ارتبط الشاعر الفلسطينى عز الدين المناصرة ، بصداقة وطيدة مع الشاعر المصرى الراحل صلاح عبد الصبور ، وفيما يلى ملخص للمحاضرة التى القاها المناصرة فى قاعة بن باديس فى مدينة قسنطينة فى 1984/2/23 بدعوة من اتحاد الكتاب الجزائريين - فرع قسنطينة ، والمناصرة يعمل أستاذ للادب المقارن فى مادة موسيقى الشعر فى جامعة قسنطينة منذ افريل 1983 ، وهو احد كبار شعراء المقاومة الفلسطينية ( درويش وزياد ) والقاسم .. الخ ) وله ثمانى مجموعات شعرية .
دائما أرى أن (( ادب الذكريات )) هو علاقة بين طرفين ، ينبغى أن تكون الأولوية فى رسم الصورة ، مرتكزة على الطرف الأول ، دون أن تلغى الطرف الثانى وهو الراوى ، لان الراوى شريك فى الذكريات ، فلا انفصال فى العلاقة بينهما . هذه القاعدة نؤمن بها لانه كثيرا ما اتهم الطرف الثانى الراوى ) بالنرجسية على اعتبار أن صورته تتداخل مع صورة الطرف الاول .
كذلك - تعلمت من التجربة أن أكتب عواطفى وأحزانى فى الشهر الاول لرحيل الراحل ، اما الذكريات فأتركها للعام التالى أو الذى يليه ، خوفا من الوقوع فى (( التقديس )) أمام رهبة الموت وجلاله ، وتعودت أن لا اتأخر عن سرد هذه الذكريات ، لانها ملك للقارئ فقد تضئ جانبا من جوانب الشاعر او الاديب الراحل سواء من جهة نصوصه او من جهة حياته الشخصية . وهذا ضرورى من باب الوفاء ومن باب افادة الآخرين ، حتى لا تضيع الحقائق مع مرور الوقت وحتى لا تخوننا الذاكرة او نخونها تحت ضغط ظرف مفاجئ - كذلك - يجب أن يترفع (( أدب الذكريات )) عن كافة أساليب (( تصفية الحسابات )) أو استغلال الصداقة لتقديم معلومات خاطئة تخدم الراوي أو أية جهة أخرى .
وأنا أيضا مع تقديم (( ما يمكن تقديمه )) بدلا من القول : (( هناك حقائق كثيرة لا استطيع قولها الآن )) . * * *
عام 1959 ، سمعت باسم صلاح عبد الصبور لأول مرة ، فقد كان أصدر ديوانه الاول (( الناس فى بلادى )) ، ونشرت الصحف الفسطينية فى القدس بعض قصائده وبعض المقالات الصحفية السريعة عن الديوان الصادر عام 1957 . كان الشعراء العراقيون ( بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتى ونازك الملائكة ) قد سبقا عبد الصبور فى مسألة الريادة ( التاريخية ) بسنوات قليلة .
والحقيقة انه يمكننا تسجيل قائمة طويلة من الاسماء التى سبقت بعض الرواد التاريخيين فى مسألة تفتيت الشكل العمودى ، لكن هؤلاء لم يستطيعوا الصمود طويلا رغم مساهمتهم فى الحركة الشعرية الجيدة ففى كل حركة جديدة يساهم كثيرون ، لكن الانجاز النهائى يكون - عادة - لصالح الشعراء الأكثر صلابة والاكثر فاعلية ، لاشعراء (( الشواهد )) و (( الارشيف )) الذين يستشهد بهم ويشعرهم عند التاريخ لبداية الحركة الشعرية الجديدة .
لم تكترث صلاح عبد الصبور بالموسيقى الفخمة (السياب مثلا ) ولا بالقافية العفوية ( البياتى ) ولا بالموسيقى الشعرية التقليدية ( نازك ) . بل اختار الموسيقى الشعرية الخافتة لقصائده ولم يقع تحت ارهاب القافية .
فقد كان الشعراء - آنذاك - يحرصون كل الحرص على القول انهم امتداد للتراث الشعرى العربى ولجأوا الى تعداد الامثلة الشائعة فى التجديد فى الشعر العربى القديم فى محاولة لتأكيد شرعية الحركة الجديدة ( الشعر الحر ) . ودخل الشعراء فى الصراع القائم حول الايديلوجيات والمذاهب القائمة . ولهذا نعت الشعر الجديد عموما بالشيوعية من قبل المعادين له ، على اعتبار ان الشعر الحديث يؤكد اجتماعية النص وواقعيته ، وعلى اعتبار ان هذا الشعر يعادى (( الشكل العمودى المقدس )) . ولم يكن ذلك صحيحا .
فليس كل من فتت الشكل الشعرى كان تقدميا أو حديثا وظل الاقتراب من الواقعية شكليا لأنه لجأ الى الشعارات ليؤكد هويته السياسية .
ولجأ الشعراء الرواد (( تاريخيا )) الى شعراء غربيين واستفادوا منهم استفادة شكلية ، فقد ترددت أسماء شعراء عالميين مثل : بابلونيرودا وناظم حكمت وغارسيا لوركا ومايا كوفسكى من جهة كذلك ترددت فى الجهة الاخرى اسماء : ت . س . اليوت وسان جون بيرس وازرا باوند وروبرت 41 913
فروست . . الخ . وتصارع الرواد التاريخيون حول هذه الاسماء بما توحيه فنيا وفكريا وسياسيا . كان كل شاعر عربى يريد تأكيد صحة خطه الشعرى والفكرى من خلال استخدامه لهذا الاسم أو ذاك . وغالبا ما كانت الاستفادة شكلية . وحتى أوائل الستنيات لم يعترف القراء بالشعر الجديد أو الحديث أو الحر . لكن الجدل حول هذه الظاهرة ، اكسب الشعراء الجدد جمهورا من المثقفين وطلبة الجامعات . كذلك فى الصحافة .
فى هذا الطقس الصاخب ولد - شعريا - الشاعر المصرى صلاح عبد الصبور فى منتصف الخمسنيات كشاعر من شعراء الشعر الحر وكأول رائد لهذا الشعر فى مصر .
وعندما تعرفت عليه عام 1964 فى القاهرة لاول مرة ، كان حتى ذلك التاريخ قد أصدر ثلاث مجموعات شعرية هى : (( الناس فى بلادى - 1957 )) (( أقول لكم - 1961 )) و (( أحلام الفارس القديم - 1964 )) .
وصلت الى القاهرة فى اكتوبر 1964 قادما من فلسطين . كنت قد نشرت قصائد من الشعر الجديد منذ عام 1962 فى صحف القدس وكنت مليئا بالحماس والتعصب لهذا الشعر ولهذا فكرت أول دخولى القاهرة بضرورة التعرف على صلاح عبد الصبور بشكل شخصى . وكان لقائى به فى شهر نوفمبر على وجه التحديد من عام 1964 والمكان هو : الجمعية الادبية المصرية فى عابدين بالقاهرة . اذكر انه كان فى الجلسة : عز الدين اسماعيل وفاروق خورشيد واحمد كمال زكى وعبد القادر القط وعبد الغفار مكاوى وعبد الرحمان فهمى وصلاح وعدد من الشعراء والقصاصين الشباب . وهؤلاء كانوا جميعا بما فيهم صلاح من مريدى الشيخ أمين الخولى ومن انصار أفكاره وكانت الجمعية الادبية المصرية بؤرة نشاط وتجديد . وهم فى معظمهم زملاء دراسة فى جامعة القاهرة فى الخمسينات ، ثم ربطهم الادب حتى أصبحوا أصدقاء فى الحياة اليومية وكانت الجمعية الادبية المصرية تهتم بالابداع ولا اعتقد أنها كانت مركزا سياسيا لاتجاه سياسى رغم الطابع المشترك بين أعضائها فى رؤيتهم العامة . وكانوا يتناوبون على رئاسة الجمعية ضمن جو من الصداقة والود . واهم ميزات الجمعية هو تنوعها الادبى فى كافة مجالات الفنون الادبية . ثم احتضانها للشباب الجديد . وكنا نساهم فى برامج الجمعية بنشاط وبتشجيع واضح من صلاح على وجه التحديد : أمل دنقل ومهران السيد وابراهيم ابو سنه وكمال عمار وحسن توفيق وبدر توفيق والمرحوم السيد الشرنوبى . . . وانا . وبعد القاء قصائدنا ، كان صلاح يعقب 914 42
عليها بتذوق وبتواضع شديد ويشارك الآخرون فى المناقشة وقد يحدث العكس حيث يلقى صلاح شعره او يستضاف شاعر من خارج الجمعية ونعقب نحن على القصائد وكان يتقبل نقدنا بصدر رحب . اما جمهور الجمعية فهو من الادباء او طلبة الجامعات غالبا . فى ذلك اللقاء الاول بينى وبين عبد الصبور ، كان حارا متواضعا ومهذبا ومثقفا ، واهتم بى اهتماما خاصا ، سألنى عن حركة الشعر الحر فى فلسطين ، وعن الاسماء المعروفة آنداك فى الشعر الفلسطينى : معين بسيسو - هارون هاشم رشيد - فدوى طوقان - يوسف الخطيب - توفيق صايغ . وكان معين هو الاكثر اهتماما بكتابة الشعر الحر ، أما توفيق صايغ فقد كان النقاد المصريون يعتبرونه جزء من حركة محلة شعر اللبنانية وهو كذلك . ويوسف الخطيب كان معروفا كشاعر العقيدة القومية وهارون هاشم رشيد كشاعر مخيمات وفدوى كشاعرة ذاتية . اى أن النقد العربى لم يكن يضع الشعر الفلسطينى فى داخل الحركة الجديدة ، ما عدا توفيق صايغ المرفوض لانه يكتب قصيدة النثر المرفوضة آنذاك . ولهذا شرحت لصلاح . عن حركة الشعر الحر فى فلسطين التى بدأت عمليا منذ عام 1960 فى القدس فى الصحف اليومية ، لكن حركة الشعر الحر كانت قد تبلورت على صفحات مجلة (( الافق الجديد )) المقدسية ( 1960-1967 ) . وأخبرته ان هذه المجلة نشرت له بعض القصائد وبعض الدراسات عن شعره ، ففرح كثيرا وطلب مني ان يطلع عليها .
وكنت قد احضرت معى نسختين منها : اعطيته واحدة واعطيت الاخرى لمحمد مندور . وأذكر أن مندور قد فرح كثيرا وهو يتصفح المجله فى بيته بحضور زوجته الشاعرة ملك عبد العزيز أما صلاح فقد فوجئ بها كما قال لى ووعدنى بالكتابة فيها وفعلا كتب فيها .
فى ذلك اللقاء أعطانى صلاح رقم هاتفه وعنوان منزله ودعانى للاتصال فى اى وقت أشاء . وألح علي بضرورة المساهمة فى نشاطات الجمعية الادبية المصرية . وفعلا قبلتنى الجمعية عضوا فيها . فى نفس تلك الليلة أوصلنى بسيارته الى البنسيون الذى كنت أقيم فيه فى منطقة (( جاردن سيتى )) وهبط لنكمل السهرة مع طلبة فلسطينيين قرأوا شعره وفرحوا بلقائه .
شعرت بالفرح لتعرفى عليه لتواضعه الصادق وهدوئه واتزانه : فلاح مصرى أسمر ، كلامه ينم عن خبرة فى الحياة وعن انطفاء مرارة القلب ، أو هكذا هو ظاهره الملىء بالاحزان . 43 915
وفى الجمعية الادبية المصرية هذه ، تعرفت لاول مرة عام 1966 على مواطنتى الشاعرة فدوى طوقان ، ولم أرها منذ ذلك اللقاء حيث حدثت كارثة 1967 .
وتكررت لقاءاتى بصلاح عبد الصبور فى الجمعية الادبية المصرية التى أصبحت أحد نشطائها وفجأة قال لى : لماذا لم تزرنى فى بيتى وهو قريب منك ؟ ! قلت له : نتقابل فى الجمعية ولم أشأ أن أزعجك بمناقشاتى فى البيت أيضا ، وأضفت مازحا : عندنا مثل فلسطينى يقول : (( لا تعرف البدوى على باب دارك )) وبما أننى ما زلت صحراويا فى طباعى فانك ستندم حتما فضحك وقال : أهلا بك ألف مرة .
زرته فى بيته فى منطقة (( اللاظوغلى )) وعرفنى على زوجته السيدة سميحه غالب ، وكان لديه طفلة واحدة ذات عام واحد على ما أذكر ، اسمها (( مى )) وكان صلاح يناديها بـــ (( ميه )) . كنت أحملها وألاعبها وقد اطمئنت لى بعد أن ألفت وجهى بالتدريج وبعد ان احضرت لها حلاقا ليقص شعرها . وكنا فيما بعد نتذكر لقاءنا الاول فى بيته بأنه كان (( عندما كانت مى فى عامها الاول )) .
فى عام 1965 كنت اكتب قصيدة كل يوم ، وكان صلاح يمتدح شعرى ويستحثنى على ضرورة النشر وضرورة النشاط وضرورة اصدار مجموعتي الشعرية الاولى . وكان صلاح يأخذ قصائدى وينشرها فى الصحف والمجلات المصرية وهو الذى عرفنى على كثيرين من أدباء مصر : أنور المعداوى ويحيى حقى ومحمد عبد الحليم عبد الله ويوسف السباعى وأحمد رامى ، وحين سألته ذات مرة ان يعرفنى على عباس محمود العقاد ، ضحك وقال (( ألا تعرف انه لا يعتبرنى شاعرا لاننى أكتب الشعر الحديث ، وقد حول شعرى الى (( لجنة النثر )) فى المجلس الاعلى لرعاية الفنون والآداب ، حين تقدمت بمجموعة من قصائد لنشرها )) .
أما جيل الشباب من الأدباء فقد تعرفت عليهم فى (( مقهى ريش )) حيث كنا تلتقى بنجيب محفوظ وفى (( أتيلية القاهرة )) وفى مكتب مجلة (( الطليعة )) وفى الجامعات . كان اسم صلاح ، لامعا فى تلك السنوات ، وكان المثقفون العرب حين يزورون القاهرة يسألون دائما عن صلاح عبد الصبور ، وحتى الاجانب ، فقد حدث أن زار القاهرة الشاعر السوفيتى (( ايفتوشنكو )) فرافقه صلاح وعرفه بى وقد ألقى ايفتوشنكو أشعاره بالروسية على أحد مسارح القاهرة 916 44
فأدهش الجميع بطريقة القائه المسرحية واستضافه التلفزيون المصرى وكان صلاح أحد الذين ناقشوه فى الشعر .
وقد بلغ الصراع أشده بين أنصار الشعر الحر وبين أنصار الشعر العمودى التقليدى فى عامى 1965 و 1966 ، انتهى بانتصار الشعر الحر فى مصر و كان اسم عبد الصبور هو الاسم الاكثر ورودا فى تلك المعارك الادبية .
كان جيل الخمسينات فى الشعر المصرى قد تأثر أيضا بالمعارك السياسية ، و بثورة 23 يوليو وقد ظهر هذا فى مستوى التعبير الشعرى : عبد الرحمان الشرقاوى - صلاح جاهين - كمال عبد الحليم - عبد المعطى حجازى وصلاح عبد الصبور ، ظهر ذلك فى ديوانه الناس فى بلادى ، وقد كان ذلك مؤشرا الى اختلافهم عن جيل ابوللو ، فى حين نرى تمايزا واضحا من رؤية جيل عبد الصبور وجيل الستينات . محمد عفيفى مطر وامل دنقل ومهران السيد وكمال عمار وبدر توفيق ، وان كان أمل دنقل هو الاكثر ارتباطا بالسياسة من الجيل الثانى لحركة الشعر الحر فى مصر ، فى حين يمكننى القول : ان محمد عفيفى مطر هو الاكثر شاعرية . أعنى روح الشعر .
وفى حين ارتبط عبد المعطى حجازى بالمعارك السياسية العربية فى شعره نجد صلاح عبد الصبور اتجه بعد (( الناس فى بلادى )) الى الفلسفة وهجر السياسة ولكنه لم يترك فكرة العدالة والحرية . لقد اشتهر صلاح فى الخمسينات بقصيدته (( شنق زهران )) وهى قصيدة ثورية وليست قصيدة سياسية .
فى عام 1966 أجريت حوارا صحفيا طويلا مع صلاح عبد الصبور ، نشرته مجلة (( الافق الجديد )) التى كانت تصدر فى القدس وكنت مدير مكتبها فى القاهرة . وفى عام 1966 أيضا كتبت دراسة طويلة فى نفس المجلة عن مسرحية (( مأساة الحلاج )) . وقمت بنشر الكثير من قصائده فى هذه المجلة بعضها كان ينشر قبل نشرها فى مصر وبعضها لم ينشر فى مصر . وأذكر أن صلاح اقترح علي أن أجمع المقابلات والحوارات التى أجريتها مع كثيرين منهم . البياتى والفيتورى وحجازى وأحمد رامى ونجيب محفوظ . . الخ , لنشرها فى كتاب وفعلت ذلك وسلمت المخطوط لصلاح ، لكن المخطوط اختفى عندما رحل صلاح من بيته الى بيت آخر ولكنه عاد وأكد لى أن المخطوط موجود ولكنه يحتاج الى بحث بين ركام اوراقه الخاصة . ولعله ما زال حتى الآن .
كان صلاح يهتم بالشعراء الشباب وخصوصا أمل دنقل ، الشاعر الشاب القادم من الاسكندرية الى القاهرة . كذلك اهتم بآخرين : كمال عمار وبدر 45 917
توفيق وحسن توفيق ومهران السيد ونصار عبد الله ومحمد ابراهيم أبو سنه . . الخ ، وكان لا يترك فرصة فى الصحافة او الاذاعة والتلفزة او الندوات الا وتحدث عنهم بحب ودون استعلاء . بل كان يتحدث عنهم كزملاء له .
وكان يعلق على القصائد التى تلقى فى أمسيات الجمعية بلباقة وثقافة عميقة وأهم من ذلك بحساسية نقدية متميزة ، ولعل اللباقة هى احدى صفات صلاح الشخصية . وكان دائما يبحث عن الايجابيات فى النصوص الشعراء فقد قرأت مثلا قصيدتى (( زرقاء اليمامة )) فى الجمعية الادبية المصرية عام 1966 فهلل لها صلاح وامتدح قدرتى على التقاط ما أسماه صلاح (( عصارة الاسطورة )) وقد ظل هذا المصطلح (( عصارة الاسطورة )) يعجبنى كثيرا فقد كنت حانقا على النقاد الذين يحبون الاستشهاد بالشعر الذى يستخدم الاسطورة . دون ان يقولوا كيف ؟ وكان صلاح معجبا بتوجيهى أنا وأمل دنقل الى استخدام رموز التراث العربى . وفى عام 1968 كتب أمل دنقل قصيدته (( البقاء بين يدى زرقاء اليمامة )) فأعلن صلاح بنفسه ولادة شاعر جديد وهام فى الحركة الشعرية المصرية اسمه (( أمل دنقل )) وقد كان دنقل يكتب الشعر منذ أوائل الستينات ولكنه ظل مجهولا . وحين أشار بعض النقاد فى الصحافة المصرية وفى مجلة (( الاداب )) البيروتية إلى أن أمل دنقل تأثر بقصيدة المناصرة (( زرقاء اليمامة )) المكتوبة قبله بعامين , كان صلاح لبقا كعادته ووقف موقف الحياد ومع هذا فقد الح على شخصيا بضرورة الرد على هؤلاء ، (( لان الرمز ملك عام )) . وفعلا وانطلاقت من احترامى لصلاح وحبى لامل دنقل ، قمت بالرد بنفسى وقد نشر هذا الرد فى مجلة الآداب عام 1968 .
ومهما قيل فان الفضل الاول لولادة امل دنقل ولادة قوية يعود لصلاح عبد الصبور وهذا لا يتناقض مع موهبة أمل الشعرية . ومرة قال لأمل : ان الصورة فى قصيدتك الفلانية مأخوذة من اليوت ، قالها بلباقة ودون تجريح وجاءه بالنص الحرفى لمقطع ت . س . اليوت المترجم للعربية فالمرحوم دنقل لم يكن يعرف الانجليزية .
وقد كثرت ترجمة اليوت فى تلك السنوات ، ولا أبالغ إذا قلت : أننى حفظت (( الأرض الخراب )) و (( أربعاء الرماد )) و (( الرباعيات الاربع )) غيبا فى مجملها بلغتها الانجليزية ، وكان الفضل فى ذلك لصلاح عبد الصبور فقد نصحنى بقرائته بلغته الاصلية . ولم يغضب صلاح حين اشرت لتاثره الواضح 918 46
باليوت وأن بعض هذا التأثر حرفى . وكنت قد قرأت مقدمة بدر الديب لديوان صلاح الاول (( الناس فى بلادى )) فقد أشار بدر الديب الى ذلك فى قول صلاح .
جارتى ، لست أميرا لا ، ولست الضاحك الممراح فى قصر الامير
أو فى قول صلاح : (( اننى خاو ومملوء بقش وغبار )) . حيث أن التأثر واضح بقصائد اليوت : (( أغنية العاشق الفرد بروفروك )) و (( الرجال الجوف )) كذلك قول صلاح فى قصيدته (( الظل والصليب )) :
أنا رجعت من بحار الفكر دون فكر
قابلنى الفكر ولكنى رجعت دون فكر
وهذه القصيدة لصلاح متأثرة بقصيدة اليوت (( أربعاء الرماد )) . كان لويس عوض وصلاح عبد الصبور هما أول من روج للظاهرة الاليوتية .
مثلما روح أدونيس لسان جون بيرس والبياتى لناظم حكمت ومعين بسيسو لمايا كوفسكى ويوسف الخال لروبرت فروست وإزرا باوند وبدر شاكر لشيلى وجون كيتس ونزار قبانى لجاك بريفير والبياتي أيضا لبابلو نيرودا وغارسيا لوركا .
وقد كان هذا التأثر وهذا الترويج يستخدم أحيانا من باب الربط بين اسماء الرواد وبين اسماء شعراء عالميين ، فى حين استخدمه النقاد استخداما سلبيا للقول بالتأثر بهؤلاء الشعراء . كان صلاح يقول لى عن هذا التأثر (( الشعر مشاع عام وكذلك التأثير والتأثر )) وكنت أشعر انه يباهى بذلك وقد كنت مقتنعا بهذا الرأى ليس تحت تأثير صلاح بل تحت تأثير حبى للادب المقارن الذى تعلمته فى الستينات على يدى المرحوم الدكتور محمد غنيمى هلال فى كلية دار العلوم بجامعة القاهرة .
ولكن الشعراء العرب بعد صلاح ، أصبحوا يستخدمون اسم اليوت وعناوين قصائده وبعض أبياته أو يقلدون بناء القصيدة الاليوتية بمبرر ودون مبرر لدى الشعراء متوسطى الموهبة ( للتأكد من ذلك يمكن مراجعة مقال ماهر شفيعه فريد : أثر اليوت فى الادب العربى الحديث - مجلة فصول المصرية - يوليو 1981 ) .

