الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

ذكرى خالدة

Share

ان بكى العقاد أمس وحده فقد بكى عليه اليوم الف جبار وجبار

لا اود فى هذه العجالة ان انحو النحو الذى درج عليه بعضنا - هنا وهناك - عند ما تتمكنهم ثورة الحزن والاسى ، عند موت عزيز أو عظيم . . ولكنى آثرت ان نهج غير ذلكم الطريق ، وانا بصدد موت كاتب الشرق الجبار ، المغفور له " عباس محمود العقاد " . . فقد يكون ذلك اجدى على القارىء من سكب الدموع ، وانسب لفقيد الادب والثقافة فى ذكراه الاليمة كتاريخ . .

نشرت موجات الاثير فى مساء يوم الخميس ٢٩ شوال ١٢٨٣-١٢ مارس ١٩٦٤ على العالم اجمع ، نبأ وفاة فقيد الادب العملاق عباس محمود العقاد ، وكنت فى تلك اللحظة من اوائل المستمعين الى النعى الأليم . . ومن بين اسوار الجلال والرهبة وانا استمع الى صوت الناعى ، رجعت بى الذكرة - وعيونى تفيض بالدموع - الى عام ١٩٤٢ وبالذات فى شهو يوليو ، وقد كان العالم يومذاك يغلى بتلك الحرب الضروس . . وهتلر وموسولينى ، ملء اسماع الدنيا وجيوشهما بقيادة الداهية ( ثعلب الصحراء )  .روميل " تكتسح الحلفاء فى شمال افريقية وتتقدم فى سرعة خاطفة حتى تقف عند العميل فيعم الذعر والقلق . .

وفى ذات ليلة من تلك الليالى دخل على ثلتنا أحد افرادها ليكمل حبات عقد الندوة ، وقبل أن يأخذ مجلسه بيننا ، زف الينا نبأ وصول الاستاذ العقاد للخرطوم ولم يكن هذا النبأ بالنسبة لنا بأقل اهمية وخطورة مما كنا نسمع من " المذياع " عن اخبار الحرب . .

واخذنا ندير الحديث حول هذه الزيارة المفاجئة ، ولم يغب عنا سرها او الدافع اليها . . فقد كان النازيون - كما اسلفت - قاب قوسين أو ادنى من مصر . . والعقاد عندهم فى القائمة السوداء ولو لم يفعل غير ان الف كتاب " هتلر فى الميزان " لكفى بهذا سببا للعقاب الرادع . .

وعلى الرغم من كرهنا للعقاد " السياسى" - لاعتبارات شتى نتجاوز اليوم عنها - فقد اغتبطنا بزيارة العقاد العملاق فى عالم الفكر والثقافة والادب ، وحمدنا الظروف ان اتاحت لنا ان نسعى اليه ونعرفه عن كثب . .

لقد تم لنا مااردنا ، واكتشفنا فى الرجل مع سموق تفكيره وعمق ثقافته ورفيع ادبه شخصا مرحا عذب الحديث ، لطيف المعشر يهتز للنكتة والدعابة . . وكثر ترددنا عليه والاستماع الى احاديثه الممتعة . .

وفى ذات يوم تقدم بعض الادباء الى

العقاد ، يدعوه الى جلسة هادئة بنادى الخريجين بام درمان ليتعرف الى لفيف من الادباء السودانيين - واستجاب للدعوة . . واقبل العملاق ، وجلس بين المجموعة مشرق الوجه صبوحه ، رغم انه تجاوز الاربعين يومذاك . .

وتشقق الحديث وهو يدير فى مختلف الاتجاهات باسلوبه الشيق الساحر . وقال احد ادباء الشباب للعقاد وهو يشير للاستاذ محمود الفضلى - مدير المطبعة الحكومية حاليا - : ان محمودا هذا يحسن انشاد شعرك ، أفلا تحب ان تستمع اليه ؛

وتهتل وجه العقاد ، واستوى فى جلسته وتأهب للاستماع . . وللاستاذ محمود الفضلى طريقة فريدة فى انشاد الشعر بل ان فى صوته صفاء وعذوبة فى التوقيع . .

ولست ادرى ، أكان اختيار الفضلى لقصيدة العقاد ( ليلة الوداع ) عن قصد ، لأنها تطابق حالة العملاق النفسية يومذاك أم جاء مصادفة لروعة القصيدة نفسها ؟ ؟ ومهما يكن فقد انطلق صوته هادئا معبرا ينشد للعقاد :

ابعدا ، نرجى ، أم نرجى تلاقيا ؟

كلا البعد والقربى يهيج ما بيا

إذا انا احمدت اللقاء فاننى

لأحمد حينا للفراق اياديا

الا من لنا فى كل يوم بفرقة

تجدد ليلات الوداع كما هيا ؟ !

ليال يبيح الدل فيها زمامه

ويرخص فيها الشوق ما كان غاليا

وكنت على كثب من العقاد فظللت ارقب تعاببير وجهه ، فرأيته يستلقى على المقعد ، وقد أرهف سمعه . . وانساب صوت الفضلى فى انشاد رائع :

ليلتى لما انست بقربه

وقد ملأ البدر المنير الاعاليا

تطلع لا يثنى عن البدر طرفه

فقلت : حياء ما أرى ، أم تغاضبا ؟

بنا انت عن بدر وددت لو انه

على الافق يبدو اينما كنت ثاويا

غدا ننظر البدر المضئ وفوقنا

وحيدين من دارين لم تتلاقيا

أشم شذى الانفاس منك وفى غد

سيرمي بنا البين المشت المراميا

والثمه كيما ابرد غلتى

وهيهات لا تلفي مع النار راويا

فقبلت كفيه ، وقبلت ثغره

وقبلت خديه وما زلت صاديا !

كأنا نذود البين بالقرب بيننا

فنشتد من خوف الفراق تدانيا

كان فؤادى طائر عاد الفه

اليه فامسى آخر الليل شاديا

إذا ما تضاممنا ليسكن خفقه

تنزى فيزداد الخفوق تواليا

أوشج فى كلتا يديه رواجبى

وشيجا يظل الدهر اخضر ناميا

وتلمس كفى شعره فكاننى

اعارض سلسالا من الماء صافيا

واشكوه ما يجنى فينفر غاضبا

واعطفه نحوى ، فيعطف راضيا

واخذت امعن النظر فى العقاد ، والفضلى ينشد هذا الشعر السلس العذب ، فارى يدى العقاد ترتعشان ! وقد ارتسمت على وجهه انفعالات من يعانى ثورة نفسية حادة وكان يصغى بكل حواسه لمحمود الفضلى وهو لا يزال ينشد :

ولما تقضى الليل الا أقلة

وحان التنائى جشت بالدمع باكيا

فأقبل يرعانى ويبكى ، وربما

بكى الطفل للباكى وان كان لاهيا

وزحزحنى عنه بكف رفيقة

واسبل اهناب الجفون السواجيا

واسلمت كفي كفه فاعادها

وقلبى ! فهلا ارجع القلب ثانيا

فلم ار ليلا كان اطيب مطلعا

وأكاب أعقابا واشجى معانيا

وهنا ، انهار الجبار واذا بوجهه يختلج والدموع تترقرق فى عينيه ، ثم تنساب تباعا ! !. . وصمتنا برهة ذاهلين . . ولكن محمودا يعود فيصل انشاد ما بقى من القصيدة التى اثارت كوامن ذكريات الكاتب الجبار حتى دمعت عيناه :

وليت النوى والقرب يعتوراننا

تباعا كما يتلو الصباح الدياجيا

اذن لتلاقى الوصل والهجر عندنا

وصار النوى حكما على الناس جاريا

فيامن يعيد الدهر من حيث مابدا

اعد ، لى ليلات بمصر خواليا

إذا كان لى فى مقبل العيش مدة

فياليت يغدو مقبل الغيب ماضيا

وانتهى محمود من انشاده ، وران على مجلس الادباء الصمت ، وابصار الجميع عالقة بالعقاد الذى ما زال مستلقيا على المقعد ، وقد غطى وجهه بيده اليسرى كمن استغرق فى حلم طويل . . ثم هب واقفا ليودع المجموعة وهو يردد عبارات الشكر والتقدير . .

ومضت ايام العقاد بيننا كلها اعياد ثقافة وادب ، فقد امتلأ وقتنا بالحديث عنه او السعى اليه ، فى الدار التى يقطنها .

ولعل دار الثقافة بالخرطوم منذ انشائها لم تشهد حشدا من المثقفين وعشاق المعرفة مثل الحشد الذى تجمع ، ليستمع للعقاد وهو يحاضر عن الثقافة . . فقد تحدث حديثا ساميا رفيعا صعب على كثير من ادباء الشباب ان يلاحقوه فيه ، ولما فتح باب

النقاش عقب المحاضرة ، ظهر قصور آفاقنا الثقافية آنذاك عن مناقشته . أما الذين تصدوا للنقاش ، فسرعان ما تكشف ضعفهم فاستسموا صاغرين . .

على ان شيئا ما ، كان يشوب تقديرنا واعجابنا بالعقاد الذى نعده من افذاذ رواد الثقافة فى اسمى معانيها . . ذلك الشئ : هو صلته العميقة بالسير دوجلاس نيوبولد " السكرتير الادارى لحكومة السودان ايام الاستعمار "

نعم . . كان يشوب تقديرنا - يومذاك - أسف بالغ لتلك الصلة التى وددنا لو انها لم تكن . . وكان بعضنا يتلمس له الاعذار كلما قصد دار العقاد ، وعرف انه مع نيوبولد فى داره الخاصة . .

ويبدو انه قد جمع بينهما ، ما يتمتع به كلا من الرجلين من ثقافة عالية . والعقاد كما هو معروف ، ذو ثقافة انكليزية رفيعة هذا بجانب المكانة الممتازة للعقاد عند الانكليز لموقفه معهم فى تلك الحرب ، وحملاته القوية ضد الفاشية النازية .

وفى الحقيقة ان العقاد كان معجبا بنبوبولد المثقف فقد رأيناه عقب وفاة نيوبولد ، يرثيه رثاء بليغا فى الصحافة المصرية ، ويشيد بثقافته وسعة أفقه وتقديره لرجال الفكر . . وذكر فى كثير من الاعتزاز صلته الشخصية به عند ما كانا فى الخرطوم ، ولم يخف اعجابه بالرجل قط ، وهذه احدى حسنات العقاد الكثيرة : الشجاعة فى ابداء الرأى غضب الناس عليه أم رضوا .

وأراد أدباء الشباب فى العاصمة المثلثة - الخرطوم - أم درمان بحرى - أن يكرموا العقاد فى زيارته تلك واستقر الرأى على اقامة حفل ادبى فى نادى الخريجين

بالخرطوم ، من لون جديد . . أى أن يدعى العقاد ليستمع الى آراء نخبة من أدباء شباب السودان فى انتاجه الفكرى شعرا او نثرا . . وكانت مغامرة أوحاها لنا زهو الشباب !!

وتولى الاستاذ السيد داود عبد اللطيف - سكرتير نادى الخريجين بالخرطوم يومذاك - اخراج المغامرة ، وحشد لها عددا من ادباء الشباب ، خصص كلا منهم بناحية من ادب العقاد ليتولاها بالنقد والتشريح . .

وجاء اليوم الموعود ، واحتشد فى النادى خلق كثير . . وفى الصف الامامى جنس العقاد على مقعد وثير ، وبجانبه كبار الخريجين من رجال العلم والادب ، والثقافة ، على اختلاف طبقاتهم وازيائهم . وعلى مسرح النادى ، وبالقرب من المنصة جلس منظمو الحفل الادبى والمتحدثون . . وتولى داود سكرتارية الحفل . واخذ يقدم المتحدثين واحدا بعد واحد ، والعقاد مرهف سمعه يلتقط كل كلمة من احاديثهم تلك .

تحدث الاستاذ محمود الفضلى ، حديثا قيما ممتعا مشرقا ، كان دراسة مستفيضة مركزة عن ادب العقاد وانتشى العقاد واهتز اعجابا وتوالى المتحدثون بعد محمود ، وهم كثر ، واذكر من بينهم الاديب الاستاذ محمد المهدى مجذوب الذى القى تحية بالشعر استهلها بقوله يصف مدينة الخرطوم ، العاصمة السودانية :

يا شاعر الوادى ولحن عبابه

من حائر او ثائر فى ملعب

هذى هى الخرطوم دونك فارضها

غربية هى فى ولائد يعرب

من ابيض ساجي الشطوط وازرق

مرح الشباب بموجه المتوثب

انى نشأت بها وما ابصرتها

وقفا على امر الدعى الاجنبى

هذى هى الخرطوم دونك تلتقى

احلامنا بجمالها المتحجب

مالت على الافق البعيد ورنقت

بالنخل هوم فى الهتون السيكب

قد جاذبتها الريح فضل خمائل

كالغيد بين تحشم وتسلب

ووراءها قومى وملء نفوسهم

شوقا الى حق هناك مغيب

وبعد ان افاض السيد محمد المهدى فى وصف الخرطوم ، التفت الى الضيف قائلا :

هذى تحية من يراك بخاطر

ثر الطيوف كانه فى موكب

اكثى بها عما يعز نواله

كلما ، وبهمها بما لم اكتب

أو لم تر الخرطوم وهي حبيبة

لقيت هداك بشيق متنقب ؟

عربية تأوى الحجال وتتقى

والحسن لا يصيبك غير محجب

فاتبع بلحنك موجة من فتنة

تجرى الى تيه الحياة الارحب

واتبع بطرفك أفقنا متكشفا

لك عن صفاء سرائر وتقرب

يا شاعر الوادى وكاهن سحره الأ

زلى هاك تحية من معجب

أصفى لك النغم الوديد واتقى

زلل الحيى وعثرة المتهيب

الصدق قربنى اليك ، فهل ترى

يهب العزيمة والمضاء تقربى !؟

ثم جاء دور الاديب صلاح الدين العثبانى الذى استهل حديثه بقوله : انه عندما زار مصر ، كان يدخر للعقاد قبلة اعجاب بوصفه من رواد الفكر واساتذة الجيل . . وخنجرا يغمده فى صدر العقاد السياسى

الجائر ، الخارج على حزب الوفد المصرى . وبدأ العقاد يتململ فى جلسته بحركة عصبية واضحة ، ولم يعجبه هذا الخنجر الوهمى . . واكفهر وجهه . .

هنا اخذت سكرتارية الحفل تلطف الموقف بعد نهاية كلمة صلاح ، فقدمت الفنان اسماعيل عبد المعين ليغنى قصيدة للعقاد وقد لحنها الفنان لهذه المناسبة :

يا نديم الصبوات

اقبل الليل فهات

واقتل الهم بكأس

سميت كأس الحياة !

وسرى عن العقاد ، واعتدل فى جلسته وهو يتابع الفنان وهو ينشد شعره :

هاتها واذكر حبيب

النفس يا خير ثقاتى

ودع التلميح واجهر

ذكره فى الخلوات !

ذهبى الشعر ساجى الطر

ف حلو اللفتات

وحبيبى لا يحييك

بغير البسمات

هاتها باسم حبيبى

قاتل الله عداتى

إلى آخر القصيدة الحلوة العذبة . . والى هنا حسبنا ان الزوبعة التى أثارها صلاح عتبانى بخنجره الذى اراد ان يغمده فى صدر العقاد السياسى ، قد هدأت ثائرتها بعد هذا الفصل الغنائى الممتع ، حتى اعادها دائرة مربدة الاستاذ الشاعر " على نور " مهندس عند ما جاء دوره ليلقي قصيدته فى تحية العقاد وكان العقاد يعلم فى قرارة نفسه ، ان الناس يقولون ان زيارته للسودان ، انما هى هروب من جيش النازى وكان يكره أى حديث يشير الى هذا المعنى من قريب أو بعيد . .

وفى القاء واضح جميل ، اخذ على نور يتلو قصيدته التى استهلها بقوله :

اهلا بشاعر مصر العبقرى ومن

سارت بحكمته الاخبار والسير

اهلا بأقوى يراع فى اصح يد

على النهى وعلى الفصحى لها اثر

لم انس موقفه و " الوفد " مؤتلف

صلب ويأمر بالحسنى ويأتمر

يجلو صحيفته للناس ناصعة

بيضاء الا ظلال كلها غرر

وقوله الحق والدنيا باجمعها

تصغى وتستمع الاعداء والنذر

ويمضى الشاعر فى القاء قصيدته والى جزء كبير منها ، لم يقل غير ما يوجبه تكريم رجل عظيم ، حتى وصل الى هذه الابيات التى أثارت العقاد ، فقد كان - كما قلت - لفرط اعتداده بنفسه ، ينفر من ان يوصم بالجبن من النازيين ، وان رحلته للخرطوم ، كانت لهذا السبب:

قالوا جبنت من الجلى وما علموا

مكان من خطبوا الجلى ومن مهروا

ايجبن العلم ؟ ان العلم مزدهر

أم يجبن الحق ؟ ان الحق منتصر

أم يجب العقل فى ابان سطوته ؟

الله يعلم ، لا جبن ولا خور

ما جئت ترجو قرابا تستقر به

من الطغاة ، وانت الصارم الذكر

لكن حملت نفيسا فانتبذت به

عبر النجاة ، عساه ينفع الحذر

تبقى الصفاة على الغبراء آمنة

والدر يحفظ فى حرز ويدخر

عباس ، انى عن قومى وعن وطنى

اهدى تحية تقدير ، واعتذر :

وفرغ المتحدثون والشعراء ، واتجهت

الابصار الى العقاد ، فقام ومشى نحو المنصة

وئيد الخطى ، مديد القامة . . وهناك

وقف ليرد ، وسمعنا عجبا ! فقد اذهلنا

بقوة ذاكرته . . اخذ يرد على المتكلمين

واحدا بعد واحد - وكانوا اكثر من عشرة-

كان يلمس أفكار المتحدث اولا فى رفق ، ثم

يأخذ فى كشف أخطائه الفكرية او اللغوية ،

وقد حفظها عن ظهر قلب ، ولا يزال به حتى

يتركه اثرا بعد عين . . كان حديثه ،

دروسا قيمة فى الادب والسياسة والشعر

وأدب الخطاب .

وزرناه - ونحن جماعة من ادباء الشباب-

غداة الحفل ، فلقيناه غاضبا ، فقد ساءته

تلك التلميحات فى قصيدة على نور ، عن

" الجبن " . . واندفع كالسيل الجارف ،

يتحدث عن اصحاب القيم فى التاريخ الذين

هربوا او ابتعدوا عن مواطن الخطر ، حفاظا

على القيم التى يحملونها ! كانما اراد بكل

هذا ، أن يقر فى أذهاننا ، انه انما فعل ما

سبقه اليه اصحاب القيم!

لم يمكث العقاد فى الخرطوم ، اكثر من اربعين يوما ، حتى رجع فجأة الى القاهرة ، ولكنها كانت فترة ذات اثر بعيد الغور فى نفوس اولئك الذين اتصلوا به عن كثب .

وكثير من ادباء السودان ، قد تتلمذوا على العقاد ، سواء كان ذلك بتتبع آثاره الادبية ، وهم بعيدون عنه ، أم بالجلوس اليه فى القاهرة ابان دراستهم او اقامتهم فى مصر . واذكر من بين هؤلاء المرحوم معاوية محمد نور الذى تخطفه الموت وهو فى ريعان الشباب .

هذا ولكم قدم العقاد لكثير من مؤلفات دباء السودان ، الامر الذى يدل دلالة واضحة على حب واجلال ادباء السودان ملعقاد وتأثرهم بأدبه الرفيع وثقافته العالية

وفكره الجبار .

بل لكم ظلت صورة ذلكم الرجل الفذ ، مائلة فى ذهنى فى ذلك المشهد الانسانى الرائع ، المعبر عن أنبل العواطف واسماها والدموع تجول فى عينيه وهو يستمع الى الاستاذ محمود الفضلى فى ندوة ادباء الشباب بدار الخريجين بأم درمان ، وهو ينشد قصيدته الخلابة :

ولما تقضى الليل الا اقلة

وحان التنائى . جئت بالدمع باكيا !

فقبلت كفيه ، وقبلت ثغره

وقبلت خديه ، وما زلت صاديا !

وزحزحنى عنه بكف رفيقة

واسبل اهداب الجفون السواجيا

واسلمت كفى كفه ، فاعادها

وقلب فهلا ارجع القلب ثانيا !

ان تلك الصورة ستظل حتى الابد مائلة فى ذهنى تذكرنى فى كل يوم بفقيد الادب العربى . بكاتب الشرق الفذ . بالعقاد صاحب الفكر الجبار .

وان انس لا أنس كلمة قالها العقاد منذ اثنين وعشرين عاما ، عند ما كتب احد ادباء السودان ، كلمة فى صحيفة " صوت السودان " اليومية بعنوان : " دموع الجبار " فى اليوم الثانى لتلك الندوة الادبية ، كتعليق على ذلكم المشهد ، آنف الذكر فقال لكاتت المقال عند ما التقى به ، وكنا نجلس اليه ونحن ثلة من المعجبين: ( من قال لك ان الجبار لا يبكى ! ؟ ) . . فان بكى العقاد بالامس وحده ، فقد بكى عليه اليوم الف جبار وجبار .

اشترك في نشرتنا البريدية