الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

ذبابة فى اعلانات الموتى

Share

أقبل يلدغ الأرض بأقدام مسرعة . . ويلدغ المارة بحركاته المجنونة . . ويلدغ نفسى حزنا وهما . . لقد مات عم " التوتى " . . البقاء لله . . مات . . لقد قرأت ذلك على صحيفة اليوم . . بعينى رأسى قرأتها يا قاسم . . وقامت العائلة بمهماتها التقليدية . . ندبت وكفننت جروحها بدموع بحارة . . أو باردة . . وتأوهت . . وتذكرت الله . . وكل الناس يتذكرونه ليلة الرعد . مات عم التوتي . . فسقطت دار فى الملاسين . . وسقطت لحوم للأكل ودموع للضياع . . وتعطلت عدة مصالح فى عدة ادارات . . دعنى فقد مات عم التون . . سأغيب لحضور موكب الدفن . . سأغيب لأحضر الثالث . ! والسابع أو الثامن . . والأربعين . . وسأغيب عقليا مدة شهر أو شهرين حسب مقدار حساسيتى . . فقد مات عم " التوتي " . .

جاءنى البر فى الثلث الأخير من الشهر . . لا مال عندى . . فقد اقترضت بالعادة بعض المال على حساب الشهر القادم . . ويجب أن اقترض لأسافر الى قفصة لحضور موكب الدفن والوليمة والهزيمة . . انا والعائلة . . الكبار والصغار ومن يسير على الوسائد . . اقترضنا وركبنا . . سار بنا القطار . قافلة تحمل قافلة تحمل قافلة . . ضجيج يحمل بكاء وعويلا . . وطال بنا المسير . . لكنه لم يطل . . سترتاح من عملك مدة يا قاسم . . اجازة عن حساب الموتى . . وتوقف القطار بعد مسير ومسير . . فنزلنا أسوق القافلة الى البكاء

. . واستقبلنا عم " التوتى " بوجهه الضاحك مرحبا مستغربا . . ولما رأى حالتنا تلك اندهش وهلع . . والتفت بعضنا الى بعض وفي نظرنا دهشة بالغة . . لم نستطع أى كلام ولا تعليل ولا تعليق . . اليوم فى قفصة ولدت أم " التوتي " ولدا شيخا . . شعره أبيض وجلده مجعد . . وجئنا نهنئ عم

التوتي " بهذا العمر الجديد . . هي على كل حال اجازة . . سواء كانت للموتى أو للأحياء . . واشتريت جريدة العمل بعد فترة فقرأت فيها أن عم " النوتي " قد مات . . من أجل نقطة مات عم " التوتى " فى عقولنا . . ومن أجل تسرعنا فى أخذ الاجازات المجانية . . سافرنا الى قفصة . .

ولما رجعت الى تونس . . هرعت الى صديقى . . الى المخبر عن الموت . . أوبخه . . كم وددت لو شكرته على الاجازة . - كيف تقول لى بأن عم التوتي قد مات . ؟ ! - فعلا . . . قد قرأت ذلك فى " العمل " . . - " عمل " خاص بدون شك ؟ ! - لماذا ؟ ! - لأن العمل التى عندى . . قرأت بها عم " النوتي " . . - أنا قرأت ما قرأت بنهج رومه . . - وما دخل ذلك ؟ ! - قراءة مجانية من وراء الزجاج . . وبعد قليل تركه وخرجت . . مررت بنهج رومه . . ازدحام حول الجانب لأيمن من مقر العمل . . ازدحام حول بلور المعلقات . . وفوق الزجاج مجموعات من الذباب . . إنهم هواة القراءة المجانية . . .

اشترك في نشرتنا البريدية