غافلا عما يجرى فى ذلك الاقليم ( اقصد العراق ) بسبب اخفاء وزيره الفضل الامور عنه (٢٠) ومما زاد الأمور سوء فى بغداد مبابعة المأمون للامام على بن موسى الرضا بولاية العهد وهو ما ادى الى اثارة العباسيين عليه فلم يجد هؤلاء ردا على ما فعله المأمون الا خلعه عن الخلافة في أول المحرم سنة ٢٠٢ ه ومبايعة ابراهيم بن المهدى (٢١) - عم المأمون - ولكن الامور عادت ثانية في العراق الى حالتها الطبيعية بعدهروب إبراهيم (٢٢) .
تستنتج مما تقدم من البحث أن عدم ذكر اسم الخليفة الشرعى على الدينار الاسلامى منذ ظهورها زمن هارون الرشيد وذكر اسماء الوزراء والولاة الذين ياتون بالدرجة الثانية بالنسبة لمركز الخليفة ، معناه ان هذا الدينار لم يكتسب الصفة الشرعية ، اذن لا بد هناك أسباب جعلته يضرب بالشكل الموضح سابقا .
( وربما تكون هذه الأسباب سياسية أو عنصرية أو اجتماعية او غيرها ) .
