الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

ذكرى الفكر ،، ومجالسها الأدبية

Share

ثلاثون سنة وهى بك ومنك للبلاد والعباد خير عماد .. إن الثلاثين وقد بلغتها أحوجت العواطف الى الترجمان . . مضت ثلاثون على انطلاقتك الاولى , لا أنك على مر الشهور التى خلت ، وعند أوائلها ، تطلين على الوجود عتيدة فى عزمك ، مجيدة فى قصدك ، تعكس فى مجلدك المتطور على الايام جهود المناضلين بتحرير المقالات ، والمحاولات الشعرية ، والدراسات النقدية والحضارية بكل أمانة ، وتحيي الحوار حول قضايا مصيرية تهم الوطن والامة الفتية ، وتسهم اسهاما ملتزما وموجها فى بلورة الشعور بتلك القضايا فى خلد أهل الرأى وحملة الاقلام علهم يسهمون من حيث يشعرون أو لا يشعرون فى اتخاذ القرار .. فمساهماتهم وأفكارهم واجتهاداتهم التى بنشرها وذيوعها تتلاقح القوى المفكرة والمدبرة والمسيرة بالاضافة إلى قيام معانى الثقة بالذات فى مقابلة الذات الجماعية وما تتطلبه هذه من الجميع من احساس وعطاء ، بها جميعا تتولد الحركة الهادفة والسعى الجماعى الغائى والرامى الى مقاصد مثل ومصير أفضل .

كان مطلع مجلة " الفكر " متزامنا مع فجر الاستقلال ، ومع ما استبد بدخيلة باعثها الاول من غيرة وشعور بالمسؤولية تجاه الطور الجديد الذى آل اليه الكفاح القومى بعد ظفره بالحركة التى هى قيد وتقيد ، حق وواجب ، الزام والتزام ، مسؤولية وجزاء حتى تكون خيرا وبركة وضمانا فى النفع بها والانتفاع منها على جميع المستويات . فلا عجب اذن ان هى استقطبت منذ البداية ثلة من الباذلين فى الحقل الادبى والاجتماعى . . وجمعتهم فى منتداها الاسبوعى الحافل بالمباحث والنقد والمدارسة للمواضيع التى تشغل بال الخاصة والعامة ، وتهم الحياة فى شتى دروبها ومختلف شعابها . وانها لأمسيات موصولة بالسهر على بحث القضايا ، وبحث البحوث التى أعدها المهتمون من  396                                      44

ذوي الاختصاص . فكانت مجالس ثرية وفكهة فى آن واحد ، تثار فيها المسائل اللغوية ، وتعالج بها المحاولات الجاهزة ، وتتقاسم فيها المهام ، والكل شاعر بأنه لبنة فى بناء هيكلى متكامل يعمل لوجه الله والوطن ، ويساهم مساهمة اخوان الصفاء وخلان الوفاء فى مناصرة مشروع لا بد منه لتونس فى مطلع استقلالها ، ولا محيد عنه للمثقف التونسى وقد امتدت أمامه الآفاق ، واضحى يرنو الى قيام حركة أدبية تواكب المسيرة السياسية ان لم تكن من أسبابها ونتائجها .

كانت لنا أيام فى منتدى مجلة " الفكر " بمقر جمعية قدماء الصادقية ، الذى هو نفسه كان مقر " الشيبة المدرسية " فى الاربعينات ( 1 ) ، ولقد كان التحدي فى مقابلة الصعوبات والازمات ، وكانت الاسرة فى لقائها الاسبوعى تخطط للمستقبل ، وتتبادل الرأى فى الاوضاع الآنية والمستقبلية ضمن إطار المشاركة الوجدانية الهادفة فى خير سبيل ، والقاضية بالتضحية والمشاركة أيا كان لونها وأمدها والجهد الذى تستدعيه ، هكذا اقتداء بواضع المشروع الذى يشرك أعضاده فى قراءة بريد المجلة الداخلى والخارجى ، ويشرك الجميع فى نقد الاثر وتقييمه ، ويشرك صاحب الاستعداد فيما هو أهل له ، من الاضطلاع بالمهمة التى يتعين اسنادها اليه داخل البلاد أو خارجها . وان القرار لا يملى من فوق دائما وانما يصعد الى فوق أو الى الساهر على مسيرة المجلة المعنى بكل جزئية وكلية تخصها ، حرصا منه على النجاح فى شق الطريق ، أنى كانت السلبيات والمعيقات التى تعترض فى الشأن كل مستجد فى المجال الريادى .

حقا بهذه الروح الخلافة كانت الجدوى فى لم المتناثر من المواهب ، وجمع الملتزم الى غيره ، واللائمة بين نصير المحافظة والاصالة ، وبين مدعى الثورية و " التجديد " ، والتوفيق بين نخبة مخضرمة وأخرى فتية ناشئة ، وبين محبذ " للعمودى " ومنتصر " للحر " ، وبين أحباء الفصحاء وأنصار العامية ، وبين الفيزيائى وعالم الاجتماع ، وبين المهيب الحاد الطبع ، والفكه بالعبارة والاشارة ، وبين المؤرخ والاديب والفيلسوف والجغرافى والاقتصادى . . فكان فى ظل هذا التوفيق بل الصدى واصابة المرمى ، ذلك

التوفيق الذى لا يتأتى الا لمن أوتى فضلا كبيرا ، وصبرا جميلا ، ورؤية بعيدة ، وايمانا راسخا بمبادئ قارة وأهداف غالية .

ثم فى ظل ذلك التوفيق بين من يجمع بينهم الولوع بالادب وهمومه وفنونه ، وبعد نضال مستميت ووقوف مشرف أمام القعدة والناكصين على الاعقاب شقت الفكر طريقها وبنت هرمها الشامخ المتعالى فى جواء سماء المعرفة والادب وفنونه الى أن بلغ فى بعده الزمنى ثلاثين حجة ، بيد أن المكاسب أبعد من ذلك وأعظم وهى لا تحصى بالسنين فقط ، وانما بالجدوى ، فالمواهب التى اينعت فى دروب الفكر لا تثمن بحال ، وهى كثر بكل مجالات الانتاج والخلق ، والمشارب والمسالك التى كتب لها البقاء وكثر لها النصير هنا وهناك لعديدة ، والمبتدئون ، كثير منهم من أصبح على قيمة روحية فى تجربته ان لم نقل على نهج أتبعه غيره واقتدت به فيه ناشئة صاعدة حتى كتب له البقاء والاستمرار على الايام . وان هذا الارث الحضارى الذى يكمن ضمن ثلاثمائة عدد من المجلة المجيدة لمعتبر فى الحال والاستقبال سجلا مرجعيا لاى باحث قريب أو بعيد ومن شتى أنواع الاختصاص ، هذا والرصيد لأعظم مما نشر وان الذى لم ينشر وكتب للمجلة ابتداء ، فى عداد مكاسبها الادبية وأصحابه فيه دربة ومران مجد ، وبالتالى فهو فى عداد مكاسبها الادبية ما دامت هى الحافز عليه والموجية به الى كاتبه ، وإنه الى هذا وذاك تذكر مكاسب القراء على اختلاف نحلهم ومستوياتهم واعمارهم وانتفاعهم بما طالعوه واستناروا به واقتفوا أثره بالمحاكاة والابداع ، سواء منهم قراء العرب والأعاجم ، الامر الذى به كانت المجلة أداة أخذ وعطاء ، ووسيلة وصل وتواصل ، ومرآة فى الداخل وبالخارج لما جد واستجد من آثار المهج ، والقرائح والمواهب والجهود فى معالجة المواضيع والقضايا الوطنية والقومية والانسانية .

ومع هذا كله يمكن اعتبار وحى الفكر مستمرا مع الايام والاجيال القادمة، تتخذه الاوساط الاكاديمية وغيرها وثيقة دالة على التغير الاجتماعى والاتجاه الاديلوجى بأوساطنا الوطنية والشمال افريقية والعربية ، ودالة على تطور المواهب وتلاحق الافكار ومجالات التأثر والتأثير الحضارى بين شتى الاوساط وبهذا المعنى كان ويكون " الفكر " ذا رسالة خالدة ، لا يطويها الزمن ولا بنساها الموجود الكادح فى تعقب أحداث ماضيه لفهم بناء حاضره وركيزة مستقبله الذى ينشده لنفسه وموطنه وأمته جمعاء .

فتبارك هذا البناء الذى بجهد واجتهاد بناته كان ، وبدونه ما كانوا ليكونوا ، وبارك الله فى سعي باعثه وأعوانه ليتواصل نفسه المعطاء ، وإن  398                               46

المدرسية لشامخة فى شمم بخريجيها وأنصارها سواء منهم من قضى نحبه من أمثال : محمد الفاضل بن عاشور ، ومحمد الحليوى ، وزين العابدين السنوسى ، وأحمد المختار الوزير ، ومحمد الهادى العامرى ، وعلي البلهوان ، ومصطفى خريف ، وفريد غازى ، والبشير خريف ، وأحمد خير الدين ، ومفدي زكريا ، وحسن الزملى ، والامين الشابى ، والطيب الشريف ، والطيب العنابى ، ومحمد المرزوقى ، والهادى العبيدى ... ومنهم من ينتظر ممن كان للحق والخير والمجد هادفا وساعيا ، وكتب له الذكر الباقى والمقام الراقى . . .

فكل سنة و " الفكر " بخير وأشياعه وأتباعه على درب دؤوب وروح مؤثر . . وما زالت بها الايام تترى بكل غنم مرتقب ، وما فتئ كل ذى أصالة صادقة لكن لها ولأسرها المتعاقبة كل التقدير والحب .

اشترك في نشرتنا البريدية