تحتفى رابطة الأدب الحديث ، ويحتفى الأدباء والشعراء والنقاد ، بهذا الديوان الجديد ، لشاعر فلسطين القومى ، الأستاذ هارون هاشم رشيد ، صاحب هذه الأنغام العذبة ، والموسيقى المؤثرة ؛ والصور والألوان الرائعة البديعة ، التى اشتملت عليها قصائده .
وشاعرنا عربى ؛ تتدفق دماء العروبة فى قلبه ونفسه ، ويزخر شعره بنداء القوة والحياة والحرية والمجد ، وقد هزته نكبة " فلسطين " الشهيدة هزا عميقا ، ظهر أثره وصداه فى شعره وقصائده ، هذه القصائد الجديدة فى الشعر العربى المعاصر بما تشتمل عليه من خصائص ومميزات ، ومن بلاغة وطبع وجمال فنى خالص ومن عواطف مشبوبة ، وخيال رفيع ، وذوق سليم ، وشاعرية موهوبة ، وصور وأساليب هى فى جملتها تمثل فصاحة الاسلوب العربى وعذوبته ، وتنطق عن خصب فى عقل الشاعر وشعوره ، وعن دقة إدراك لروح القصيدة وعناصرها ؛ وعن وطنية متدفقة تنطوى عليها جوانح الشاعر ، وإيمان بقضية بلاده " فلسطين " المعذبة ، التى تحالف عليها جنود الاستعمار والصهيونية والسياسة الدولية الغاشمة ، وشرد أهلها فى كل مكان ، وصارت هذه الخيام المنصوبة للاجئين المنهوكين من ابنائها تمثل أفظع صور الوحشية لانسانية الغرب فى القرن العشرين ؛ ومدى احترام الديمقراطيات لحقوق الانسان ، وللمواثيق الدولية
والشاعر يصور فى الديوان هذه النكبة ، بكل ما أحاط بها من فظائع وجرائم
وآثار ، ويقص علينا قصة اللاجئين فى خيامهم ، والمشردين النازحين المغتربين عن وطنهم فى كل مكان ، والبؤس والحرمان والتشريد والعذاب الذى أصاب اللاجئين ، وهو مع ذلك مؤمن بوطنه وشعبه ، مؤمن بقضية بلاده ، وبحقها فى الحياة والبعث من جديد ، وفي الكرامة والحياة الانسانية ، وفى أن يعود اللاجئون إلى ديارهم وأموالهم وزروعهم وثمارهم ، وفى أن تعود فلسطين كما كانت حرة عربية عزيزة . . كل ذلك فى ثقة وأمل وتفاؤل كثير بالمستقبل .
ولا تكاد تجد شاعرا اخر له هذه الصور عن اللاجئين وحياتهم وخيامهم وشقائهم وعذابهم الذى يعيشون فيه . ولم يظهر لشاعر فلسطيني ديوان من الشعر ، بعد النكبة ، سوى ديوان " وحدى مع الأيام لفدوى طوقان ، الشاعرة الفلسطينية المجيدة ، وإن اختلفت نغمات الشعر عند شاعرنا وعند " فدوى " فنجد ظلال الحزن واليأس أغلب على الشاعرة ، ونجد ظلال التفاؤل والأمل والايمان بالمستقبل أغلب على الشاعر . . ونجد نكبة فلسطين وحياة اللاجئين أكثر وضوحا فى شعر الشاعر وقصيده
وسيمضى الزمن ، والفلسطينيون مشتتون فى الأرض ، ولكن سيجمعهم على الوحدة ، والتصميم على العودة ، والعزم على الكفاح من أجل البعث ، شيئان : أولهما : روح العروبة الثائرة المنطلقة . المعتزة بمجدها التليد ، وبطولتها المأثورة ، ورغبتها فى الكفاح من أجل الحرية والوطن العزيز ، وثانيهما : شعر هارون هاشم رشيد ، بما اشتمل عليه من ألحان وأناشيد ودعوة قوية إلى استعادة فلسطين وتحريرها وإنقاذها من النير الصهيونى الغاشم المستعبد . . نعم ، سيمضى الزمن ، ويتجمع الفلسطينيون من كل مكان للزحف على العدو الغاصب وطرده من أرض الوطن ، وسيكون شعر هارون هو النشيد العذب فى فم كل فلسطيني مغترب لاجئ فى كل مكان .
ويمثل ذلك كله قصيدة الشاعر التى جعل عنوانها : " اخي " ، وأهداها إلى أخيه الفلسطينى أينما حل ، وفيها يقول فى روعة وجمال وبلاغة :
أخي : أينما سرت في أى قطر ستمضى وراءك أبيات شعري
بعصف ؛ وإعصار نار ؛ وجمر وتهدى اليك عصارة فكرى
تقول : فلسطين لا تنسها فمن نبتها أنت من غرسها
ومن عزها انت ، من بؤسها ومن مجدها أنت ، من قدسها
تذكر أخي كل شبر هنا إذا ما انطلقت تجوس الدنا
فلا تنس أن تذكر الموطنا وتسعى إليه غدا مؤمنا
سنمشى إلى الأرض نحمى حماها ونمضى أعزاء نروى ثراها
سنحيا فداها ، ونقضى فداها ولا ، لن نريد بديلا سواها
أخي : أينما سرت شعري يحير ويدفق إحساسه والشعور
لقانا غدا يوم يدعو النفير أخي : وهناك . هناك المصير
وكذلك قصيدته " نشيد فلسطين " ، و هى نغمة ألم ، وأمل فى بناء فلسطين العربية من جديد .
ان هذه الأنغام الحلوة لا يمل أحد ترديدها ، ولا يسأم إنسان من الغناء بها ، وهى قطعة حية من نفس كل فلسطيني حر أبي ، يهزه الحنين الى أرض الوطن ، وتخنقه العبرات للحاضر المؤلم الذى يعيش فيه أبناء وطنه ، ويلوذ بالصبر والامل والتفاؤل بمستقبل بلاد وبالبعث الجديد فى الارض المقدسة .
والشعر الفلسطيني المعاصر يمثله شاعرنا هارون هاشم ، وفدوى طوقان ، والمرحوم ابراهيم طوقان ، وطائفة من شعراء الشباب هزت أحداث فلسطين ومصيرها مشاعرهم ونفوسهم هزا عنيفا ، فنطقوا بالشعر يترجمون فيه صور الحاضر ، وأحداث الحياة والكفاح من أجل الوطن ولم نجد ديوانا لفلسطيني يكاد يكون وقفا علي الشعر الوطني والقومى ، وتصوير النكبة التى نكبت بها الارض المقدسة الطاهرة ، قبل هذا الديوان الذي فرحنا بظهوره فرحا بالغا ، واستقبلنا مشرقه استقبالا كريما .
وتعدد دواوين الشعر المعاصر وقد يغنى بعضها عن بعض ، ولكن لا نجد ديوانا قديما أو حديثا أو معاصرا يغنى عن هذا الديوان ، الذي هو بحق ديوان فلسطين ، ونشيد البعث والحرية واليقظة والعودة ، وهتاف المجد للفلسطينيين المشردين المغتربين عن بلادهم العزيزة .
والدارس للديوان لا بد أن يدرس أولا قصيدته الرائعة المؤثرة العذبة الحزينة : " قصة " ) ١ ( ، التى نظمها عام ١٩٥٠ ، وذكر فيها قصته فى الحياة ، بل قصة أسرته التى ماتت شهيدة على يد الاستعمار فى فلسطين ، وتقع احداث هذه القصة قبل تاريخ نظمها بعشرين عاما ، أى عام ١٩٣٠ :
قصة قد حدثت بالأمس من عشرين عام
حدثت فى عهد الاستعمار ، فى عهد الظلام
حدثت فى قريتي الخضراء فى ارض السلام
كلما أذكرتها اهتزت من الرعب العظام
وفيها يذكر الشاعر القصة بملامحها وظلالها وحواشيها ووقتها ومكانها ، يذكرها فى أمى ولوعة وحزن عميق ، ففي مساء يوم من أيام الربيع ، بات الطفل الشاعر ، وباتت أمه فى قلق عجيب ، وكانت الام تنتظر احداثا جساما ، ويقص الشاعر علينا كيف بات ؟ وماذا أكل ؟ فيقول فى واقعية عجيبة :
فتكومت الى بعض حصير أتململ
والدجى يمعن فى السير حثيثا يتغلغل
وأتت أمي بخبز وقليل من " مخلل "
وأكلنا بعض شئ . ليت شعرى ، ليس يؤكل
ثم يصف الفزع الذى استولى على المنزل فى ذلك الليل القاتم ، وكيف حاصرت جنود الاستعمار هذا المنزل مع الفجر ، ثم دعا العمدة أم الشاعر ، أم محمود ، يسألها
عن زوجها ، الذي أقلق الاستعمار ، وسبب له متاعب جمة فى فلسطين ، فتفت علمها بمكانه ، ففاجأها جندي من جنود الاستعمار الانجليزى بالرصاص ؛ فاذا هي تهوى الى الارض شهيدة من شهداء الحرية فى الارض المقدسة ، ثم يتابع الشاعر القصة فيقول :
ومشى الجند ، مشوا من فوق أمي
وأنا أصرخ من رعب ، ومن يؤس ملم
وتكاد الخيل أن تدفن فوق الدرب جسمى
غير أن العمدة المسكين يحمينى ويهتز ليتمي
ولم يكتف الاستعمار بما صنع ، بهذه الجريمة الوحشية ، بل احرق القرية كلها . . ويسأل الطفل الشاعر عمه العمدة فى لهفة وأسى ، قائلا :
عم يا عمدة : ماذا كان عمى - ذنبنا ؟
ولماذا قرروا أن يحرقوا أبياتنا ؟
أترى تعرف ياعم ، أتدرى ، جرمنا ؟
أم ترى تجهل ما بيته الظلم لنا ؟
وخرج الناس من قريتهم العزيزة ، يشهدون حطامها ، ويشهد الطفل منزله ، والنار تلتهم كل شئ فيها وفيه . . فكان لذلك أثره النفسى العميق فى الشاعر ، مما يصوره فى أبياته المؤثرة :
من هنا قد بدأت مأساة عمرى
بدأت قصة آلامى وأحقادى وثأرى
من هنا قد شبت النار فى أعماق صدرى
وتعلمت لماذا حفر الجلاد قبرى ؟
ثم يصف الشاعر جهاد أبيه الشهيد فى سبيل حربة بلاده ، ويصف العداوة التى شبت فى صدره للانجليز وجنودهم ، ويردد فى لحن عجيب مؤثر :
لن ينام الثأر فى صدرى ، وان طال مداه
لا . . ولن يهدأ فى روحى وفى قلبي لظاه
صوت أمي لم يزل فى مسمع الدنيا صداه
وأبي مازال فى سمعى ، وفى روحى نداه :
أن تقدم ثابت الخطو الى الحق ، تقدم
وتقحم حالك الاهوال للثأر ؛ تقحم
والقصيدة فى جملتها جديدة التصوير ، قوية التاثير ؛ عذبة التعبير . وهى وحدها شاهد حق على هذه الشاعرية الموهوبة العالية ، التى تستمد من السماء إلهامها ومن الحرية أناشيدها وانغامها ؛ ومن آلام الحاضر ومحنة الحياة فيه فلسفة التفاؤل والامل والايمان بيوم البعث ؛ الذي لا بد أن تشهده أرض فلسطين الطاهرة عما قريب
والشاعر يكثر من الحديث عن " يافا " مما نجده فى قصيدته : " مع الغرباء " وفى قصيدته : " هناك بلادى " ، وفى قصيدته " بلادى " ، وفى قصيدته : " اخي و " المولد النبوى " . .
وقد تكون " يافا " هى موطنه الحبيب الاثير لديه ، بعد أن احرقت قريته الصغيرة بيد الاستعمار الانجليزى وجنوده فى فلسطين عام ١٩٣٠ . وربما كانت هذه القرية قريبة من يافا ، وقد تكون بعيدة . . وربما كان حب الشاعر ليافا لانه قضى فيها مرحلة تعليمه ، أو لان له أقارب عاش معهم فيها حينا من الزمان .
وفى مطلع الديوان نجد قصيدة " مع الغرباء " المؤثرة . ذات اللحن الحزين المتدفق العذب ، الذى لا يمل سماعه وترداده . . وهى عبرات منظومة ، فى حديث شجى بين ليلى الفتاة اللاجئة فى معسكر البريج بقطاع غزة ووالدها الهرم الشيخ :
أتت ليلى لوالدها وفى احداقها ألم
وفى أحشائها نار من الاشواق تضطرم
وقد غامت بعينيها طيوف هزها السقم
وقد نام البريج أسى فلا صوت ولا نغم
وهكذا يصف الشعر ليلى الفتاة ، ثم ينتقل الى وصف والدها الهرم ثم يدور
الحديث بين ليلى ووالدها ، وعلى أى شئ يدور الحديث ؟ انه ليس هناك أعز من فلسطين وطن الشاعر ، فلسطين التى غزاها جماعة من السفاحين واللصوص يؤيدهم الاستعمار بكل قوته وماديته ، فلسطين التي طرد سكانها ، وشرد أهلوها ، وصارت الاندلس الجديد ؛ وصار مصرعها تاريخا لأعظم نكبة أصيب بها الشرق العربى فى القرن العشرين ، بيد الاستعمار والمستعمرين . . وبماذا تتحدث ليلى الى والدها ؟ انها تتحدث أولا عن غربتها ، وغربة أهليها ومواطنيها . وعن الشقاء والبؤس والحرمان والفقر الذى يعيش فيه اللاجئون ، ثم تتحدث بعد ذلك عن وطنها الحبيب المجيد وذكرياته العزيزة ، وذكرياتها فيه :
لماذا نحن يا أبتى لماذا نحن اغراب ؟
أليس لنا بهذا الكو ن اصحاب وأحباب ؟
يمر العام إثر العا م يا ابتي بلا جدوى
فلا أمل ، ولا بشرى ولا نجوى ، ولا سلوى
سوى الآلام والشجن سوى الأحزان والمحن
سوى صوت من الأقدا ر يهتف دائما وطنى
لماذا نحن لا نزر ع أحرارا بأيدينا ؟
ونأكل خير موطننا ونعطيه ، ويعطينا ؟
لماذا نحن فى الخيم ة ، فى الحر ، وفى البرد ؟
ألا نرجع للبيت وللحقل ، وللمجد ؟
ثم يقص الشاعر قصة ليلى مع والدها ؛ حين سألته عن أمها " التى ذهبت ولم ترجع ؟ وعن أخيها " أحمد " الذي مات واستشهد ، وعن صاحبتها سلوى اللاجئة التى استحالت إلى عيون فيضها ألم ، وجسم كله سقم ، وعن مدينتها المحبوبة " يافا " وغرفتها فى منزل أبيها فى المدينة ، وكيف لاذ والدها بالصمت ، ثم استحال إلى قوة من الايمان بالمستقبل ، وهو يقول .
فيصرخ سوف نرجعه سنرجع ذلك الوطنا
ويصمم على ما يقول فى تفاؤل وثقة :
فصبرا يا ابنتى صبرا غداة غد ، لنا النصر
وهكذا نجد ظلالا من الواقعية العجيبة ، والصور العذبة المطبوعة ، والخيال المجنح بألوان زاهية من إشراق العاطفة وثورتها واحتدامها ، مع البساطة والرقة ، والحنان فى الأسلوب والألفاظ والقوة فى الرنين والنغم والموسيقى ، ومع البلاغة والتأثير
والشاعر فى القصيدة الثانية ) أين المفر ( يصف حياة اللاجئين فى الشتاء وصفا مؤثرا حزينا باكيا ، ويتساءل فى ألم عميق عن صانعى هذه النكبة ، ومرتكبى تلك الجريمة الانسانية ، التى لا مثيل لشدتها ، فيقول :
ليت شعرى : أين الذين رموهم فى جحيم من العذاب وفروا ؟
ثم يتحدث عن يقظة الشعوب فى عصر الحرية :
الشعوب استفاقت اليوم يهدى خطوها للعلى وللحق ثأر
ويطالب بانقاذ البقية من اللاجئين
أنقذوا ، أنقذوا ، البقية منا فهنا الموت جاثم مستقر
والقصيدة الثالثة " سأزرع أحلاميه " يدعو فيها الشاعر رفاقه وإخوانه ، من أهله ومواطنيه إلى الكفاح والعمل ، من أجل إعادة فلسطين العربية حرة عربية كما كانت ، ويعبر فيها الشاعر عن إيمانه وثقته بالمستقبل . وبثمرة الكفاح من أجل وطنه الشهيد .
والقصيدة ) مهاجرون " يتحدث فيها عن هؤلاء المهاجرين اللاجئين ، ومحنتهم فى حياتهم ، وخيامهم وقد ضاقت بمن فيها الخيام . . ثم يختمها بثقته فى مستقبل شعبه الحبيب :
بشرى : فلسطين الحبيبة يوم ينتفض الحطام
سنثيرها شعواء تلتهم اليهود وما أقاموا
) البقية فى العدد الأتى (
