تلقيت بسرور وشكر هدية الاخ الكريم الاستاذ محمد على السنوسي ، انها ديوانه " القلائد " . وكانت معرفتى بهذا الشاعر العربي الاصيل ترجع الى بضع سنوات يوم كتبت فى " المنهل " الاغر عن شعراء الجنوب وكان هو فى طليعتهم
ومبعث سرورى ان وجود مثل هذا الشاعر العربى المبين فيه عزاء لنا عن المصيبة التى اصابتنا في بعض شباب العرب المساكين الذين راحوا يقلدون بعض العجزة فيما يسمونه بالشعر الحديث . ولقد سبق ان قلت ان العرب وحدهم هم الذين قالوا الشعر ، اما غيرهم من الامم فلم يقولوا شعرا قط ، وانما هو كلام منثور من الخطأ ان يسمى شعرا .
ولن اجد اقوى فى وصف شاعرنا السنوسى مما جاء فى مقدمة الديوان بقلم الصديق الفاضل الاستاذ عبد القدوس الانصارى صاحب المنهل حيث قال يصفه : " شاعر ضليع ذو قوة فى البيان ، ورشاقة فى الفكر ، وروعة فى المنطق ، وجدة فى الاسلوب ، هو شاعرنا الذى تعتز به المملكة العربية السعودية - بل العرب جميعا - وتضعه فى الصف الاول من شعرائها الابرار شعراء الشباب المبدعين . . شعراء الادب الرفيع ، واللسان العف ، والضمير النقي من الشوائب والأوضار . "
" وقرأ هذا الديوان سيلمسون فيه فنا اصيلا ، من فنون الشعر الرصين المتوهج طلاوة ورونقا والممتلئ بما اسميه عمقا وسموقا وشمولا " .
ويقول ايضا : " اننى اعتقد ان الشعور الحي النابض بالحياة ، هو جزء متمم للحياة نفسها وقائد من قوادها ان اسرعت اسرع امامها ، وان اجفلت هدأ من اجفالها وان تبرمت ونالها اليأس اعاد اليها اقباس الامل وغصون الزيتون ، وكان لها نعم الدليل ونعم الرائد "
وبين دفتى الديوان صورة لنفس الشاعر السنوسى ولقد احسن هو فى وصفها بابياته البليغة التى صدر بها الديوان ويقول فيها :
هذه الحان قلبي
واغاريد شبابي
هى احلامي وآمالي
وكأسى وشرابي
وصباباتي واشجاني
وحبى وعذابي انها صورة نفسي
قد تجلت في كتابي
فجر النهضة
ينادى الشاعر بنى وطنه العربى صائحا :
بني وطني انا على فجر نهضة
تصد الدجا اني تدجى وتصدع
وللفجر فى وجه الحياة اشعة
تذيب الكرى عن ناظريهم وتدفع
واني لاستنثى شذاها وعطرها
واشدو لها من نشوة واوقع
بكينا على الماضي كثيرا وان يكن خطيرا فما يجدى البكا والتفجع
مضي السلف الابرار يعبق ذكرهم
فسيروا كماساروا على الدهر واصنعوا
وما الفخر بالماضى اذا لم يكن له
من الحاضر الزاهى بناء مرفع
خذوا بأكف الاسد من اسهم العلى
نصيبا فان الحاضر اليوم اوسع
يد الدهر لا تسخو بمجد لعاجز
ضعيف ولا تندى ولا تتبرع
ام القرى
ومن الروائع التى حواها ديوان " القلائد " قصيدة بعنوان ) ام القرى ( تجلت فيها شاعرية السنوسى وفاضت نفسه المؤمنة القوية الايمان بدينه وعروبته وبعظمة هذه الامة العربية الاسلامية ، استهلها بقوله
نور على البطحاء ( لماح الذرى
يهدى الفروق ضياءه والاعصرا
ثم يقول :
لمعت على الوادى المقدس شعلة تركت دجى الدنيا نهارا مسفرا
مست شرارتها الحياة فاشعلت ) مثلا ( اشف سنا واكرم جوهرا
هزمت اشعة الظلام وزلزلت كسرى وراء الخافقين وقيصرا
طلعت على التاريخ وهو سخافة كبرى تخط بها الخرافة اسطرا
) العنصرية ( تستبيح كيانه وشوائب التمييز تخدمه برى
وشريعة الغابات تنتظم الدنا والحق مطلول الدماء مهدرا
فاذا ) ابن عبدالله ( يرفع صوته ويدك ما شاد الضلال وسورا
فى ) دعوة ( كالشمس ساطعة السنا تهدى الضليل وترشد المتحيرا
الفضل للاعمال فى دستورها لا للمناصب والمناسب والثرا
واذا البرية تحت ظل لوائها اسلامها القربى وتقواها العرى
أمم تؤلفها ) العقيدة ( نسبة ومن العقيدة ما يفوق العنصرا
ارض التجرد والتعبد والهوى والفيض والنغمات فى دنيا الورى
هتفت باعماق الهواتف والصدى عذب من الانغام قدسى السرى
) الله اكبر ( موجة من زاخر عبرت غواربها المحيط الاكبرا
) الله اكبر ( صيحة من ظافر ملأ اليقين فؤاده وتفجرا
) الله اكبر ( لفتة من حائر لاح الطريق له فشمر وانبرا
) الله اكبر ( لفظة فتحت بها والمسلمون يد مغاليق الذرى
أعلت سواعدها الفتوح بظلها علم يوحدها قوى وتجمهرا
يا مركز الاشعاع يا ام القرى ياكوثر الأضواء يا ام القرى
منك استمد الكون سر جماله وسمى ) ديمقراطية ( وتحضرا
( القدس يستاف النسائم من طوى والطور يقتبس الاشعة من ) حرا (
أفقا تلألأ صبحه ومساؤه ) سورا ( اضاء بها الوجود وازهرا
وثرى توشح ) عبقرى ( اديمه بالوحي منطلق الشعاع معطرا
تتضرع الدنيا لديك ويرتمى فى لابتيك ( جبينها ( متعفرا
واليك تتجه القلوب فوجهى قلب ) العروبة ( نحو توثيق العرى
مدى اناملك الرقاق ولطفى
بيديك هذا العالم المتوترا
ولقد كان الشاعر صادقا قويا حين ختم هذه القصيدة الرائعة بقوله :
أملقت من ادبي إذا هو لم يكن
شعلا تنير صوى الطريق لمن سرى
وبرئت من قلمي اذا هو لم يكن فننا باعلام العروبة مثمرا
غرس نضحت عليه غرسا من دم حر يؤججه الشعور تأثرا
بطولة الجزائر
وعن بطولة الجزائر قصيدة رائعة قال من بطولة الحزائر قصيدة رائعة قال فيها :
اهابت ففداها دم واهاب
ونادت فلباها شبا وشباب
وهمت فهز الارض زحف تزاحمت
فلنسوة فى حشده ونقاب
وهب الحمى اشباله وليوثه
غضابا وثارت لبوة وعقاب
تفجر واديها وفاضت جبالها
ودمدم بالموت الزؤام سحاب
وصاغت من النير الفرنسي صارما
عنت منه للمستعمرين رقاب
ودارت على ارض الجزيرة ثورة
يشيب عليها الدهر وهي كعاب
ويصف مخازى فرنسا واجرامها بقوله :
تعرت فرنسا خسة وتجردت
عن العار اخلاق لها وثياب
سعار وارهاب وغدر وخسة
ووحشية غابية وسباب
مثالب تأباها الذئاب ترفعا وتخجل من امثالهن كلاب
لك الويل ان الحرب قد دار قطبها فمهلا يصفي للديون حساب
أغرك حلف الاطلسي واهله ؟ لقد خاب حلف الاطلسي وخابوا :
ألم تعلمي ان ) العروبة ( نورها على كل أفق كوكب وشهاب
تصدعت الاسوار واندك حاجز ومزق من ذاك الستار حجاب
مشينا على الالغام والشوك واللظي وقدما سرينا والسيوف ركاب
إذا كان تقرير المصير جناية فان مواثيق السلام كذاب
وان كان ارجاع الحقوق جريمة فأيان يرجى للعقول صواب ؟ !
وان لم يكن الا ) عتوا ( وغلظة فليس لنا الا ) الرصاص ( جواب
تأميم وتصميم
وبمناسبة تأميم قناة السويس قال قصيدة طويلة استهلها بقوله :
أجل انها الحر ب الصليبية الاخرى
وان جعلوا حوض " القناة " لها سترا
ولم تك اسرائيل الا ذريعة
قد اتخذوا منها لاهدافهم جسرا
فجند لها الارواح والمال والقوى
وجرد لها الإيمان والعزم والصبرا
وثق ان للايمان بالحق قوة
وان له فى كل معركة " بدرا "
ولا تبتئس فالقوم صرعي حقيقة
اضاء سناها في رسالتك الغرا
رأوا فى سماء الضاد فجرا فراعهم
فكيف بهم لو ابصروا الشمس والظهرا
هذا ولو رحت اقتبس من ديوان " القلائد " لاوردت قصائده كلها ، فان موقفى من هذه القصائد العامرة كموقف " فاطمة بنت الخرشب " ام الربيع بن زياد واخوانه وكانوا يسمونها ام الكملة لعظمة ابنائها وسمو اخلاقهم مع شجاعتهم ومروءتهم
سألوها : اى ابنائك افضل ، قالت : الربيع . . لا . . بل عمارة . . ثم قالت لسائلها : ثكلتهم جميعا ان كنت اعرف ايهم افضل . !
فشعر السنوسى كله جيد رائع .
صوفية شاعر
ولقد عثرت فى ديوان " القلائد " على كلام لفت نظرى واستحق التعليق فلقد اقام الصديق الفاضل صاحب المنهل حفل تكريم للسنوسى وندوة سمر والقيت فيها القصائد . وبعد الحفل بعث الشاعر الاستاذ محمود عارف بقصيدة مشاركة منه فى الحفل الذى شهده واعجب به ، بعنوان " صوفية شاعر " وقدم لها بوصف الحفل ثم ختمها بقوله :
" فالى هؤلاء جميعا - ذكر اسماء ، من حضر الحفل - ابعث بهذه القصيدة تذكارا لهذه الندوة الادبية وتقديرا للفن فى شخصيات رواد " الاولمب الخالد "
فما هو هذا الاولمب الخالد يا استاذ محمود ؟ واية علاقة بين شعراء الادب الاعاجم وشعرهم الذى عبروا به عن هواجسهم وخيالاتهم المريضة فى وصف معارك الآلهة ونزواتهم ومباذلهم - اين الاولمب وشعراؤه هؤلاء من جزيرة العرب ؟ ان المحنة التى تمر بها الامة العربية جاءتها من استعجام العرب ، وقد بدأ هذا
الاستعجام مبكرا مع دخول الاعاجم في الاسلام ، ثم استشرى فى ايام الدولة العباسية ، حيث كان معاونة الفرس للعباسيين فى انتزاع الخلافة من الامويين سببا فى علو شأن العجم في الدولة العربية الاسلامية وخاصة بعد ان ولد الخلفاء من امهات اعجميات .
ولقد كان ظهور شعراء من امثال بشار وابى نواس من الدلائل على استشراء الداء - داء العجمة - في جسم الامة العربية ، وكان شعرهم يقوم على اساسين :
الاول - اشاعة الانحلال والتبذل فى الامة وذلك بالجهر بما يرتكبونه من موبقات فى قحة ونذالة .
الثاني : التهوين من شأن العرب ، بشتمهم وتحقيرهم
ولقد فطن الخليفة المهدى الى اجرام بشار وفسقه وزندقته فأنزل به من النكال ما يستحقه حيث جلد حتى هلك .
اما ابو نواس فالذى انجاه من هذا المصير حماية الاعاجم الذين كان امرهم قد استفحل وتولوا امور الدولة كالبرامكة وغيرهم .
ومنذ ذلك التاريخ البعيد ظلت الامة العربية الاسلامية فى التدهور والتخلى عن مكانها ، وبقدر ضعف لغتها وعجمة لسانها كان تدهورها وانحطاطها .
وها نحن الآن فى هذا العصر نسمع رجلا يقال عنه انه عميد الادب العربي ينادى فى كتاب له بضرورة الاخذ بالحضارة الادبية بخيرها وشرها . يب -
ومن هذا الرجل وامثاله الذين استعبدت عقولهم وأجسامهم لحضارة اليونان وارثة حضارة اليونان ، فتسربت هذه المعانى التى - المعاني التى
جرت على لسان شاعرنا الاستاذ محمود عارف وجعلته يذكر اصحاب ندوة الانصارى ، بأنهم رواد الاولمب ، باعتبار شعراء الاولمب هم المثل الاعلى للشعر فى العالم .
وهذا هو وجه الخطأ بل والخطر ايضا
فليس من الصواب ان نولى وجوهنا شطر هؤلاء المساكين التعساء بحضارتهم
وشعرهم . بل ينبغي ان تكون قبلتنا ام القرى ، ومن حولها ، ان كنا نريد ان ننهض بهذه الامة الكريمة لتأخذ مكانها اللائق بها بين الامم
وفى هذا المجال كلام طويل اخشى ان لا يتسع له المقال

