فى هذا المقال وصف أدبي للمطر الغزير والسيل الكبير اللذين حدثا فى يوم ٦ ربيع الأول عام ١٣٦٠هـ . أما الوصف العلمي فقد تركناه لباب " أهم الأنباء الشهرية "
السماء مكفهرة ، والسحب مضطربه ، تتجمع في منطقة واحدة هي سماء مكة فتبدو للناظرين سماءا من تحت السماء وأرضا من فوق الأرض ، والرعد يجلجل بصوته المرعب بين تلك السحب كما يجلجل صوت الراعي بين قطعان من الغنم تفرقت في الوادى العميق فتردد الجبال صداه فى رهبة وتضخيم ، والبروق تلمع من خلال الغيم المنسجم كما تلمع الشهب فى الليلة الدهماء ، والريح تدوي من كل جانب تسوق قطعان السحب المتخلفة لتحشرها فى هذا الموقف الرهيب .
بذلك المنظر الرائع انشق فجر ليلة الاربعاء ، وبذلك المشهد المؤثر تجلت صفحة السماء وما هى الا ساعة من نهار حتى سكن كل شيء ، فقد تم كل شيء ، وكان هذا السكون الموقوت طليعة للحركة العظيمة القادمة ، ثم تفتحت " حلوق " السحاب المهروتة عن ضوضاء لا يكاد يستبين للمتأمل مصدرها فعلمنا ان الجو يتمخض عن حادث جلل ، ثم تفتحت ميازيب السماء بمطر منهمر جلل افاق مكة فهدأت الاصوات وجثم كل شيء فى مكانه ، واستمر الوابل فى فيضاته زهاء اربع ساعات فارتوت الأباطح وارسلت اليهم قمم الجبال ما استقبلته من هدايا الماء ، وسال وادى ابراهيم سيلا هائلا ذكر الناس بايامه التاريخية الماضية ، وهكذا تحرك التاريخ الحديث لترتبط حلقته الحاضرة بحلقاته الغابرة.
وتطلعت من شرفة منزلي -بجبل عمر - الى تيار هذا السيل المتلاطم وهو يتدفق وتمتد اعناقه كالأفاعى الهائجة فى " السوق الصغير " وفي " الهجلة " منصبا بكلكله على "المسفلة" فرأيت منظرا جمع بين الروعة والرهبة ، والجلال والجمال ، واستطال السيل ومد أصابعه الحادة الى سقوف الحوانيت ورفوفها فانزل ما بها من أشياء واخترق السقوف ثم هوى بها هويا فابتلعها بطنه الغرثاق فاذا هي فى خبر كان . وتزايد انهمار المطر وتعانق المزن من جديد فبدت صفيحة نحاسية قاتمة لا ثقوب فيها ولا شقوق وأرسلت كل ما في باطنها من مياه وبرد ، فآد ثقل تلك المياه ولكمات هذا البرد سطوح الاماكن فجثم بعضها من ثقل ما حمل ، كما يجثم البعير الهزيل إذا آده الحمل الثقيل . وأدرك الناس شيء من الوجوم والقلق ، فكل منزل عرضة للانهيار إذا استمر السحاب يجود بهذا المطر ، وأذن الظهر فما سمع الناس من الأذان فقرة ، ولا أدركوا منه نبرة ، وطفح المسجد الحرام بالماء والطين ، وارتفع الماء حتى لامس الحجر الاسود وبدا صحن المسجد كبحيرة تموج بالمياه ، وظل المطر يتدفق وأيدى الريح تعابثه فى غير هوادة ، وقوى تيار السيل وامتدت السنته الى المنازل المجاورة فخر بعضها على أم رأسه ، حتى إذا دنا العصر كف المطر فجأه ، وما كاد الناس يصدقون باقلاعه من هول ما شاهدوا من قوة انهماره ، وتنفس الناس الصعداء وأفاقوا من غشية الحادث الجلل ولكن ما بال هذه السحب حائمة فى الاجواء ؟ لعل للمطر عودة ! ! هذا ما كان شغل الافكار طيلة ذلك اليوم والليلة التى تليه واليوم الذى اعقب هاتيك الليلة .
وهكذا كان هذا المطر الزاخر ، وهذا السيل الجارف سيل عام ١٣٦٠هـ حديث الخاص والعام طيلة هذا الشهر ، وسيظل حديثهم حقبة من الدهر .
مكة

