الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

ذات ليلة ماضية

Share

تربع ضم الحشايشى فوق الحصير بقامته العريضة بعدما وضعت له زوجته المجمرة عند رجليه ثم انصرفت لتحضر له بقية لوازم طبخ الشاى فأخذ قطعة من الورق المقوى واستعملها مكان المروحة . . وفجأ توقف عن العمل وقطب حاجبيه وصاح . يا ! يا إمرى ؟ - اشنوى ؟ يعطيك إحلوه فى السانك ما تعرفش اتقول إنعم ؛ وين امشات المقصوفة صلوحه ؟ امشات تملا فى الماء مع منوبيه وقمر ؟ مش نبهت عليك معادش تخرج الطفلة وتمشى إلى بير الحاج صالح ؟

كان قد أصدر عم الحشائشى هذا الامر عندما خطب صلوحة محمود البستاني ابن الحاج صالح وتعرف محمود بصلوحة أثناء العمل . . كان يسنو على البئر . وكانت صلوحة ترافق صديقتيها منوبية وقمر الى بئر محمود . ويصعد هذا الثالوث الى حجر البئر يتهادى والجرار فوق ظهورهن تلمع تحت أشعة الشمس .

كان محمود يعرف جيدا هذا الثالوث وخاصة صلوحة أجملها وكان كذلك يعرف جيدا موعد مجيئهن . فإذا ما أنزل لن جرارهن من على ظهورهن يوقف محمود دابته ويتظاهر باصلاح الحبل او بوضع الزيت فى محور الحرارة أو بالنظر الى كمية الماء بالخزائن . . ثم ، ثم يستأنف العمل وتنزل الدابة الى المجر يرافقها محمود فإذا ما انتهت الى آخره يبرز الدلو الكبير فتعمد الفتيات الى رفع جرارهن ثم يقربن أفواهها الى كم الدلو . ولكن محمودا الذي يرغب فى بقائهن ، يجذب الحبال بشدة

فتنصب المياه خارج الجرار ، وتعاد الجرار الى الارض ، وينتهى ! محمود همسهن وحنحنة أصواتهن المنغمة فيطرب لذلك ويعيد العملية مرة أخرى ، وأخرى . وعندما تمتلىء الجرار تأخذ الفتيات فى عصر ذيول آثوابهن التى ابتلت فكان ينطلق من عينى محمود بريق يلتمع مختلجا فى نفوسهن الغضة وأخيرا ، هذا دلو لغسل الاطراف وهذا آخر للمضمضة وآخر للاستنشاق . .

وترتفع الجرار على الظهور ويعود الثالوث المتهادى أدراجه يتهامس ويعود محمود الى جده فينهر دابته أما صلوحة فإنها أحست بنظرات محمود الملتهبة وأدركت منذ البدء أن محمودا يفضلها على صديقتيها . لذلك كانت تأتى كل يوم جمعة بمفردها لتملأ الماء ولتغسل ملابس الاسرة . فكان محمود يشغل بها فترة من الزمن ثم ينصرف عنها إلى أغانيه الريفية ، العاطفية . أما هى فكانت تكشف عن وجهها المستدير ، الجميل وعن ظفائر شعرها الفاحم المنسدل على ظهرها .

أما فى هذا اليوم ، هذا اليوم على الاخص فإن محمودا لم يكن ينتظره . فهو ليس على غرار الايام السالفة لقد أحس بأنه ، هو محمود ، ولكن فى نفسه طاقة تستطيع فى لحظة أن تلف المسافات وتخلق المعجزات .

أما هي ، فهى هى صلوحة التى يعرفها ، ولكن شيئا آخر يلفها شيئا هو أبعد ما يمكن أن يتمناه المرء من جمال فى المرأة . لقد كانت تميس تحت ثوبها الريفى الفضفاض . مشيتها رقص ، نظرتها سحر ، وانحناءتها إبداع . ووجد الجرأة الكافية ليقترب منها : - ما كش صلوحه بنت عم الحشايشى وزادتها حمرة وجهها رونقا فتواثب الدم فى عروق محمود وهو ينظر الى الرعدة التى سرت فى شفتها السفلى .

والتفت فلم يجدها وإنما وجد بعض ملابسها هى هنا عند قدميه . . ولم يرها من الغد أو من بعد الغد . وجن جنونه وأخذ يلعن فعلته الشنيعة . . واخذ يوم الجمعة الموالي يقترب وهو يتلظى على نار شوق مرير وجاء يوم الجمعة وأخذ يترقبها ولكن بدون جدوى . وكاد ييأس من رؤيتها تماما غير أنه تلمح شبح امرأة تصعد الى الحجر وتلقي في الماء صرة كبيرة من الملابس ، فتسارعت دقات قلبه ، ولكن خيبته كانت شديدة لما تبينها فوجدها عجوزا بدينة ، فقطب وجهه وصاح فى وجهها :

- ما تغسليش فى الماء ؟ إعلاش يا وليدى ؟ ما تعرفش ؟ إشطر الغلة ماتت بجر الصابون ؟ - مشنغسل بالطفل  - قتلك ما تغسلش ما تغسلش ؟ القسم على الله يا وليدى ؟ - اذهب واد اكر كرك وانت اتدحدح كالبقرة العشرة ؟

ومن الغد قرر محمود الذهاب إلى بيت عم الحشايشى فحمل معه الملابس التى نسيتها صلوحه ليبرر قدومه . وطرق الباب فأقبلت صلوحه وفتحته ولما رأته حاولت أن تهرب وتهرع إلى أمها ولكن صوته الحنون ، المتضرع أوقفها . صلوحه ماتخافشى ؟ ومد يده يناولها ملابسها - سامحنى يا صلوحه ؟ معادش انكلمك ومعادش نسني آنا على البير ؟ وردت عليه : بالسلامة ؟ وفرت بينما كانت كلماته الدافئة تلاحقها .

واشتد هيامه بصلوحه وصارح آمه برغبته فى الزواج من صلوحه . ! وذهبت أمه الى دار عم الحشايشى لتطلبه بنت الحسب والنسب ، وبقى محمود أمام البيت يترقب النتيجة . وبعد فترة من الزمن تحملها محمود على مضض تعالت فى سكون الليل زغردة عربدت في هيكل محمود فكاد يطير فرحا . وعادت صلوحة الى البئر ، وعاد محمود يترشف من عينيها أبعد نشوات السعادة . إن هذا البستان أصبح لها ، لها وحدها . سترتع فى رحابه وستتمرغ فى ظلاله لقد خالفت أمر أبيها الذى يمنعها من الدخول إلى بستان محمود بل اصبحت تسمح لمحمود بان يقترب منها وبان يعينها على حمل الجمرة على ظهرها وبأن يقول لها : بالسلامة . وترد عليه التحية .

أما محمود فإنه تقدم منها بعدما وضع الجرة على ظهرها الناعم ، وامسك وجهها بيديه ، ثم هوى يرسه ليلثم شفتيها المستسلمتين لكن عينه جمدتا على صورة عم الحشايشى على البئر فارتعش وسقط على سمعه صوت أجش يقرعه : - قوم يا اولد حط ع الجمل ؟ قوم يزى من النوم ؟ إذا كان النوم ايكبر راه كبر القطاطس والكلاب ؟ كان هذا الصوت صوت الحاج صالح يوقظه للعمل . فتململ محمود فى مضجعه ثم نهض ونهر دابته متجها نحو البئر . ولم يمض وقت طويل حتى أقبل الثالوث يتهادى ولكنه فى هذه المرة لم يفعل شيئا كما انه لم يجد الجرأة التى وجدها في الاحلام آحلام الليلة الماضية .

اشترك في نشرتنا البريدية