الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

ذكريات عن علاقة عيسى الناعوري بتونس واهلها

Share

تشهد الساحة الادبية تساقط العديد من الادباء الاعلام ، ويكون لرحيلهم وقع شديد يعقبه بحث وتعليق واستقصاء للعلاقات الانسانية التى كونها الاديب ودونها فى رصيده الفكرى على صعيد العالم الذى ينتسب اليه ، ومن الوجوه العربية اللامعة في دنيا الفكر المرحوم الدكتور الصديق ( عيسى الناعورى ( الذي كانت نهايته الحياتية في تونس - أتاها عاشقا ، محبا لها ولأهلها - ليساهم في ثلاثنية الفكر ، وكان قد نشر له فيها بحث عن أبي القاسم الشابي - نوفمبر 1984 . هذا الرجل يأتي لتونس - وقد سبقه مقال طريف نشر بحريدة " الدستور " الاردنية 885/4 ونقلته " الفكر " 1985/6 - للمرة الرابعة يوم 85/10/2 وعلى العادة يهتف لى لنلتقي ونحتفل معا ب " الفكر " وكان يود زيارة مدينتى قليبية بعد أداء الواجب الادبى نحو الفكر " وصاحبها رجل الفكر صديقه الاستاذ محمد مزالي ونحو تونس بصفة أعم . ويوم المهرجان أهرع لحضور المجلس الادبي ، ملتهفا للقاء لنجدد العهد ونتطارح القضايا الفكرية التى كانت تعج بها الرسائل بيننا على مدى عشرين سنة ، لكن القدر كان سباقا فاختطفته الموت حيث ينزل فى نزل ) المشتل ( بعد أن غاب عن تونس نصف سنة وكانت نهايته فيها .

لقد نقل لى الاخ الص الصديق محمد مصمولى - ونحن جميعا فى مركز الفن الحي بالبلفدار - الخبر المفجع ثم انتشر الخبر عن طريق الاستاذ محمد الطالبي وبصفة أشمل عن طريق الاستاذ محمد مزالي صاحب المجلس الادبي

هذا الرجل ارتبط بصداقات عدة وآخر لقاء ادبي في تونس كان له معه عن طريق مجلة " الحياة الثقافية " 36-1985/37 .

تعرف على الاستاذ المرحوم عثمان الكعاك بالجريد سنة 1966 وتألم لما اعلمته بوفاته فكتب عنه مقالا بجريدة الدستور " الاردنية

* نشر انتاجه الادبي بالفكر وبالبذرة وباللغات وبالاذاعة

تعرف على المرحوم محمد الحليوى وهو الذى قدمه لجمهور القيروان سنة 1966

* تعرف على الاستاذ محمود المسعدى هنا وفي الاردن حيث زاره وزوجته فى بيته وأكرمهما

* درس شعر جعفر ماجد ونور الدين صمود ولى منه من رسائله تعاليق على شعرهما .

اقترحت عليه بأن يعد كتابا عن علاقته بتونس وبأدبائها ، وفعلا استجاب وجعل عنوانه ) تونس وليبيا عام 1966 ( ولكن بسبب الظروف غير العنوان وصار ) تونس ما بين عام 66 و 1985 ( ضم فيه كل ما كتبه عن تونس والشابي والادب التونسى والحركة الفكرية فى تونس وعن مزالي والبشير بن سلامه والمسعدى والسد

صلته بالاستاذ البشير بن سلامه رئيس تحرير مجلة " الفكر " أولا وورير الثقافة ثانيا تسمو الى أعلى مراتب الفكر والود الدائم عن طريق الاهداءات الادبية بينهما .

هذا الرجل تمتلئ رسائله بعديد القضايا الادبية العربية والانسانية ولعل الفرصه تسنح فأجمعها وأرتب منها بعض القضايا التى تهم الاديب الاطلاع عليها ثم انشرها فى كتاب يكون مدخلا لتخليل فكره وعطائه الادبي وهو الذى تأهل لكى يكون عضوا مراسلا لمجمع اللغة العربية فى الهند وأمينا عاما لمجمع اللغة العربية الاردني ويحصل على شهائد جامعية فخرية ويرتبط بصداقات عالية مع نخبة من رجال الفكر والاستشراق وبعديد الجامعات على مستوى العالمين العربى والأوربى وتكمن أهمية الرجل الادبية فى جملة ما تركه من بصمات على الساحة الادبية ، وأن مجموع آثاره المشهورة ابتداء من 1951 بين القصه والشعر والدراسة والنقد والرواية والتراجم والسير وادب الاطفال والترجمة من اللغات الاجنبية الى العربية والعكس ثم عدة بحوث بالايطالية والانقليزية ) جملة كتبه المطبوعة 57 كتابا ( - اربعة كتب فى الانتظار هى فى المطابع الآن بين تونس والقاهرة والاردن

الى جانب هذا الاطار الفكرى المتنوع شارك في ثمانية عشر مؤتمرا وندوة دوليه ومهرجانا حسب مساحة زمنية تمتد من سنة 1956 الى 1085 بتونس ،

وقد مكنته هذه القفزة الادبية الى انتزاع القاب علمية عليا والحصول على أوسمة من عدة منتديات سياسية وجامعات علمية تنويها بالكفاءة وتكريما له بما قدمه للفكر الانسانى من انتاج زاخر ، ميز الرجل عن جيله وأهلته مجموع آثاره لان يرتبط بصداقات ويدعي لعديد الجامعات ليساهم فى اثراء النقاش .

لقد تعلقت صلته بالادب التونسى من خلال تعرفه فى الساحة الفكرية على أبي القاسم كرو سنة 1951 حين كان طالبا بدار المعلمين العالية فى بغداد وقد جاء لزيارة الاردن . ثم مطالعته لما انتجه من كتب ، جانب منها يتعلق بزعيم الادب التونسي الحديث أبى القاسم الشابى ثم التقى بالاستاذ محمد مزالى لاول مرة فى مؤتمر الادباء العرب بالكويت سنة 1958 ثم ثانية فى المؤتمر الدولى للادب العربى المعاصر فى روما سنة 1961 والذي نظمته مجلة تمبو ومعهد الشرق الايطالى والمنظمة العالمية لحرية الثقافة فى باريس تم ترشيحه للاساتذة محمد مزالى ومحمود المسعدى وأبى القاسم كرو لعضوية مجمع اللغة العربية الاردنى ، وقد تشرفت بنقل هذا الترشيح للاستاذ مزالى وهو في موقع المسؤولية السياسية فى رئاسة الوزارة التونسية واضطلاعه بقيادة الفكر عطاء وتخطيطا وانتاجا ، ثم كانت له مراسلات مع الاساتذة محمد النيفر صاحب مجلة " الندوة " والاستاذ الشاذلى زوكار رئيس رابطة القلم الجديد والسفير السابق بالاردن وحاليا فى صنعاء باليمن وأحمد بلخوجة صاحب مجلة اللغات ثم كاتب هذه السطور حيث تشرفت بلقائه وأجريت معه حديثين نشر الاول ب " الفكر " مارس 1967 وب " بلادى " جانفى 1978 وتواصلت الرسائل بيننا تثرى والتواصل الفكرى يتدعم حتى لكأنه يعيش بيننا في خطاب الابداع والخلق بيته يعج الآن بعديد المطبوعات التونسية من كتب ومجلات ومنشورات تونسية هى حصيلة التحول الفكرى فى تونس اليوم تشهد توثيق الرابطة بيني وبينه وهو الاديب المعروف بعمق تحاليله حيث واكب تطور الحركة القلمية قبل وبعد الاستقلال وتمكن من الاطلاع على عدد كبير من الانتاج الذي أبدعه المفكرون التونسيون فى شتى ميادين المعرفة ، وكتب العديد من الدراسات النقدية المعمقة بالمجلات الشرقية وآخرها دراسة عن الحركة الادبية فى تونس نشرتها مجلة " الأديب " اللبنانية فيفري 1967 عدا بعض الانطباعات الاخرى بالصحف الاردنية التى تولت نقل آرائه ومعالجته المتنوعة لمختلف أوجه الانتاج الادبي في تونس مما أدى بوزارة الثقافة الى دعوته مرة أولى لالقاء سلسلة من المحاضرات بالمدن التونسية الكبرى وأتاحت له الفرصة لعقد جلسات فكرية متنوعة سواء فى منزل الشاعر العراقي هلال ناجي القائم بأعمال العراق فى تونس أو فى منزل الشاعر الكوبتي فاضل خلف الملحق الصحفى بسفارة الكويت فى تونس وكانت مناسبة للتبادل الفكرى بينه وبين مجموعة متنوعة من الشعراء النقاد والقصاصين في تونس هم الآن يمثلون الطليعة الادبية فى الساحة الفكرية فى تونس . وقد حضرت جانبا من هذه اللقاءات الهامة وعرفت معدن الرجل

الادبى واطلاعه على مختلف التيارات الفكرية ومدى صلته بالادب التونسي الحديث وخاصة مجلة " الفكر " وما تحمله من دراسات - كل شهر - وتأملات ثرية ونضال صاحبها فى سبيل ارساء أدب تونسي له سماته المتكاملة وينابيعه وأصوله ورجاله ، ثم جاء للمرة الثالثة 85/2 في نطاق النشاط الثقافى الذي تعده وزارة الثقافة فى نطاق الاهتمام بالادب التونسى والاردني اعتذر عن الحضور في مهرجان الشابى بسبب ظروفه الصحية والسياسية أيضا وأثناء وجوده بتونس فى المرة الاولى والثانية أوحت له هذه الاقامة الطيبة بقصائد ضمنها ديوانه الاخير ( أناشيد أخرى) ( صدر بعمان 1983 ) وما يزال صوته يرن فى أذني في سنة 1966 عندما حضر أعياد النصر في تونس وألقى قصيدا بقصر قرطاج أمام المجاهد الاكبر وبحضور الشاعرين الطاهر زمخشرى وحسن عبد الله القرشي ، فكانت بمثابة تحية المشرق الى أهل المغرب ، ونال وسام الجمهورية اعترافا باسهامه فى التعريف بسيرة الادب التونسى الحديث :

صفحات التاريخ أروع ما تزهو إذا خطها دم الشهداء

فى كفاح وتضحيات عوال فى سبيل الامجاد والعليا

ان للعز والتحرر دربا هو درب الفدى وبذل الدما

يا تونس البلد الأبي

بلغت بالبذل المنى

وقهرت بالعمل التخلف بعد قهرك للعدى

ومشيت ناهضة إلى العلياء ثابتة الخطى

والحبيب الذي لأجلك ضحى واستساغ العذاب والحرمانا

قاد منك الخطى الى النصر في جزم وفي حكمة وما قط لانا

كنت فى عينيه الضياء سخيا كنت فى عمق قلبه الايمان

بنزرت تشهد كيف ارخصت النفوس ولم تبال

وحياتك الشماء والهضب المخصبة العوالى

وسهولك الفيحاء والواحات وارفة الظلال

ذلك أن الشعر عنده هو احساس يعبر عنه الشاعر باللهجة السريعة المباشرة ، فكرة تملأ نفسه فيخرجها للناس ببساطة ودون تعقيد ، وهو ينظر الى القصيد من زاوية التعبير الجميل بهمسة قصيرة مباشرة عن فكرة أو حس أو صورة . ومثل هذا التعبير تكفيه الابيات القليلة الشاعرة ، المصرة ، ان الصورة الجميلة والاحساس الجميل انما يقتلهما الكلام الكثير ويقتلهما اكثر

الكلام الملقلق الذي لا يسين معناه ( من مقدمة الديوان ص 5 ) وفى المناسبة التى أتاحتها له وزارة الشؤون الثقافية بأن زار بلادنا ووقف على قبر ( الشابي ) صحبة المرحوم عثمان الكعاك ، فاستوحى من خياله ما طمح اليه سابقا في الافصاح عما بخلده وهو فى الاردن . أو فى كتاباته النقدية فى المجلات والصحف الشرقية وحتى التونسية ، واذا القصيد هو لوحة تختلج فيها عوامل الصدق والوفاء والاكبار للارض التى انجبت أبا القاسم ولأهلها الأوفياء الصادقين فى عواطفهم اتجاه من أحبهم بصدق :

انا فى توزر ومن قبل كنت حلما توزر ومنبه خاطر

هيجتها فى النفس اصداء لحن نقلته الاطيار عن حس شاعر

عن أبي القاسم الذى سكب الالحان من حسه الرقيق الفاتر

انا فى توزر ونفسي ملأى بعبير من غابها الحلو عاطر

وبروحى يرف روح حبيب ساحر اللحن عبقرى الخواطر

يا ابا القاسم العظيم سلاما أنت من هذه الفراديس طائر

أنت طير في حنة السحر هذى لم يمتع بمثل جنحيك ناظر

ويتجدد اللقاء بتونس وأهلها مجددا - عن طريق وزارة الثقافة - فيفرى 85 وتونس قفزت في ساحة الفكر ، من تلمس الطريق الى الابداع الحق ، الى النهضة التى دعا اليها فى مقاله بمجلة " الاديب " لان تكون تهضة فكرية مغربية السمات والالوان ، تبعث نشاطا جديدا فى دم الفكر العربى

ويأتي للمرة الرابعة ولكن تفتقده الساحة الادبية من تونس ومن نشاط مجمع اللغة العربية الاردني ومن الصحافة الشرقية ومجلات الخليج ( اخر لقاء آدبى صدر معه لمجلة " الفيصل " 1985/11 ) ومجمع اللغة العربية بالهند ، تفتقده مجلة " الفكر " وكان من المؤمل أن يشارك فى المجلس الفكرى مع الاستاذ محمد مزالى وصحبة الاساتذة : جاك بيرك وعامر غديره وأحمد خالد وعبد العزيز قاسم وأبى يعرب المرزوقى ومحمد الطالبى لكن المنية كانت أسبق من اللقاء . ونشر بحثه فى العمل 85/10/7 وانقل مشاعر الوفاء لروح هذا الصديق ولعائلته ثم للاستاذ الاخ عبد الكريم خليفة رئيس مجمع اللغة العربية الاردني فالعزاء من أصدقائه ، وتحيه من الاعماق لرجل أحب تونس وأعطاها ما قدر عليه من كلمة صادقة وانتاج متكامل ، وحضور مستمر في ساحتها . وبموته فقدت تونس وفقد فيه اصدقاؤه من رجال الفكر والأدب وطلاب المعرفة . ورجال الاستشراق ، علامة مضيئة من علامات الابداع والخلق

اشترك في نشرتنا البريدية