فى التاسع والعشرين من جانفى سنة 1948 انتقل الى الرفيق الأعلى أديب مناضل من مواليد بلدة المكنين بالساحل التونسى بعد حياة دامت أربعين سنة وثلاثة أشهر قضى أكثرها فى جهاد باسل بلسانه وقلمه ومواقفه الحاسمة وكان زينة النوادى ومفخرة الأدباء والصحافيين الأيقاظ ما انفك يجهر بآرائه الاصلاحية فى مجتمع عصره ويحرص على إنهاض الهمم فى شعبه المستعبد المستكين وعلى مقاومة الجمود الفكرى والمادى والانحلال الأخلاقي والظواهر الفاسدة للمدنية المقتبسة كما يشهد بذلك العديد من مقالاته فى الصحف والمجلات ومن قصائده كالتى تحمل عناوين : " المرأة والأخلاق " - و " أف الرزايا " - و " أنت روح ذللوها بالجماد " - و " الى الدرس " - و " رفقا بالانسان " - و " البدع والاسراف " وغيرها كثير
ولم يكن سعيد أبو بكر شاعر الوطنية الوحيد فى الثلث الأول لهذا القرن إذ طبع الجزء الأول من ديوانه " السعيديات " سنة 1927 ، بيد أن شعره أشد لصوقا بشعبه من شعر جيله فى تلك الفترة الكالحة السوداء من تاريخ تونس السياسى والاجتماعى ، وأدق تعبيرا عن أفراحه وأتراحه وآمال الشباب اليقظ وأحلامه
ويطالعك في الجزء المطبوع من ديوانه " السعيديات " نضال مثالى فى سبيل صيانة كرامة أمته المداسة وإحيائها وقد خصها بقريضه فلا تكاد تعثر فى ديوانه على قصيد له فى غير الاجتماعيات والوطنيات . ويسمعك سعيد أبو بكر انغاما جديدة هي تلحين عواطف وأفكار الفئة الحية من التونسيين ، وكانت نفثاته أنات قوم واصطكاك جيل متمزق تمزقا أليما أمام الهوة التى تفصله عن وطنه ، تواق الى فجر جديد يستنشق فيه نسيم الحرية وينعم بفرحة الحياة ، مترقب منقذا جريئا يفك قيود الشعب وينهض به من كبوته ويحرك فيه إرادة الحياة وينفض عنه غبار عصور التدلى وينشط فيه القوى الحية الخلاقة الدافعة الى العمل الدائب والزحف في سبيل التقدم وملاحقة ركب الأمم المتحضرة ؛ وقد عرف سعيد أبو بكر ذلك المنقذ في شخص المجاهد الأكبر وجماعته عند بدء نضاله ، فانضم الى رواد الحزب الحر الدستورى الجديد كما تشهد بذلك مقالاته التصويرية لمؤتمر قصر هلال التاريخي سنة 1934 والجو العام الذى مهده . وكان ذلك
الانضمام بعد حيرة قصيرة أحدثها فى نفس الشاعر انفصال أولئك الرواد عن اللجنة التنفيذية وعبر عنها فى قصيد له بعنوان " الوفاق الوفاق " ) السعيديات ص 98 ) .
وسعيد أبو بكر شاعر ثورى على غرار الأدباء الشبان من جيله امثال الطاهر الحداد وأبى القاسم الشابى وعلى الدوعاجى وغيرهم ، ثائر بقلبه وبعقله على الأوضاع المتعفنة فى مجتمع عصره وعلى الظلم الخانق حينما كانت تونس تحت كابوس الاستعمار ، وعلى القوالب والأغراض الشعرية المهترئة كما فى قصيده " أيها الشعراء إلى نهضة بالشعب قبل مماته " ( الديوان ص 94 ) فاقرأ معي لمزيد تيقن من ذلك قوله لشعراء تونس فى الثلث الأول لهذا القرن :
دعونا من الاطناب فى وصف غادة دعونا من الاطناب فى مدح سيد
وكيف بدت سلمي وكيف تكللت بكف خضيب أو بحلى وعسجد
وهذى تفوق الغصن قدا وقامة وهذا شقيق للسها والفراقد
فتلك لعمري حبة إثر حبة تصيب المعالي مقذفات بصائد
ووقت ثمين ضائع وهو صالح وحبر واوراق ضحية فاسد
فمن ذا أراكم شاكرين تكلفا وعهدى بغير الحر غير ممجد
جدير بهذا خادم لبلاده وفي غير نفع الشعب غير مكابد
خذوا تلكم الاقلام خطوا رحالكم لديها وقوموا للهناء المخلد
وصبحوا بأقوام حيارى وقوموا فسادا ومدوا للبلاد بساعد
بذمتكم دين لها وكأنها تطالبكم بالدين فى كل مشهد
حرام عليكم أن تعيشوا بظلها ولا تسمعوها وهي مغلولة اليد
وعار عليكم أن تقولوا : حياتنا رفيقة يأس : لا قيام لراقد
الى خدمة الاوطان قد ضيع العلا بنوها وحادوا عن كمال وسؤدد
الى نهضة بالشعب قبل مماته الى قطع أسباب الهلاك المهدد . . .
فهذا الأديب المناضل شاهد على عصره وأدبه قد ساعد دون شك - الى جانب ادب الشباب اليقظ من جيله مثل الطاهر الحداد - فى إحياء الضمائر وإنعاش النفوس وإيجاد الوعى الجماعي والشعور بضرورة تغيير الأوضاع الفاسدة وكانت ثوريته هادفة الى فك عقال الانسان التونسى وفتح آفاق الخلق الفكرى والمادى أمامه ليضمن لنفسه ولأمته ما يصبو اليه الانسان الفاضل من عدالة وكرامة وحق . وليس أدبه شاهدا فحسب على نضال جيل من شباب تونس فى النصف الأول لهذا القرن بل هو ما زال ولن يزال ينبوع وحي يستمد منه التونسى إرادة الحياة فى جهاده الأكبر لبلوغ الرقى الفكرى والمادى ، بعد أن تحققت أمنية سعيد أبى بكر الكبرى وأمنية جيل بأكمله متمثلة فى خلاص الشعب من ذل التبعية
لقد تألم سعيد أبو بكر - على غرار أبى القاسم الشابى والطاهر الحداد وعلى
الدوعاجى عصرئذ من غربته فى وطنه البعيد عنه رغم أنه كان يعيش فوق أديمه ، وعبر عن قلق جيل كامل من التونسيين الأيقاظ كانوا يتمزقون تمزقا أليما أفضى بعديد منهم الى موت مبكر . ويتجلى شعور سعيد أبى بكر بالغربة فى وطنه فى قصائد تغنى فيها بطبيعة تونس الجميلة التى كان يحس بها احساسا قويا لبعده عنها كما يتجلى فى هروبه اليها واستئناسه بها وبثه إياها همسات ألمه لمرأى شعب سائر نحو الرمس وهو عضو منه ووطن يتدرج به نحو الالحاق بفرنسا بواسطة التجنيس الذى قاومه سعيد أبو بكر فى قصائده ومقالاته وزهراته . فها هو الشاعر فى قصيده " الفتاة الباكية " ) السعيديات ص 25-27 ( يخرج الى الطبيعة الزاهية ويتخيل انه يرى بنتا جميلة ودمعتها من عينها تتنازل فيناجيها واذا هي تونس الجميلة متجسمة تدعوه الى إنقاذها من خطبها بهذه النفثات المعسولة النافذة الى أعماق النفوس
أنا الزهرة التعساء فاح أريجها وأوراقها من حزنها تتذابل
رآها رسول الموت تخشى خياله فأصبح بالمرصاد لا يتنقل
انا الغصن فى زهر الشباب يقصه بقادومه الخطاب وهو مولول
انا تونس الخضراء ويك ! إلى متى على السير فى نهج العلا تتفافل
كانك لا تلقي المعرة إذ ترى بلادك في خطب ولا تتقلقل . .
وتلك الشكوى المليئة بالألم المهموس من جمود الشعب التونسى فى الثلث الأول لهذا القرن إذ طبع الجزء الأول من السعيديات سنة 1927 بعد أن جمعت جل قصائده وزهراته من الصحف التونسية ، تجدها فى قصيدة عذبة التوقيع بعنوان " أنت روح ذللوها بالجماد " يستهلها بمناجاة شحرور يشاركه لوعته وحرقته فى هذين البيتين :
غن يا شحرور لا تنحب معي أنت لم تخلق معي للانتحاب
خل دمعي ساكبا من مدمعي واحتفل للطل من دمع السحاب
وفى تلك القصيدة يسمعك تأوهات شاعر يحترق لمرأى أمة فقدت الوعى الجماعي وصمت آذانها عن نداء المستنهض فكأنها فقدت الحياة :
مم تشكو ؟ أنت فى العش تنام فى رياض الحقل فى الفرش الوثير
اه ! لكن ما الذي تنفع آه بين قوم لم يزالوا فى جمود
اخمدت في أرضهم - وا أسفاه ! نارهم فاستملحوا ذاك الخمود
كلما افهمت شخصا لا يعي أو جموعا قابلوني بالسباب
وفي قصيد آخر تصويري جميل لواقع الشاعر وجيله الملتاع فى تلك الفترة الكالحة السوداء من تاريخ تونس في العصر الحديث ، يناجى سعيد أبو بكر زهرة جندلت وبكاها القضيب ويراها الشاعر زينة نعش فيرجوها ألا تفوح ويهيب بها ألا تكون زينة صدور الجامدين ويهمس اليها أن تقص فى الخلود
ماساة شبابه المعذب المفيد الغريب في وطنه بين شعب راكد لم يكن آنذاك يحتاجه الوعى الثورى ؛ وهاك نفثات من قصيده " زهرة فوق نعش" ) السعيدات ص 49 ) تعرب لك عن حيرته وحيرة جيل كامل ، والحيرة منعشة مبشرة بالخير والنجاة :
يا زهرة الروض مالي أراك فوق اللحود وطالما عفت قبلا حتي رياض الخدود
يا زهرة جندلوها حتى بكاها القضيب
يا ليتهم صدروها حيث المقام يطيب
لا تبعثي الطيب اني أراك زينة نعش
لديك جسم ولكن به الى القبر نمشى
فلا تكونى جمالا علي صدور الرقود
وان اردت انتقالا الى نعيم الخلود
فحدثي عن شبابي وعن يدى فى القيود
ولعل أهم أبيات معبرة عن حرقة سعيد أبى بكر وتمزق جيل كامل من شاب تونس عصرئذ أمام هول الهوة الفاصلة بين المواطن التونسى ووطنه تتجلي فى قصيد الشاعر بعنوان " بعد موتى " ( السعيدات ص 63 ) حيث وصف جنازته وهو يحمل على الألواح الى الرمس وصور نفسه المعذبة فى الحياة وبعد الممات لأنه عاش فى غربة وهو على أديم وطنه ومات وهو فى دار هجرة لم يعد له وطنه الجميل . وههنا يركن الشاعر الى الطبيعة التى يحس بها قوى احساس لأنها بعيدة عنه مغتصبة منه وإن كان يعيش بين أحضانها فيبث فيها المه ويدعو نفسه الشاردة بعد مفارقتها جسده أن تندبه وتفرح من روعه بزهرات تلقيها فوق رمسه لتستريح رفاته من آلامها . فالتمزق يلاحق الشاعر . بعد الممات لأن الشوق الى فرحة الحياة لم يزل عنها وفى ذلك أشد العداب فاقرأ معي قصيده " بعد موتى " ) السعيديات ص 63 ) :
غالطى الناس يا حياتي إذا ما أخبر الناس بعضهم بمماتى
واسكتي يوم يرفعون على الأل - واح جسمى وكفكفى العبرات
وانظريني على الأكف وحولي أهل ودى كأنهم فى الصلاة
بعد حين سيجعلون فراشى من تراب ومسندى من حصاة
ثم يلقون بي هناك وحيدا وحياتي هناك نعمت حياتي
فارقى النزل في الصباح الى البس تان كي تبصري جمال النبات
واجلسي تحت دوحة واذكرينى واندبينى هناك فى الخلوات
واسمعي نغمة الكنارى وقولى كان يزهو بهذه النغمات
علميه البكاء بعدى ليسلي ك إذا ما ركنت للزفرات
وانظرى الجدول الجميل وقولي : كان يرنو لذاته ولذاتى
سوديه إذا استطعت ليفدو شكله موجبا الى الحسرات
واقطفي الزهر إن أردت ولكن حاذرى أن تبعثرى زهراتي
واجمعيها بكل لطف وضمي ها لصدر معذب فى الحياة
وإذا أقبل الظلام وأمست كل عين نخافها فى سبات
فاسرعي نحو مضجعي وضعيها فوق قبرى لتستريح رفاتى
وحيرة سعيد أبى بكر بادية فى تساؤله أيضا عن المصير ما عساه يكون ؟ وإنه إذ يجهر بذلك فى عديد من زهراته وقصائده ليعبر عن حيرة جيل كامل من التونسيين الأيقاظ في عصره متأرجحين بين يأس وأمل متشوقين الى غد مشرق يتكسر فيه كل قيد . غير أن سعيدا أبا بكر وجيله كانوا لا يتبينون بوضوح سبل الخلاص من هيمنة دولة دخيلة قابضة عليهم بيد من حديد . وإنك لتجد نظرة سعيد أبى بكر السوداوية الى واقعه ومصيره المرتبط بمصير شعبه المعذب فى وطنه فى قصيد آخر بعنوان " الغصن المجرد " ) ( السعيديات ص 64-65 ( نسجه الشاعر على منوال " النهر المتجمد " لميخائيل نعيمة فالغصن الكئيب المجرد من أوراقه فى الشتاء هو كالمرآة يرى عليه الشاعر صورة عيشته التى قد عافها ولكنه يسليه عن عرائه بقرب مجئ ربيع يحبوه ثوبا قشيبا من زهوره ويندب الشاعر أيام شتائه الدائم ؛ ومطلع القصيد هو التالي :
يا غصن كم غنت عليك بلا بل الروض الجميل
من نغمة فيها ارتياح للمتيم والعليل
وفي موشح عذب التوقيع بعنوان " بين أمسى ويومي" (السعيديات ص 73 ) يناجي الشاعر حبيبته فى إطار طبيعة جميلة غشى الليل بظلامه جمالها ويذكره ذلك المنظر أمسه المشرق الزاهى أمس أسلافه فى أزهى عصورهم وحاضره الأظلم الكالح حاضر شعبه فى الثلث الأول لهذا القرن . وألم سعيد ابي بكر حلو وتشاؤمه فى هذه الاشعار مقبول لأن غايته تحريك السواكن وليس استسلاما وقنوطا . ففي شعره الحزن ولكن بغير الصخب وفيه تدفق عاطفى كئيب ورقة ذائبة فى بث الألم يحدثها الشاعر بطلاوة التعبير وعذوبة الكلام وحلاوة موسيقى الأبيات وخفتها ولا غرو أن يسمعنا سعيد أبو بكر أنغاما جديدة إذ انه عزاف على الكمنجة ماهر خبير بالألحان
ومن وطنيات سعيد أبى بكر الرائعة قصيدته " أنا ووطني " ( السعيديات ص 84-85 ) حيث تغنى بجمال طبيعة وطنه وبكاه عندما كان مداسا بأقدام الغاصبين وحرك فى التونسيين الخامدين عصرئذ ارادة الحياة ودعا المجاهدين الى الثبات فى النضال والعمل الدائب لخير الوطن وختم القصيدة بنغمة حزينة تموج بالحيرة ولكن تبدو من حنادسها ومضات الرجاء فى خلاص أمته من القيد وبلاده من الاستعمار ولعل تونس عندئذ تعيره حسب تكهنه التفاتة اعتراف بالجميل وتقيم له ذكرى وتبكيه لما حباها به من حب . وهاك مقتطفات من مطولته الرائعة التى يناجى فيها وطنه وشعبه
انت لى غير الرزايا لم تجد وأنا غيرك حبا لم ارد
يا رعاك الله من حي إلى حبه نفسي كروحى للجسد
ما أرق الجو ما أصفي الهوا هو ما أحلاه فى قصر ومد
أيها الشعب كفانى شرفا أن تراني خادما كالمجتهد
ليس تثنى العزم مني جمعة لا ولا سبت ولا يوم احد
كلما جولت عيني هيجت لهبا فى وسط قلبي قد وقد
حركتني وانا عندئذ لم أقف فى ندب حظي عند حد
وطني ابكيك فاشهد يوم لا تنفع الأموال شيئا والولد
وها قد مضت عشرون سنة على وفاة هذا الشاعر والصحافى المناضل وتحققت أمنيته وأمنية جيله الكبرى فتحررت تونس ولكن هذا الأديب الملتزم بقى مغمورا مغبونا وأدبه ظل مجهولا مبعثرا وإن كان فى عصره ذائعا يسرى سيرورة كبيرة كما تشهد بذلك الصحف والمجلات التونسية آنذاك . فهذا الأديب الذى كاد يطويه الدهر وينساه الناس ولم يحظ إلا بمكانة ضئيلة بين شخصيات البرنامج الأدبي في معاهدنا الثانوية فى نهاية المرحلة الثانية جديرة بأن يحتل مقام الأدباء الممتازين وان يدرس دراسة علمية وأن يقع تقييم نتاجه الخصب وإنى ما زلت دائم التنقيب والبحث عن آثاره وأرجو أن يوفقني الله يوما لكشف الغطاء عنه وإخراج تراثه مدروسا للناس من مخابيء تراكم عليها غبار الزمان فأبعثه حيا الى هذا الجيل المحتاج إلى استمداد القوة من أمثال هذا الأديب والمفكر الحازم كالطاهر الحداد وأبى القاسم الشابى وإنى لأتساءل وأنا أسجل خواطرى الأخيرة عن غربة سعيد أبى بكر وجيله فى الثلث الأول لهذا القرن : " هل صحيح ما يشاع من أن تونس تنوى إقامة مهرجان احتفالا بذكرى وفاته العشرين وانها ستبكية اعترافا بجميل بذله كما بكاها من قبل ليوقظ رقادها ؛ أليس هو القائل
وطني ابكيك لكن ربما صرت تبكينى غدا او بعد غد

