الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

ذكرى وأمل

Share

( إن أول بيت وضع للناس الذي ببكة مباركا وهدى للعالمين ) " القرآن الكريم "

وطئة

ينتهز الاستاذ الانصارى صاحب مجلة ( المنهل ) هذه الفرصة السعيدة فرصة تجمع الحجيج فى هذه الرحاب لأداء المناسك فيصدر عددا ممتازا من مجلته ليعطي صورة واقعية واضحة ويرسم فكرة صادقة ملموسة عن حاضر هذا البلد الأمين وعن الخطوات التقدمية المطردة التى خطاها فى ظل الحكم السعودى الرشيد والنهضة المباركة الغامرة الشاملة لكل مرفق حيوى وكل مصلحة من شأنها رفع سمعة البلاد وحفظ كرامتها وانعاشها أدبيا وثقافيا ومادبا واقتصاديا وسياسيا ، وإنها لمناسبة جميل أن نهتبل فرصتها وان لا نسقطها من حسابنا فندعها تمر دون أن نسجل فيها للملأ من جميع ديار الاسلام على صفحات هذا العدد الممتاز البارز من مجلة ( المنهل ) بل كل صحفنا المحلية ومجلاتنا متعاونين متساندين علماء وكتابا ومتأدبين نسجل أروع الذكرى لهذا البلد الطيب الذى طاول الزمن وغالب الاحداث وعاش كما أراد الله له آمنا مطمئنا خالدا بمعاشره ومآثره بعيدا عن كل المؤثرات والنزعات مرتفعا عن أى لون من الوان الحزبية والدعاوى العنصرية والقبلية وعلل الجنسية ( سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم )

وعظيم جدا أن نساهم أجمعنا كتابا ومتأدبين كل بقدر إمكانياته وفى حدود نشاطه - نساهم فى رد فرية المفترين ودحض شبه المدعين وكشف أباطيل المبطلين وإفك الافاكين المغرضين عن هذا البلد الأمين ، فذلك دين يتقاضانا إياه هذا الوطن

الحبيب وذلك حق واجب فى عنقنا مفروض ان نؤديه ونسلك السبيل اليه .

بعد هذه التوطئة التى لا بد منها اعود الى موضوع الآية المصدر بها المقال إذ هى الهدف وهي الحافز على هذه الجولة القلمية والباعث على التحدث عن البيت الحرام بيت الله المبارك الذي جعله الله مثابة وامنا وهدى للعالمين .

هذا البيت المعظم قبلة المسلمين فى مشارق الارض ومغاربها وملتقى الجموع من أقاصى الدنيا ومجمع عباد الله من نواحى المعمورة ومحط أنظارهم ومنتهى أملهم أبيضهم وأحمرهم وأسودهم وأصفرهم ، أميرهم ومأمورهم ، عظيمهم وحقيرهم .

فى جوار هذا البيت تتكون الصلة وتنعقد الأواصر وتتوثق الوشائج بين هذه الجموع الزخرة ويسود بينهم الوئام وتتجلى الألفة والمحبة وينسجم الجميع تحت شعار الأسلام وكلمة الاخلاص وشهادة الحق : لا إله إلا الله محمد رسول الله - تنساب من قلوبهم المؤمنة الصادقة إيذانا بالوحدة واعلانا للتحرر من عبودية غير الله كائنا من كان وتبرئة من طأطاة الرؤوس والانحناءات المثينة للمخلوق والتعلق به دون الخالق أيا كان وضعه ومنزلته ملكا فى السماء أو نبيا بين الأنبياء أو صديقا ورجلا صالحا أو وليا رفيع الدرجات والمنزلة عند الله .

فى كل مظهر من مظاهر الحج وكل مجال من مجالاته تتجلى روعة هذه الكلمة ويظهر أثرها بارزا ملحوظا ، ففي الطواف بالبيت واستلام أركانه معنى من معانى التوحيد وتحقيق كلمة الاخلاص .

وفي أداء الشعائر والتلبس بالطاعات من تجرد عن الثياب وحسر عن الرؤوس وذل وتضرع فى موقف عرفات فرمى جمار وذبح أو نحر وما اليه . . فى كل ذلك مظهر العبودية لرب العباد وبارئهم وافراد له بالعبادة وحده دون سواه - تلك العبودية هي علة هذا الوجود وهدفه الأسمى - ( وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ) وهى الملة العادلة ملة أمام الحنفاء واضع قواعد هذا البيت المبارك بمكة وراسم أسس الشعائر الاسلامية بأمر الله حنيفا

والذى وصفه الله تعالى بجملة من نعوت الشرف والتكريم فى محكم كتابه وأمر نبيه وحبيبه محمدا صلى الله عليه وسلم بانتهاج نهجه واتباع رسمه فقال : ( ان ابراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه الى صراط مستقيم وآتيناه فى الدنيا حسنة وإنه فى الآخرة لمن الصالحين ؛ ثم اوحينا اليك أن اتبع ملة ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين )

فالبيت الحرام هو الرمز الخالد لهذه الديانة الاسلامية وشعائر الدين الحنيف ، وهو الأثر العظيم البارز لرافع قواعده ومرسي بنيانه خليل الله ابراهيم عليه أفضل صلاة وتسليم . وفى القيام بتأدية شعائر الملة على سنن ابراهيم على مر الاجيال والحقب تجديد للذكرى الخالدة ، ذكرى بناء البيت ، وتخليد لمبدأ الوحدة للواحد الأحد الذى تدور عليه كل شعائر ومعالم الحنيفة ، وامل باسم باستعادة مجد الاسلام الغابر ما فتئ الوازع الدينى مهيمنا على النفوس وما دامت مشاعر الاسلام ومشاهد الحج ماثلة قائمة ترمز الى ذلك الماضى الناضر .

يقول المفسرون فى نزول الآية التي نحن بصدد التحدث عنها : ان لجاجة وقعت بين المسلمين واليهود فى تفضيل بيت المقدس على الكعبة إذ انه قبلة الانبياء ومهاجرهم وانه ارض المحشر الى غير ذلك من وجوه المفاضلة والتمييز فأنزل الله تعالى : ( ان أول بيت وضع للناس الذى ببكة مباركا ) الآية ونحن لا يعنينا من امر هذه المفاضلة شيء بقدر ما تعنينا معرفة الحكمة من اتخاذ هذا البيت فى هذا الوادى الممحل غير ذى زرع ، وجعل الافئدة تهوى اليه وتسكن لرؤيته ومعاودة قصده والتردد عليه والحكمة والله أعلم هى الفرار الى الله ومغالبة النفس للعود الى حياة الفطرة المبسطة العارية عن كل مجالات الزخرف والمباهج ونزعات المادة والتمرس على ذلك فى هذه البقاع البدائية الفطرية وفى هذا الجو الروحى الفياض بكل معانى المثالية من زهد وتقشف وتحمل المتاعب والتضحية بحظوظ النفس المباحة فى سبيل الله رغبة فيما عنده ليكون ذلك درسا عمليا ناجحا فى مجابهة الصعاب والتضحية وبيع - ٥٣١ -

النفس فى سبيل المثل العليا والواجب المفروض .

ثم ان الرحلة الى البيت وبقية المشاعر ، تعطى صورة رمزية لعالم آخر وحياة تشبه الى حد كبير صورا ومرئيات فى حياتنا الحاضرة انطبعت صورها فى الأخيلة ، والغرض من اعطاء هذه الصورة هو دوام التذكر ابدا والبعد عن الغفلة وعدم الركون الى الدنيا وأخذ العبرة للاستعداد والتشمير عن ساعد الجد للتزود من الباقيات الصالحات وادخارها لحياة سعيدة وعيش رغيد طويل الأمد لا يفنى ولا يبيد .

فالحاج إذ يسلك فى طريقه الى الحج المفاوز ويجتاز المخاوف والصعاب لا يكون له ما يسليه ويروح عنه ويربط جأشه فى رحلته حتى يبلغ مأمنه إلا ما أعده من مال وكراع ( ١ ) والا ما ادخره من زاد ومزاد ( ٢ ) فهو يشبه بذلك من يفارق دنياه وحيدا فريدا لا أهل ولا مال ولا زاد أو مزاد يؤانسه فى وحشته إلا ما ادخره من عمل صالح والا ما سعى اليه من كل مناحى البر وأوجه الخير . ومثل ذلك تجرده عن المخيط كتجرده عن ثيابه للغاسل عند الموت . وكون الحاج أشعث أغبر يشبه خروجه من القبر الى المحشر حيران لهفان مندهشا ينفض عنه غباره .

ووقوف الحجيج ( فى عرفات ) كوقوفهم فى ( عرصات ) القيامة آمنين راغبين راجين وهم بين شقى وسعيد ، ومقبول ومخذول

وتعرضهم للهاجرة وحمارة القيظ فى عرفات كتعرضهم للفح الشمس وغمرة العرق فى المحشر

وافاضة الحجيج من عرفات كارفضاضهم من الموقف فى القيامة بعد الفصل والقضاء . ولبثهم فى منى كلبث المذنبين وانتظارهم لشفاعة الشافعين .

والبيت الحرام هو نهاية المطاف وخاتمة الموقف وقد أمن الله قاصده من الأذى والمقاتلة كما أمن من أنعم عليه بالجنة من الفزع والمخاوف والفناء وزوال النعيم

وهكذا كانت رحلة الحج تشبه الى حد كبير الرحلة الى الآخرة ومشاهدها ترمز الى مشاهد الآخرة مع شئ من الفارق فى الشكل والموضوع وهى ذكرى الذاكرين وأمل للطامعين والراغبين . والبيت الحرام محورها والرمز الخالد لشعائر الدين ومن ثم كان هدى للعالمين وفيه الآيات الواضحات على حرمته ومزيد فضله وتعظيمه وتوقيره ، ومن التعظيم والتوقير أن جعل الله له حمى لا يستباح حريمه وهو ( الحرم ) كله لا يعضد فيه شوك ولا ينفر فيه صيد ولا تلتقط لقطته إلا بالتعريف أبدا ولا يختلى خلاه بذلك صح الحديث عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : يوم فتح مكة : ( ان من البلد حرمه لله يوم خلق السوات والأرض فهو حرام يحرمة الله تعالى الى يوم القيامة وأنه لم يحل القتال فيه لاحد فهو حرام بحرمة الله تعالى لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يختلى خلاه . )

ولقد كانت العرب فى جاهليتها تعرف له هذا الحق وهذه الحرمة فكان الجانى اذ يهرع إلى البيت عائذا لا يعرض له أحد بسوء أو يكدر صفو عيشه ويهيض جناحه . فأذا كان ذلك كذلك فأحر بنا وقد أورثنا الله تعالى هذا التراث الخالد أن نحسن الجوار وأن نقدر هذه النعمة حق قدرها فننصرف الى شكرها ونعمل على استدامتها بالدعوة الى كل ما هو جميل من قول أو فعل ، وتخلق بخلق كريم ، وتحل بفضيلة والله الموفق والهادى الى سواء السبيل

اشترك في نشرتنا البريدية