الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

ذكرى الشهيد فرحات حشاد

Share

يحيا حشاد فى ملا الناس - دنيانا - بالذكر ، ويعيش فى ملا الله بالرزق ، لانه عظيم عند الناس ، كريم على الله ، واكرم بحياة يعطاها الشهداء بلا فناء ، وخلود يلقاه الاوفياء بلا كدر .

ومن ينسى حاتم الطائى ، وفرسه الذى هان عليه ، وماله من شىء سواه بل ونفسه التى دل لها منافسه فى الجود ليخلو له صدى النوال مكان ، واعان عليها مريد الوقيعة بها ليولى ثناء الالسنة عنه اليه .

فكيف بفرحات الكريم بحياته ، الجواد بكيانه وشبابه ، تهون عليه لامته تضحية ، ولوطنه فداء ، وللحرية قربانا ، واعظم بقرى الوطن والامة من قرى .

هانت عليه لانه شعر بما ينبغى تعجيله من ثمن الطلاقة البعيدة المنال ، وبدل الكرامة العصية الادراك فكلتاهما تؤخذ ولاتعطى ، وكلتاهما لا تثمن الا بالدماء والارواح .

ومن اولى الناس منه فى تلك الظروف الحالكة المريرة ، من اولى منه يتولى الصفقة ، وابرام العقدة ومتابعة السير .

لقد تركه المستعمر لانه جبن عن ان يضمه الى المشردين من اخوانه فى النضال الذى شحذوا له من عزمهم سلاح الخلاص بالتضحية ، وصاغوا من الشعب كله السنة النجاة بالصبر والتوفية ، وتقدموا الصفوف بايمان راسخ لا تلهيهم تجارة ولابيع ، ولاتثبطهم العشائر من الولدان والاهل .

وتوزعوا بينهم مسالك الجلاد هنا وهناك الى ان تجمعهم السجون والمنافى بتهم ينسجها الوحش الضارى على انوال الجرائم والفساد ، لينال من الشعب الاعزل - وهو فى مامن من خطرهم - لحما ودما يغذى كراهية الشعب العتيد , ويقوى وحشية الجند البليد .

وكم حاول - وعبثا ما حاول - شل حركة وجد فيها من القوة والتماسك ما صارع حديده ، وناوأ وعيده ، ونازل عديده

لان شما اباة هانت عليهم نفوسهم - ومادونها قيمة - ليروا خيبة آمال المعتدين ، وفشل اطماع الجبارين وما من همهم الا ان تنجو امتهم من مخالب البزاة عزيزة قوية ، ثابتة الكيان نقية ، تفرض وجودها بما تتيحه لها مقدرتها من التساوى فى سلك الشعوب الراقية وكفاءتها من التعادل مع الامم الناهضة , وجهودها من الثقة والشموخ .

فتمت كلمتهم على الفناء او يبوء المستعمر بالخيبة فى البقاء على ادييم ارض ارادها لقمة سائغة ، واستبقاها غنيمة ناعمة ، ومن ارى جناها يطفي الصدى ، وفى معسول رحيقها ما يباعد الجوع والعرى

استعصى فرحات على الباغى ان يلقى ؛ فى مفازة من البحر او البر تقطع صلته بالحياة الخاصة والعامة ، او ان يرمى ؛ فى براح محتشد عار يقصيه عن الداخل والخارج فتتهيا له من دهشة الشعب واضطرابه سنة من الراحة يتنفس خلالها الصعداء ، ويتاهب فيها للكر على العزل من جديد .

وما اعجزه عن ذلك الا لان ميدان البطل لا ينال من شرعيته اى تشهير او تزوير ، ولا يجدى فى انتقاصة مايلفقه الخصم بالغا ما بلغ من المكر والدهاء .

اجل ! كان فرحات فى محيط الشغل والشغالين يطعن المستعمر فى صميمه ، لان منطق الرغيف والاجور ، والبطالة والكساد ، والتدخل بين الاعراف والاجراء يسرت منيعا على الامة ، وفتحت بابا للجهاد احكمت دونه الاقفال واتخذت له اقنعة تحجب وراءها خططا منسقة ينجزها الشعب فى مهارة ضمن وحدة كالبنيان المرصوص ، وتعبئة قوية تشد عهدها فى شعارها وجهارها الى عدو المستعمر السافر فى حقل السياسة .

وعدوه اللدود فى ارض تدوسها قدمه : حركة سياسية تعمل على استرداد حقوق التصرف فى الوطن للشعب يجريها بارادته واختباره ، ويصونها بسواعده واخياره .

والد اعدائه : حزب ظهر نفاذه الى القلوب فى اسرع من لمح البصر ، وبات شعث الامة من حوله مجتمعا متحدا فهل من سبيل للتهاون ؛ ولا اقل من ان ينغص عيشه ، ويكدر صفوه ، ويقاطع جلوسه المطمئن على حشية م جلود التونسيين : واهداب المواطنين

والفرنسيون فى بلادنا ليسوا غفلا ، فهم لا ينامون الا كمثل الذئب .

ينام بأحدى مقلتيه    ويتقى بالاخرى المنايا

فسرعان ما عرفوا من حقيقة منظمة الشغالين ما انفش شعرهم ، وقشعر جلدهم ، واقض مضاجعهم ، ففكروا وقدروا ، وعبسوا وبسروا وادركوا ان وسائلهم بقدر ما تسد من مجالات المقاومة بقدر ما توجه الادمغة فى تكييف النشاط التحريرى بالصبغة المواتيه حيث انصرفت الجهود لميدان ترفع منه ارغفة العيش تطلعا للكفاف وداخلها السم الزعاف ، ظاهرها الشغل وجوهرها الكرامة .

وتمثلت خطورة المنهج الجديد فى سلب المستعمر القدرة على خنق الحركة الجديدة اذ ما بوسعه ان يسد سبل العيش فى اوجه المرتزقين .

ولشد ما تحسر على ضياع الفرصة بعدها مكنت ظروف لهذه المنظمة الظهور والذيوع لا فى ديارنا فحسب بل وعند كل الاحرار من الشعوب .

وفرنسا لايهون عليها شرفها القائم على سراب من الاوهام والادعاء من

الماضى لا من الحاضر لان اى تصرف ضد العمال سيفقدها ثقة العالم وحرمة العالم ، واعتزاز الجانب بالعالم .

ومن يعرف من العالم سلوكها القاسى فى نقط ارض هى الخلاء عند الكثيرين من بنى الانسان الا ان يكونوا ممن صمت آذانهم بالدعاية المغرضة التى تلغو فى آهات المنكوبين لتأتى على مساعى دعاتنا بالابطال والتفنيد .

ثم ما يكون جزاء من يظهر من رعية رعاعها متطاولا الا ان يسجن او يقتل ولو كان قائل حق ، وطالب حق ، ولسان حق . - فما جزاء من اراد باهلك سوءا الا ان يسجن او يكون من الصاغرين -

ولينه السجن كان حظ فرحات كاخوانه لكان ابقى على حياته لامته ووطنه ولكنه لم يكن حتى لا يذهب بشهرة فرنسا ، ولايطير بقداستها ولايكيد السياستها وساستها

او ما تعلم ان شغالى العالم لن يسكتوا عن لحظة يقضيها رجل كفرحات فى السجن او المنفى وهم الذين اقاموا الدنيا واقعدوها بقضية بلاده وهو حر يجوب المدن والعواصم ويخطر المنتديات والمحافل ، ويأخذ على الاحرار عنها الصداقة والمؤازرة .

لن يكون ذلك ، ولن توقع نفسها فى جحيم النقد اللاذع ، والاستنكار المقذع ، ولن تثير موجة عارمة من السخط لا قبل لها باحتمالها .

وليس بعد سجن الاحياء حاجزا بينه وبين قومه الا القبر المظلم وسجن الاموات الموحش فتستريح من كده بكيد شديد والله اشد كيدا واشد تنكيلا .

وهنا نشطت شياطين الشر لتفسد فى الارض ، وتحكم المكيدة ، وتلتمس الظروف للضربة القاضية والطعنة القاسية .

وما ايسرها ازاء رجل يومه فى الشغل والحركة ، ودهره فى العمل والجهاد ولاحرس يصونه ولاجنود يحمونه فليكن موعدهم له غداة الخامس من ديسمبر - 52 - حيث لا تزال الحركة بطيئة ، وظلمة الغيوم تغشى الافق , وضبابة الترويع والحصار تحجز المواطنين فى منازلهم الى ان يجتاز النهار اوان الشروق .

وعلى طريق حشاد فى شغلة النقابى يجتمع الابالسة قبيل خروجه من بيته باقنعة الموت ومخالب الحمام وكانهم يرصدون ماردا من الجن او يطاردون فيلقا مسلحا وما معهم من الثبات قدر ما يقيهم الارتجاف ، ولامن الايمان ما يصونهم عن الارتباك .

وما لاح البطل المهيب لاول مترصد حتى تمت الاهبة ليقطعوا عليه السبيل ، ويغمسوا ايديهم القذرة فى دمه الطاهر ، ويلاحقوه على مرحلة قصيرة من داره بالموت المحبوس فى حلوق بنادقهم ، وحناجر رشاشاتهم ، فتوقفت سيبارته وسقط - رضى الله عنه - على الارض يفور الدم من جسمه ، ويشع النور من عينه ، ويلاحق جسده روحه ليرى مقرها الاخير فى الملا الاعلى والنعيم المقيم .

دعوتها سبحانك اللهم ، وتحيتها هناك سلام .

اشترك في نشرتنا البريدية