طلب مني الكثيرون من الاخوان وفي مقدمة هؤلاء الاستاذ المربى الشيخ عمر عبد الجبار ان اكتب عما اعرفه عن عالم علماء الحرمين ومحدث من المحدثين المجاورين بمكة المكرمة وهو الشيخ مظهر حسين الهندى الذى قضى ما يقرب من نصف قرن من حياته في خدمة الحديث الشريف بمكة المكرمة عاملا به ومعلما ومدرسا وناشرا بين كل من يرغب فيه وفي تلقيه دون أى مقابل أو أجر وفي اى وقت شاء من الصباح الباكر الى ان يؤذن للظهر ، فى مسكنه ومقر اقامته بمحلة الشامية ومن بعد العشاء ليلا الى الساعة الثالثة تقريبا .
ينتمى المرحوم الى سلالة الانصار فقد سافر اجداده من المدينة المنورة مع الفاتحين ايام الفتوحات الاسلامية الى الهند واقاموا هناك فى قرية ) بهادون ( من اعمال مدينة ) أعظم كره ( - الواقعة على خط ٢٦ عرضا و ٨٤ طولا شرقا بالهند - . ووالده الشيخ عنايت على الانصاري .
وتلقي المرحوم القراءة والكتابة والقرآن فى قريته ثم درس العربية والفارسية مع لغة البلاد " الاردو " على مشايخ مدينة اعظم كره .
وفي اثناء دراسته للغة العربية ولع بدراسة الحديث الشريف فأراد أن يسافر الى البلدان التى كانت تعد في تلك العهود مركزا لدراسة علم الحديث لوجود المحدثين والعلماء الاجلاء فيها من القارة الهندية . فاستأذن والده الشيخ عنايت على الانصاري فلم يسمح له بالابتعاد عنه لتعلقه الشديد به وحبه اياه ، فما كان من الابن البار الا ان استسلم لرغبة والده وبقي بجواره مستفيدا بأوقات فراغه فى مطالعة الكتب العربية والفارسية وقراءة القرآن وحفظ المتون حتى كتب الله لابيه الانتقال إلى الدار الآخرة . وتلقى الابن صدمة وفاة الأب بكل صبر ورضاء لقضاء الله وقدره . . وبعد ان هدأت وطأة الحزن والالم لفراق ابيه فكر ثانية فى شد الرحل للتخصص في علم الحديث فودع أهله واقاربه وأملاكه وعقاراته ولم يكن امامه لتنفيذ رغبته غير اتجاهين : اما ان يتجه الى امارة حيدر اباد او الى امارة بهوبال وكلتاهما كانتا فى تلك الايام مراكز للعلوم العربية وكانت الاخيرة اى امارة بهوبال اشتهرت بكونها مهدا للعلوم الشرعية وخاصة علم الحديث وذلك لوجود علماء أجلاء فيها كالشيخ الفاضل المحدث حسين ابن محسن اليمني الانصارى والمشهور عند القوم ) بالشيخ حسين عرب ( والشيخ الجليل المحدث محمد احمد والشيخ الوقور المحدث سلامة الله الجيرا جبورى وعلى رأس هؤلاء الأفاضل المحدثين العالم الجليل وشيخ المحدثين فى وقته الشيخ صديق خان . .
ولذلك وقع اختيار المرحوم الشيخ مطهر حسين على التوجه الى امارة بهوبال فتوجه اليها واتخذ مدينة بهوبال مقرا لاقامته
والتفرغ لعلم الحديث ولازم هؤلاء العلماء الكرام في حلقات دروسهم مع الاتصال التام بالشيخ الجليل السيد صديق حسن خان مدة طويلة تمكن فيها من دراسة الصحاح الستة من كتب الحديث واصوله ونال من مشايخه الاجازة اجازة التدريس فيها .
وفي مبدأ القرن الرابع عشر اي سنة ١٣٠١ ه عزم المرحوم على الهجرة إلى الحرمين الشريفين مهد اجداده وقد سهل الله له امرها فوصل مكة وادى فريضة الحج ثم توجه إلى المدينة المنورة وزار المسجد النبوى وسلم على الرسول الكريم صلوات الله عليه وسلامه . . ثم عاد إلى مكة وسكن بمحلة الشامية باحدى الابنية التابعة لامارة بهوبال . . وسرعان ما اشتهر لدى طلبة العلم ) علم الحديث ( من المجاورين بمكة فهرعوا الى مسكنه لتلقي علم الحديث عليه وتحولت حجرته التى كان يقيم بها إلى مدرسة لعلم الحديث . وبلغ الخبر باقامة المرحوم بمكة الى اميرة ايالة ) بهوبال ( الاميرة ) شاهجان بيكم ( فاصدرت مرسوما بتعيينه مشرفا على الاربطة التابعة لها فى مكة . . لقد اختار المرحوم الاقامة بمكة متوكلا على الله جل شأنه ، ومن يتوكل على الله فهو حسبه . . وقد كان هذا الاشراف وما قررت له الاميرة مقابل قيامه بذلك من الراتب رزقا ساقه الله اليه نتيجة توكله عليه . فقد ارتاح واطمأن من ناحية المعيشة وتفرغ لخدمة علم الحديث وتدريسه مجانا ولوجه الله لم يأخذ قط مقابل تدريسه من غنى أو فقير شيئا . . بل وكان كثيرا ما يساعد الفقراء من الطلبة بالطعام والدراهم على قدر استطاعته . . كما لم يكن يرد سائلا يأتيه أو يتعرض له فى الطريق فيقدم له الموجود واذا لم يجد معه شيئا
وتأكد من حاجة المسائل كتب له ورقة صغيرة الى بعض التجار الذين يعرفونه بما يفك ضائقته وفي آخر الشهر عندما يتقاضى راتبه يحاسب هؤلاء التجار
واستمر على هذا المنوال فى حياته حتى توفيت الاميرة شاهجان ببكم وتولت الامارة ابنتها الاميرة سلطان جهان وزارت الحرمين الشريفين سنة ١٣٢١ ه واصدرت امرها بتعيينه مديرا عاما لاوقافها بمكة المكرمة مع زيادة الراتب تكريما له ولمنزلته العلمية .
ولم يغير هذا التطور الذى طرأ على حياته بزيادة الرتبة والراتب شيئا من حياته بل ظل على نهجه السابق وبقيت غرفته الصغيرة مدرسة للحديث الشريف ، يشرق فيها نور احاديث الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل شروق الشمس ويستمر سير الطلاب اليه تباعا واحدا بعد الآخر الى ما بعد الظهر فهذا يدرس في صحيح البخارى وذاك في صحيح مسلم وآخر فى مشكاة المصابيح وغيره فى بلوغ المرام والبعض فى شرح الترمذى او فى مصطلح الحديث
وكثيرا ما تأخر في تناول ) فطوره ( الى ما قبل الظهر لمواصلة الدروس وتتابع الطلاب . . ولا يقدم الطالب الغني على الفقير وكل من جاء اولا بدأ معه وترك من يأتي بعده ينتظر دوره . . ولا يقول لاى طالب قف هنا او اكتف اليوم بهذا القدر بل يتركه يقرأ وهو يشرح حتى يقف الطالب بنفسه ، ويستأذنه في الانصراف . اما وقت ما بعد الظهر الى العشاء فكان يتفرغ فيه للعبادة والصلاة والحروج الى الحرم من قبل المغرب ويظل في الحرم الى صلاة العشاء وفي
هذه الفترة لم يكن يخلو من مراجعة الطلبة .
وبعد عودته من صلاة العشاء الى محله كان هناك بعض الطلبة لا يجدون وقتا فى النهار لاشتغالهم بالتجارة او عمل ما فكانوا يأتون اليه بعد صلاة العشاء ويستمر معهم الى ما قبل الثالثة ليلا .
وبالرغم من انه كان مشهورا بين الخاص والعام بعقيدته السلفية أو بتعبير ذلك العهد ) بالوهابية ( منذ عهد الاتراك والإشراف فلم يتعرض له اخذ من المسوؤلين بسوء وكان الطلبة الذين يتلقون عليه علم الحديث من مختلف المشارف والميول ولكن أحدا منهم لم يختلف قط معه فى الرأى أو فى الشرح . .
أما مركزه بالنسبة الى الاقلية السلفية الموجودة بين المجاورين بمكة فى عهد الاتراك والإشراف فكان كشيخ لهم يراجعونه فى شؤونهم الخاصة والعامة ولا يخرجون عن رأيه اذا اشار عليهم بمشورة أو رأى
ومن ناحية عمله كمدير للاوقاف التابعه لامارة بهو بالفكر قط فى استغلال شئ من تلك الاوقاف لمصلحة نفسه أو احد اقاربه مكتفيا بالراتب الذي كان يتقاضاه مقابل قيامه بهذه الادارة مقتنعا به بل وكان يساعد عشرات الناس من هذا الراتب . ولم يفكر منذ أن قرر الاقامة بمكة فى املان وعقاراته التى تركها فى الهند لاهله وذويه
كانت ) البساطة ( والتقوى والزهد شعاره في كل مرفق من مرافق حياته فى مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه ومعاملته مع الناس ، لا يبخل بماله ولا بجاهه ولا بمركزه . فاذا رفع احد المجاورين طلبا إلى
اميرة بهوبال فى مساعدة او تقرير راتب شهرى كتب له مع عريضته مذكرة توصية وشفاعة وكان لشفاعته وتوصيته الاثر الطيب لدى الاميرة ورجال ديوانها ووزرائها .
وبعد هذه الحياة العامرة بخدمة علم الحديث الشريف وأنواع من البر والخير والعبادة توفى رحمه الله سنة ١٣٤٨ بمكة المكرمة ودفن بمقبرة المعلا وخلف ثلاثة أولاد اكبرهم : الشيخ عبد الله مظهر وقد قام بوظيفة ابيه في ادارة اوقاف بهوبال برهة من الزمن ثم تعين اماما بالحرم الشريف واختير عضوا في هيئة عين زبيدة ايام رئاسة المرحوم الشيخ عبد الله الدهلوى والمرحوم الشيخ اسحق القارئ
والابن الثاني للشيخ عبد الرحمن مظهر : درس الحديث على أبيه ودرس اللغة العربية على مشائخ وعلماء بالحرم الشريف وعهد اليه المرحوم الملك عبد العزيز بادارة دار الكسوة كسوة الكعبة المشرفة ، واشتغل في وزارة الخارجية مترجما ثم انعم عليه المرحوم . الملك عبد العزيز برئاسة مطوفى الهند والباكستان . . ويقوم حاليا بالاشراف على إدارة الكسوة الشريفة
والابن الثالث المرحوم محمد مظهر : توظف بعد تخرجه من المعهد العلمي المسعودي بمكة ومن ندوة العلماء بالهند سكرتيرا أولا بوزارة الخارجية وبقى فى عمله حتى وافاه الاجل ١٣٧٠ ه
وقد ذكر المرحوم المؤرخ عبد الستار الدهلوى فى كتابه ) ازهار البستان في طبقات الاعيان ( المخطوط والموجود فى
مكتبة الحرم ذكر نبذة قصيرة عن الشيخ مظهر حسين ضمن علماء الطبقة الرابعة عشر فقال :
المولوى مظهر حسين اليونال : الاستاذ المحدث والامام الاثرى والمعمر المسند المفسر الاخبارى وكانت ولادته بالهند فى النصف الثانى من القرن الثالث عشر لعله قبل السبعين وقرأ القرآن وجوده على اساندة بلده ثم قرأ المكتبة الحديثية على علماء وقته ولا سيما الكتب الستة فانه قرأها بتمامه حسب عوائد اهل الهند وأجازه افاضل عصره منهم الاستاد احمد الشهير الشيخ حسين الانصارى اليماني المجاور ببلدة بوفال .
وجاء الى مكة المشرفة وتوظف عن طريق ملكة بوفال بوكالة مصاريف الحرمين الشريفين مدة طويلة الى قرب وفاته . وتوفى بمكة المكرمة فى ليلة الجمعة الموافق لاربعة مضت من رجب سنة ١٢٤٨ وحضرت حنازته ودقن بالمعلة يوم الجمعة بعد الصلاة عليه بالمسجد الحرام رحمه الله آمين وخلف ابناء نجباء حفظهم الله
وقد تخرج عليه عدد كبير من اهل الهند والمجاورين في مكة في مقدمتهم محدث الشام الشيخ أبو ذر رحمه الله وآل الدهلوى المقيمون في مكة جميعا والمزحوم حمد الخطيب والشيخ عبد العزيز الشرقي ) جد الشيخ على الهندى ( والشيخ عبد الله خياط ، وكاتب السطور واخوانه . . وآل الحلوانى في الشامية بمكة رحمهم الله ، وابناء المرحوم . . رحمه الله رحمة الابرار .
