" من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا "
( سورة الاحزاب الآية 22 )
هذه الآية الكريمة ترد على خاطري كلما أذكر اخوانا فى الكفاح انتقلوا الى رحمة الله وهم كثيرون وقائمتهم طويلة لا تتقلص بتقدم الزمن بل تمتد . . . ومن بين هؤلاء الذين ينبغى ان نوفيهم حقهم فى الذكر والتخليد رجل ( * ) امتاز بالنقاء الفكرى وعمق الايمان واشتعال الحماس وكثافة العمل . كان من اقرب الاخوان الى وابلغهم تأثيرا فى حياتى النضالية . انه على بلهوان . . . كان لي رائدا وزعيما ورفيق محنة وزميل غربة قبل أن يجمعنا الاستقلال فى الحزب والمجلس البلدى والمجلس التأسيسى حيث تعاونا فى صدق واخلاص على تحمل ادق المسؤوليات .
كان يكبرنى سنا وهو من مواليد سنة 1909 فكنت أعتبره الاخ الاكبر استشيره وأستنير برأيه واشكو اليه مصاعبى واستند الى عونه .
ترافقنا على محبة الوطن العزيز وخدمته وفرق بيننا الاضطهاد وظروف الحياة القاسية ثم الموت وكفى بالموت مفرقا .
كنا لا نخشى المناقشة والمصارحة فى الرأى نقرع الحجة بالحجة وهو القوى فى تفكيره الثابت على اجتهاده يلقب فى عناده " بالثور " عند صديقيه الاقربين المنجى سليم وصلاح الدين بوشوشة .
ولكننا كنا ننتهى بحوارنا دائما ومهما كان الحوار شديدا الى وفاق . وذلك هو الحوار البناء المقام على المصارحة والاخلاص .
اني اشعر هنا وكاني أتيه في مهامه لا يعرف ابعادها الا ذوو علم وخبرة .
وليس البلهوان لغزا ولكن معرفتى به وثيقة لما كان بيننا من صلات متينة .
فى الذكرى الاولى لوفاة على البلهوان نشرت لى جريدة الصباح يوم الذكرى ( 9 ماي 1959 ) تصريحا تحدثت فيه بايجاز عن الراحل الكبير وكانت الشعب الدستورية نظمت ليلة الذكرى سهرات استخلصت فيها العبرة من حياة البلهوان وكفاحه باعتباره احد دعائم الحزب .
وكتب " يقظان " فى ركن " صباح الخير " مقالا باسلوبه الموجز البليغ تعرض فيه لمراحل حياة البلهوان وقال فى خاتمته .
" انى لا أريد أن أحصى فى هذه الكلمة ما يمكن للشباب ان يستصفية من زاد عندما يستعرض حياة الفقيد بمناسبة ذكراه . وانما اود ان الفت انظار الشباب الى ما يمكن أن يسديه الاخلاص والتفانى الى الوطن من خدمات اذا استقرا فى قلب رجل "
وقد مرت اليوم عشرون سنة على وفاة البلهوان حيث تحيى الدائرة الحزبية بباب سويقة ودار الثقافة بباب العسل ذكرى الفقيد العظيم فتعبر بذلك عن التقدير لرجل خدم الوطن باخلاص وصدق وانى لسعيد بالمشاركة فى احياء هذه الذكرى استجابة للدعوة التى ابلغنى اياها السيد وحيد الخضراوى - وهو يستحق على نشاطه الشكر والثناء - تلك الدعوة التى استجبت اليها وأنا أعتقد ان احياء هذه الذكرى ينم عن تقدير لمناضل أصيل كما ينم عن رغبة الشباب التونسى فى معرفة تاريخ الحركة القومية بتفاصيلها والدور الذى قام به كل من ساهم فيها لتقييم الحوادث والرجال تقييما صحيحا .
وانه لمن واجبنا نحن الذين حضرنا منذ البداية انبعاث حركة الدستور الجديد وساهمنا بما ساهمنا فى الحركة القومية واختلطنا عن قرب برجالها ان نؤدى ما استطعنا شهادتنا بأمانة فنحاول ان نقول الحق ولا نطالب ايا كان
ان يأخذ كلامنا على علاته دون نقد او تحليل فاننا عندما نتحدث ونتكلم انما نتأثر بعامل الزمن الذي انسانا جوانب من الحقيقة كما نتأثر بعوامل نفسية وشخصية قد تؤثر على تقييمنا للرجال واعمالهم .
وذو الرأى من فحص الاقوال وقارن بينها واعاد المعلومات الى أصولها ثم استخلص النتيجة على بينة .
والمهم على كل حال هو ان يتصف الباحث او الشاهد بحسن النية وسلامة الضمير والرغبة العميقة فى خدمة الحقيقة خدمة للمجتمع . كنت فى أوائل شهر ماى من سنة 1958 بالمانيا الفدرالية فى مهمة تتعلق بتجهيز البلاد التونسية بشبكة من خطوط الهاتف لتعويض الاجهزة العتيقة المعطبة التى ورثناها عن الإدارة الاستعمارية . وفي الاسبوع الذى سبق تلك الزيارة فقدت والدى رحمه الله . فكنت اذن فى حالة عاطفية رهيبة . وفي هذه الظروف بلغني نعى البلهوان اثر عودته من مؤتمر طنجة .
هرولت الى تونس ولم استطع حضور الجنازة واكتفيت بحضور مأتم الفرق .
ان حضور موكب الجنازة أو الفرق واجب اجتماعى يقوم به الفرد .
ولكن حزنى على البلهوان كان يتجاوز المظاهر الاجتماعية بل انه يتجاوز حتى الدموع والعبر .
لقد هوى هرم وسقط نجم وتهدم ركن ركين لبنائنا القوى . قال المجاهد الاكبر فى الخطاب الذى أبن به الفقيد :
" ان هذه الجموع الغفيرة من رفاقك في الكفاح واخوانك فى الجهاد الذين جاؤوا معى ليشيعوك ويستودعوك رحمة الله لا يبكون فيك الرجل الفذ فقط ولا الزعيم المخلص والبطل المستميت فقط بل يشعرون بان ركنا من اقدم و اثبت الإركان التى قامت عليها الحركة القومية التونسية قد ذهب الآن وترك فراغا يعسر ان يسده غيرك بمثل حماسك وشجاعتك وقد أفنت روحك المتاججة كالشعلة من النار قواك الجسدية فكنت بذلك من بين الذين ضحوا بحياتهم واستشهدوا في سبيل القضية المقدسة .
حقا ان ركنا من اركان الحركة القومية قد فقد فارتج البناء وشعرنا جميعا بالفراغ الذي احدثه موت البلهوان مهما كانت نظرتنا للرجل ، فى حياته .
كان يجده بعضنا شديدا وبعضنا ثرثارا وبعضنا غامضا ولكنا كنا مجمعين على أنه رجل اخلاص وايمان فلما توفى شعرنا بفداحة المصاب .
اني عرفت البلهوان لاول مرة فى نادى الحزب الدستورى الجديد بنهج فليس
كان يرتدي جبة بيضاء وطربوشا احمر ولعل ذلك كان في صائفة سنة 1935 .
فى ذلك اليوم ألقى خطابا يتقد حماسا في المطالبة بالافراج عن اعضاء الديوان السياسي المبعدين الى الجنوب التونسي منذ 3 سبتمبر 1934 .
وبداية من شهر اكتوبر 1935 التحق بسلك الاساتذة بالمدرسة الصادقية لتعليم اللغة والآداب العربية لتلامذة القسمين السادس والخامس ( الاول والثاني حاليا ) بينما كنت فى القسم الثاني ( الخامس حاليا ) .
وفي المدرسة الصادقية اخذت الصلة تتدعم بيننا فقد كنت اساهم فى نشاط الشبيبة المدرسية وجمعية الشبان المسلمين . واني اذكر انا كنا كثيرا ما نرافق معا السيد محمد عطية ( الاستاذ ثم نائب مدير المدرسة الصادقية اذذاك ) فى طريقه الى بيته بضاحية فرانس فيل فنتحدث عن المدرسة وعن نشاط الشباب ولم يكن الاستاذ البلهوان حينذاك الا أستاذا جديدا بدأ يلمع نجمه فى المدرسة الصادقية .
وبعد قليل اخذ يلقى المحاضرات بالشبيبة المدرسية بنادى قدماء الصادقية وبجمعية الشبان المسلمين . حتى انه استصحبنا الى بعض الرحلات الى الساحل وصفاقس .
وأخذت علاقتنا تتسع وتزداد وثوقا منذ مظاهرة 23 فيفري حيث اعتقلت مع الاخوين محجوب بن ميلاد وخميس الشامخ بمركز الشرطة لمدة يومين ، واضرب تلامذة المدرسة للمطالبة باطلاق سبيلنا .
ومنذ ذلك التاريخ اخذ السيد محمد عطية يدعونى مع الاستاذ البلهوان باعتبار تأثيرنا على التلامذة ويحاول تهدئتنا .
وأخذت أتقابل مع الاستاذ البلهوان خارج المدرسة وتعددت مقابلاتنا واتسع نطاقها ورغم فارق السن اذ يكبرنى البلهوان بثمانى سنوات فقد كنت كثيرا ما اترافق معه ومع المرحوم صلاح الدين بوشوشة الذى كان من اعز اصدقائنا وزملائنا فى الكفاح .
واذكر دائما حيرة البلهوان ايام الآحاد عندما ننزل شارع جول فيرى (الحبيب بورقيبة حاليا ) وهو يلبس بدلة سوداء وطربوشا أحمر فلا يجد مكانا بالسينما الذى كان يريد دخوله او لا يعجبه الشريط المعروض فنقضي حصة نتمشى فى الشارع تحت الاشجار ثم نجلس بمقهى الكابتول . لك صحبتنا لم تكن في الحقيقة صحبة سينما ولهو فقد كنا نتحدث عن تنظيم حركة الشباب وعن الايمان بالوطن وشمال افريقيا وبمقاومة الاستعمار .
وكنا فى سنة 1937 كثيرا ما نجلس مع المرحوم المنجى سليم فى مقهى الجزائر بباب سويقة . ولا انسى ولن انسى مقهى الجزائر مهما تراكمت السنون ومهما تكاثفت ستائر النسيان فقد اقترنت لقاءات مقهى الجزائر فى ذاكرتى بألم ضرس عنيد لم اعرف مثله قط ولم ينته الا بقلع الضرس .
وكانت تلك اللقاءات مفتوحة لمن يجلس معنا وحديثا فيها مفتوحا نتناول شؤون الشباب والشقاق الذي كان مستفحلا وشمال افريقيا ونشاط زعماء الديوان السياسي الذين عادوا من المنفى منذ مدة وجيزة ، وسياسة الواجهة الشعبية وانعكاساتها فى تونس .
وبعد تلك اللقاءات او الى جانبها تقدمنا خطوة فى توثيق عرى التعاون بيننا بعد ان اقتنعنا بانه لا فائدة من الحديث دون العمل المنظم .
كنا منذ ذلك الوقت ننتمي للحزب الحر الدستورى التونسى انتماء للفكرة ، اكثر من انتماء للمنظمة . فبعضنا كانت له مثلى بطاقة انخراط والبعض الاخر لم تكن له بطاقة انخراط اتفقنا بعد التشاور على ان نكون هيئة من ستة أفراد وكان الاتفاق على الستة بعد تشاور طويل . وهؤلاء الستة هم :
المرحومون : المنجى سليم - على البلهوان - صلاح الدين بوشوشة - خميس الشامخ . ثم الباهى الادغم والرشيد ادريس .
كنا نجتمع تارة فى مقهى الكابتول وتارة فى مقهى الكوليزى .
وكنا نتناقش في اجتماعاتنا في مصير بلادنا وضرورة الكفاح ضد الاستعمار وطريقة ربط كفاح تونس بكفاح الجزائر والمغرب الاقصى او كيف نحقق وحدة شمال افريقيا وكيف نعمل على تقوية الايمان بالوطنية فى الشباب .
واهم قرار اتخذناه هو العمل فى نطاق الحزب الدستورى الجديد لتـدعيم نشاطه فى سبيل التضامن مع الحركات الوطنية فى شمال افريقيا وتقوية حركات الشباب ودفعها الى الكفاح مع الديوان السياسى ضد الاستعمار .
وكانت تلك الفترة فترة خلاف حاد بين الحزب القديم والحزب الجديد وفي اثنائيها عاد المرحوم الشيخ عبد العزيز الثعالبي الى الوطن (8 جويلية 1937 ) وبعد الامل الذي لم يتحقق في التحام الجماعتين وانصهارهما فى حركه واحدة او واجهة واحدة الامر الذي عمل له البلهوان بحزم فقد كان على الشباب ان يختار وسرعان ما اتضح لنا السبيل عندما تبين لنا ان الشيخ كان يريد الزعامة الواحدة . والهيمنة من عل . وكانت العبارات التى استعملها وهى مستوحاة من عقلية شرقية قديمة . ليست العقلية التونسية كقوله وهو يتحدث عن الشعب " نفخت فيه من روحي " واعلانه انه سيفوه ، بكلمته الحاسمة " بعد شهر ، كانت تلك العبارات التى تنم عن طريقة عمل وعن عقلية قد جعلتنا نفضل زعامة الديوان السياسي الجماعية التى ترفض الطاعة العمياء وتقبل الحوار مع الشباب . وتمتاز بالحركية العصرية وقد كانت تلك الاجتماعات التى عقدناها فى الكابتول والكوليزى ذات فضل فى توضيح موقفنا ودفعنا الى العمل فى صفوف الحزب الجديد .
واندفع الاستاذ البلهوان والجماعة فى العمل السياسي وكنت مع المرحوم خميس الشامخ اصغر الجماعة نعمل فى منظمات الشباب ونساهم بما استطعنا حضورا ودعاية فى الحزب .
وانتخب مؤتمر الحزب المنعقد في 1 و 2 نوفمبر 1937 الاستاذين المنجى سليم وعلى البلهوان وكذلك الاستاذ الهادى نويرة الذي قدم اذذاك مؤخرا من فرنسا اعضاء فى المجلس الملى للحزب .
وقرر هذا المؤتمر اضراب 20 نوفمبر 1937 تضامنا مع الحركات الاستقلالية المغربية ونجح هذا الاضراب فى الاقطار المغربية الثلاثة الى حد بعيد .
كان اتصالى بالاستاذ البلهوان فى هذه المدة وثيقا وهي مدة امتازت بتوسيع اتصالنا مع ممثلى حزب الشعب الجزائرى وقد انشأ هذا الحزب مصالى الحاج فى الجزائر سنة1936 وكان كاتبه العام المرحوم مفدى زكرياء الشاعر الشهير بتردد على تونس مع اعضاء آخرين من هذا الحزب اجتمعت بهم فى بيت المنجى سليم بزنقة الحرب . واذكر اننا نظمنا مع هؤلاء الاخوان الجزائريين اجتماعا كبيرا بقاعة سينما مارينى كان الاستاذ البلهوان من أهم الخطباء فيه . .
وقد اشتهر البلهوان بين سنة 36- و 1938 بمحاضراته وفي احدى هذه المحاضرات الشهيرة وصف مشائخ الجامع الاعظم الذين كان يأخذ عليهم جمودهم بانهم جديرون بان يحفظوا فى المتاحف ولعله عمم القول بدافع الحماس فكثير ممن تخرجوا من جامع الزيتوتة ساهموا فى الكفاح الوطني ولكن النزعة التى كانت تغلب على كثير من المدرسين كانت نزعة انزواء وحذر
وكان لمحاضرات البلهوان ودعوته الثورية تأثير عميق على الشباب حتى ان السلطات الفرنسية امتعضت من نشاطه واخذت تحاول عرقلته
ففي شهر مارس من سنة 1938 حيث بلغت الازمة السياسية بين سلطات الحماية والحزب الجديد اوجها منعت الشرطة المحاضرة التى تقرر ان يلقيها الاستاذ البلهوان بقاعة سينما " فارتي " يوم العاشر من ذلك الشهر وعنوانها " نصيب الشبيبة من الكفاح" .
فرفعنا التحدى بالاجتماع فى دار الحزب بنهج التريبونال حيث القى الاستاذ البلهوان محاضرته فى 18 مارس اثر اجتماع المجلس الملى المنعقد فى 14 و 15 مارس وهو الذي قرر انتهاج سياسة المقاومة .
واخذت الحوادث تتطور بسرعة اذ فصل الاستاذ البلهوان عن التدريس فى 23 مارس واضرب التلامذة عن الدروس اثر ذلك .
وكنت الى جانب مشاركتى فى النشاط العام نشاط الاستاذ البلهوان ونشاط الحزب مشغولا فى تلك الايام ببعث جريدة " تونس الفتاة " مع زملائى : خميس الشامخ يوسف بن عاشور سليم بن غازى عبد العزيز عاشور والبشير المهبولى .
وصدر العدد الاول من هذه الجريدة التى اردناها ان تكون " لسان حال شباب شمال افريقيا " يوم غرة افريل 1938 يحمل مقالا فى الصدارة بعنوان
" إلى الاستاذ البلهوان " حررته وأمضيته بامضاء " من أبناء الشوارع " اشارة إلى الوصف الذى وصف به الشيخ الثعالبي الدستوريين الجدد .
وهذا نص المقال التاريخي الذي صدر فى غرة أفريل 1938
الى الاستاذ على البلهوان
"يا زعيم الشباب ورمز الفتوة . انك منذ رجوعك الى هذه البلاد وشروعك فى كفاحك قد بعثت فينا روحا وثابة وايمانا بانفسنا صادقا .
تصديت الى مقاومة الجمود فحيرت الجامدين وارسلت فيهم صرخة ايمانك القوي فاصبحوا كانهم استفاقوا من منام يهتفون باسمك ويرددون تعاليمك . سعى الوشاة فى تحطيمك ولكن الايمان لا يحطم . وأرادوا ان يبعدوك عن شبابك ويصدوك عن تثقيفة وتوجيهه فى طريق الحياة ولكن الشباب الذى اصبح شاعرا برسالته الوطنية المقدسة ابى الرضى بما دبره المغرضون من وراء ستار وتصدت اليك الحكومة وفصلتك عن التدريس بمعهد الامة لانها وجدت منك شخصية جبارة لا تستكين ولا تلين فترك الشبان ذلك المعهد ليحتجوا على هذا الصنيع الجائر الذي يهدد فى مستقبله كل شخص حي له أراؤه الحرة ومعتقداته الصادقة وبرهنوا فى مظهرهم ذلك على انهم غير راضين عما نالك من اضطهاد لاجل فكرة هم انصارها وحماتها فما كان من أمر الحكومة الا ان اوصدت ابواب ذلك المعهد غاضبة على ابنائك البررة واخوانك المخلصين .
وما كان من أمر أعدائك وهم أعداء الشباب والامة الا التحريش وايغار الصدور وما كان من امر انصارك الا ربط أواصر التضامن الفعلي المتين فهلا بلغك نبأ ما وقع في الاجتماع الذى عقده الشباب لاعلان استيائه . تعانق شاب زيتوني ومدرسي معانقة أخوة ، معانقة رمزية خالدة كان لها وقع واى وقع على أنفسنا . فهنيئا لك يا استاذ !
ان موقف الحكومة دليل على ان الشباب قد وصل الى درجة من الاستعداد للكفاح بحيث اصبح يخشى أمره ، وان موقف اعدائك قد فضح أمره .
وان موقف أنصارك ان هو الا شرف لهم وفخار لقد ضحيت بنفسك فى سبيل الشباب والامة فها هو الشباب يضحى بنفسه من اجل فكرتك . فلتؤمن
أكثر من ذي قبل إذا كان فى الايمان درجات بان شباب شمال افريقيا جدير بان يضحى الفرد فى سبيله ويساعده على تنظيم حركته وتكوين قوة من نفسه تتكسر أمامها القوى .
سر بنا يا بلهوان تجد منا أبطالا فى الكفاح " .
الامضاء : من أبناء الشوارع
وتوالت الحوادث فى تلك الايام سريعة ومسرعة . فكانت ايام افريل ، ايام المظاهرات الشعبية العارمة ايام المطالبة بالحكومة الوطنية وبالبرلمان التونسى . وفى يوم السبت 9 أفريل دعا قاضى التحقيق الاستاذ البلهوان وتجمهر الشباب أمام المحكمة الفرنسية وحدث الاصطدام المحتوم بين السلطات الاستعمارية والمتظاهرين . فكان يوم 9 أفريل اليوم الخالد فى تاريخ حركتنا الوطنية .
وهل يذكر ذلك اليوم الرهيب وايام أفريل المجيدة دون ان يذكر البلهوان . . . ووطنيته وحماسه وايمانه وتضحيته التى لا تعرف الوقوف عند حد .
وعشنا فى هلع يوم 10 أفريل بعد اعتقال كافة اعضاء الديوان السياسي وفى مقدمتهم المجاهد الاكبر الاستاذ الحبيب بورقيبة اذ انتشر الخبر انهم سيعدمون رميا بالرصاص دون تحقيق او محاكمة . ثم هدأت العاصفة وطال التحقيق وطال الاعتقال ونقل الجماعة من سجن الى سجن حتى اودعوا برج سان نيكولا بالقرب من مرسيليا ثم سجن فنسيا بالقرب من ليون .
واعتقلت انا بدورى مع المشبوهين بين ماى وآخر أوت . وانقطعت الصلة المباشرة مع البلهوان ثم اعدناها لما كنت بالسجن المدنى وكان البلهوان ببرج سان نيكولا . وضاعت في هذه الفترة المراسلة .
على انى كنت عاطفيا متعلقا بالاستاذ البلهوان وكنت اساهم منذ ايام الحوادث التى سبقت 9 أفريل وبعدها فى تغذية حركة التضامن مع البلهوان داخل المدرسة الصادقية التى غادرتها فى جوان من سنة 1937 وخارجها .
واني اذكر ان مجموعة من التلامذة حاولوا سنة 1939 او سنة 1940 جمع تبرعات لفائدة الاستاذ المعتقل بتحريض مني لكن اكتشفت محاولتهم وكانو عرضة للتحقيق وشارك في التحقيق الاستاذ جلولي فارس الذي كان يشغل منصب قيم عام بالمدرسة وقد حفظت القضية فى آخر الامر .
فرق الاضطهاد بيننا ولكنا بقينا أوفياء لفكرتنا مخلصين لقضية بلادنا حتى جاءت الحرب وخرجت من السجن بعد الاعتقال والمحاكمة وكنت فى انتظار البلهوان وزملائه لما وصلوا مطار منزل تميم فى أواخر مارس من سنة 1943 قبل عودة المحاهد الاكبر بأيام قليلة فأعدنا الاتصال ، وكانت الظروف جد صعبة وكنت مضطرا الى الهجرة بعد شهرين فقط وبعد ان حللت مع الاستاذ البلهوان الظروف التى كانت تدفعني الى الهجرة تحليلا مدققا واخبرته بانى سأسعى فى الالتحاق بدولة محايدة فى أول فرصة وبقى هو فى تونس وواصل نشاطه بها ولم اجتمع به من جديد الا في شهر سبتمبر من سنة 1951 حيث وصل القاهرة مع زوجته الاولى فى اليوم السادس عشر من سبتمبر وكان حلوله داخلا فى نطاق الخطة التى اعدت لدخول المعركة التحريرية الاخيرة .
ففي الفترة بين مغادرتى تونس 3 ماي 1943 بعد المرحوم الدكتور ثامر بيوم او يومين وحلوله بالقاهرة 16 سبتمبر 1951 اى مدة ثمانية سنوات لم نتبادل الرسائل .
فى هذه المدة عكف الاستاذ البلهوان على النشاط الحزبي وعلى الكتابة . فكان يحرر افتتاحية الحرية " صراحة " ويحرر مقالات فى جريدة الصباح .
والى جانب هذا التحرير السياسي كتب عدة مقالات فى المباحث عن فلسفة القوة عند نيتش والمعرفة عند الغزالي وألف كتابه عن المعرفة عند الغزالي ورسالته " نحن أمة " . وعانى من مرض الكليتين ما دعاه الى اجراء عملية جراحية استئصلت فيها احدى كليتيه .
وتزوج لاول مرة وحاول ان يجد السعادة والهناء ولكن الاستعمار لا يترك للوطنيين الاحرار راحة ولا هناء . فكان لا بد من مواصلة الكفاح . وقد منع من القاء محاضرة بصفاقس وتعلقت به قضية جديدة .
وكان من الافضل ان يعزز الكفاح الخارجي بدلا من دخول السجن وهو الذي قاسى ويلاته سنوات طويلة . وكانت حركتنا في الخارج التى لعبت دورا مهما فى تهيئة الكفاح الاخير ومتابعته ، فى حاجة الى تعزيز .
فكم كان سرورنا عظيما عندما حل الاستاذ البلهوان بالقاهرة وما كاد يعمل معنا فى نطاق مكتب الحزب الحر الدستورى التونسي ولجنة تحرير
المغرب العربي حتى استطاع بفضل فصاحته وحسن معاشرته من ربط صلات متينة بالمسؤولين فى مصر وفي الجامعة العربية . تمكن اثر وصوله عند اجتماع اللجنة السياسية للجامعة العربية فى 3 أكتوبر 1951 من اثارة قضية تونس أمام اجتماع وزراء خارجية الاقطار العربية والحصول على تأييدهم والتزامهم بمتابعة تطورات القضية التى ما زالت فى تلك الاثناء تتعثر فى المفاوضات بين حكومة السيد محمد شنيق والحكومة الفرنسية ولم تقطع تلك المفاوضات الا بعد مذكرة 15ديسمبر 1051 وكان مما لا ريب فيه حينذاك عندنا ان المفاوضات الجارية مآلها الفشل ومن الحكمة الاستعداد ليوم غد وتهيئة الاجواء السياسية اللازمة لاثارة القضية فى الامم المتحدة . وفعلا تطورت الحوادث في الاتجاه الذي كنا نتوقعه وكانت القاهرة فى تلك الفترة ملتقى رجال الحكومات العربية وممرا لرجال السياسة الاسيويين وملجأ للزعماء المغاربة . وانتهز البلهوان كل فرصة لتعزيز الصلات بهؤلاء وأولئك والدعوة للقضية الوطنية .
ولما قامت الحركة الثورية فى تونس اثر 18 جانفى 1952 تضاعف نشاطنا فلم نترك فرصة لم نجتمع فيها بمسؤول او زعيم .
واني اذكر فى جملة ما اذكر لقاءاتنا مع عبد الرحمان عزام باشا الامين العام لجامعة الدول العربية وفي بعض الاجتماعات الاولى بعزام باشا بقى الاستاذ البلهوان معه بضعة ساعات نظرا لان عزام كان مترددا فى تدويل القضية نظرا لعدم تأكده من موقف الحكومة التونسية من الموافقة على اخراج القضية من النطاق التونسي - الفرنسى الى النطاق الدولى .
كما اجتمعنا بالدكتور مصدق أمين رئيس وزراء ايران الاسبق عند عودته من الامم المتحدة بعد ان دافع عن قضية بلاده بمجلس الامم وبالسيد ظفر الله خان وبالدكتور فاضل الجمالى الذى ستتوطد العلاقة بينه وبين الاستاذ البلهوان بصبورة متينة عندما يقيم البلهوان فى العراق .
وفي تلك الفترة كان الاستاذ علال الفاسى والسيد مصالى الحاج بالقاهرة . فكان يتشاور معهما ويحاول ان يوحد الواجهة المغربية ولكن ظروف الجزائر لم تكن ظروف تونس او المغرب الاقصى .
وكان مصالى الحاج بعد تجربته السابقة مترددا فى الثورة خصوصا وهو لم يجد كل التأييد المادى والأدبي من الجامعة والحكومات العربية .
كان البلهوان على عادته ناشطا متحمسا مندفعا فى اتصالاته ومحاولاته .
واذا كان في صلاته العامة ونشاطه السياسي الرجل الذى عرفته من قبل فقد لاحظت عليه فى تلك المدة نزعة الى الفتور وشيئا من الحيرة حتى انى كنت اخشى فى بعض الاحيان ان يؤثر ذلك على نشاطه العام .
ولم ادرك الا فيما بعد الازمة العاطفية التى كان يمر بها وهو كتوم لكل ما يتعلق بشخصه صبور على الضيم .
يتألم ويقاوم آلامه بقوة جأشه ، ولم تتواصل اقامتنا فى القاهرة معا الا سنة واحدة .
ثم غادرت القاهرة الى اندونيسيا وفقا لخطتنا المرسومة ( فى اكتوبر 1952 ) وارتحل الاستاذ البلهوان الى دمشق واجتمع برجالاتها ثم الى بغداد حيث استقر اشهرا وألقى سلسلة من المحاضرات بدار المعلمين العليا الى جانب دعوته للقضية التونسية بالخطابة فى الاندية والكتابة فى الصحف ، وكان دائم الاتصال بالدكتور فاضل الجمالى وزير خارجية العراق وبقي متصلا حتى بعد مغادرته بغداد في منتصف جوان 1953 وعودته الى القاهرة .
وفي الرابع من اكتوبر 1953 ، غادر القاهرة الى بغداد للاجتماع بالدكتور فاضل الجمالى الذى عين رئيسا للحكومة العراقية وباعضاء الحكومة الذين يعرف جلهم . وتحصل من الدكتور فاضل الجمالى على وعد بمقاطعة فرنسا اقتصاديا وبالعمل على جمع مؤتمر عربي آسيوى لتأييد قضية تونس وقضايا المغرب العربى .
إن فكرة عقد مؤتمر يشمل الدول العربية والآسيوية كانت فى تلك الايام ومنذ محاولة عرض قضية تونس على الامم المتحدة محور نشاط فى العواصم الآسيوية والعربية وكنت مع الاخ الطيب سليم من اكبر دعاة هذه الفكرة فى العواصم الأسيوية وفيما بعد نجحت الفكرة وانتظم مؤتمر باندونج التاريخي سنة 1955 فقد كنا نرى ان تكتل الدول الافريقية والآسيوية او العربية الآسيوية يكون أحسن طريقة لمواجهة التكتل الاستعمارى الذى حال دون نجاح قضيتنا فى المنظمة الدولية .
وكان في عزم الاستاذ البلهوان ان يقوم بجولة في الاقطار الآسيوية لتدعيم جهودنا ولكنه لم يستطع تنفيذ هذه الفكرة وبقى فى القاهرة حيث عكف على تأليف كتابه " تونس الثائرة " وهو كتاب ضخم يتضمن معلومات غريزة عن
الكفاح الوطني التونسى والقضية التونسية . كما بذل نشاطا محمودا مع الجامعة العربية وممثلى الحركات الاستقلالية المغربية لاعادة بناء لجنة تحرير المغرب العربي برئاسة الامير عبد الكريم على قاعدة التضامن والاحترام المتبادل بين الحركات التى تم الاتفاق بينها على صيغة العمل المشترك فى شهر افريل من سنة 1954 . . وكان يلقى بعض البيانات فى الاذاعة المصرية أهمها بيانه بمناسبة ذكرى الحماية فى 12 ماى 1954 .
كنت حينذاك في كراتشي بعد ان تركت جاكرتا عاصمة اندونيسيا وطوال هذه المدة كان الاتصال بيني وبين البلهوان متواصلا بالمراسلة وكانت الحوادث فى تونس تسير سيرا حثيثا فبعد ان فشلت سياسة المقيم فوازار ونشطت حركة المقاومة وحل منداس فرانس بقرطاج فى 31 جويلية 1954 يعرض الحكم الذاتى على البلاد كان على الاستاذ البلهوان ان يتخذ قرارا بالعودة الى تونس فسافر الى جنيف حيث اجتمع بالمرحوم المنجى سليم (اكتوبر 1954 ) وقيم مع الوضع السياسي ثم عاد الى القاهرة وبقي بضعة أشهر ثم حزم امتعته وارتحل الى تونس حيث وصل فى أوائل فيفري 1955 .
واتخذت من جهتى قرارا فى شهر نوفمبر 1954 اذ قررت مغادرة كراتشي الى القاهرة فى انتظار العودة الى تونس .
وكان وضعى دقيقا اذ كنت من المحكوم عليهم بالاعدام فكان لا بد من التهيئة للعودة وقد اقتنعت بأن التاريخ قد حول وجهته وان كانت امامنا صعوبات تتطلب الحزم فقد كان النصر يتراءى لنا فى الافق .
كتب الى الاخ المرحوم من تونس فى 25 فيفرى يقول بالخصوص :
" وصلت تونس منذ يومين واخذت فى الاتصال حالا بالحزب وبالمنظمات القومية والصحافة فوجدت نشاطا هائلا وحيوية متدفقة وجهودا تبذل فى كل ميدان لادخال انظمة محكمة بالمملكة التونسية تشبه جبح نحل فى عمل لا ينى . . .
ثم يقول : أما رجوعي الى تونس فسببه انى رأيت ان عملى يكون اجدى واثمر وانفع داخل البلاد ووجودى بين اخوانى المكافحين والمجاهدين ادخل على نفسى ضربا من الارتياح وعلى ضميرى نوعا من الطمأنينة التى كانت مفقودة تقريبا عندما كنت اعمل فى الخارج "
أن الغربة محنة والصبر عليها محنة وقد عشنا فى الخارج أياما صعبة واجهنا فيها واجب الكفاح وصروف الدهر بألوانها المادية والعاطفية .
وكتبت الى البلهوان من القاهرة فى 1955/2/25 رسالة اجابني عنها برسالته المؤرخة فى 25 مارس الموالى يطمئننى فيها بأن تخوفاتى من اهمال العناية يتوطيد الصلة بالامم الصديقة لا محل لها وان الشعب متأثر لما تلقاه قضيته من عطب ولا ينظر الى ابنائه المكافحين فى سبيله فى الخارج نظرة " المهاجرين المساكين " وهذه العبارة اعيدت الى من رسالتى .
وفي هذه الرسالة يصف نشاط الحزب وتنظيم صفوفه وتدعيمها بالقوى الحيـة .
وقد ساهم البلهوان منذ عودته من الشرق العربى فى فيفرى من سنة 1955 الى يوم وفاته فى 9 ماي 1958 مساهمة عزيزة فى نشاط الحزب وتدعيم بنيانه كان رحمه الله دستوريا مؤمنا بنجاعة التنظيم الحزبي مخلصا للقاعدة اخلاصه للقيادة . كان قطعة واحدة لا يعرف الخداع ولا المراوغة . يقدر التضحية ويمقت الانتهازية . فكان صديقا لكل شاب مندفع ولكل دستورى صميم . ولا سيما ابناء الشعب من عمال وفلاحين ممن يناضلون للعيش نضالهم للوطن . وهم فرحون .
عندما نزلت مع زوجتى وكنت مهددا بالاعتقال فى مطار العوينة مساء 22 أوت من سنة 1955 . وقد عاد المجاهد الأكبر يوم النصر يوم غرة جوان المجيد . وتواصلت المفاوضات بين الحكومة التونسية والحكومة الفرنسية واخترت مناصرة التجربة الجديدة مع اليقظة والحذر وجدنا الاستاذ البلهوان فى انتظارنا مع الاخوان الطيب المهيرى ومحمد بدرة والدكتور الصادق المقدم .
فواجهنا معا محنة اليوسفية وذات يوم من ايام المحنة كنا مع الاستاذ مصطفى الفيلالى نتحدث بالحزب بنهج رومة اذ دخل علينا السيد الصادق الورداني يحذرنا فقد وضعت قنبلة يدوية فى مدخل النادى .
انها أيام محنة وفتنة . . مضت وانقضت والعاقل من يعتبر بما مضى حتى لا تتكرر المآسى .
وذات يوم تضاعفت المقاومة اليوسفية لحركتنا وتعذر على الاستاذ البلهوان ان يحضر اجتماع شعبة أريانة فحضرته نيابة عنه . وتعرضت لصخب الصاخبين ونالتني منهم " بصقة " لن انساها ابدا . ذلك انى عدت بعد بام قليلة يوم 20 مارس أبشر الشعب فى أريانة بالاستقلال الذي أعلن وأدعوهم للاحتفال .
وكان إعلان الاستقلال بداية تجسيم السيادة واستلام السلطة .
وكنت ارافق البلهوان في مختلف انحاء البلاد لنتسلم مراكز الامن والجندرمة وكانت فرصة ليلقى البلهوان ابلغ خطاباته فى تأبين الاستعمار .
وزارنا الدكتور فاضل الجمالى الذى كان حينذاك عضوا بالبرلمان العراقي ورئيس الوفد العراقي بالامم المتحدة ( جويلية 1956 ) . ورافقته مع البلهوان فى زيارة منطقة عين دراهم والساحل والقيروان واهدى اليه أهل عين دراهم عصا نقش عليها اسم البلهوان . قال لى الدكتور فاضل الجمالى اخيرا انه مـا زال يحتفظ بها في بيته ببغداد .
ثم جاءت الابتخابات البلدية فى ماى من سنة 1957 وكان رئيس القائمة ثم رئيس البلدية . وكنت نائبه الاول ورئيس لجنة الاشغال .
وفي منتصف شهر جويلية سنة 1957 رافقته مع الوفد البرلماني في زيارة سوريا والعراق . ثم عدنا لمواجهة اعمال المجلس التأسيسى وكان مقرره العام .
وودعته فى مطار العوينة وهو مسافر الى طنجة . لحضور مؤتمر المغرب العربى الذى عقد بها ثم سافرت الى المانيا الفدرالية فى مهمة . ونزلت وفاته علينا كالصاعقة . وقد حسبنا انه وجد سعادته واستقراره بعد ان تزوج من جديد في المدة الاخيرة .
وصدمنا فى اعماق شعورنا . . .
ماذا اقول عنه وقد عرفته منذ الصغر ورافقته وتاثرت به وانزعجت لوفاته .
لقد كان رجل فكر واخلاق ولعله كان مثل الكثيرين من ابناء جيلنا او اكثر منا بقليل رجل احلام انه كان يرجو ان تنعكس فى المجتمع التونسي كل ما
انتقى من اراء مثالية درسها فى دروس الفلسفة والآداب . وحلم بها وهو شاب ولكنه كان يرى الواقع يتطور بالبلاد وأهلها يشاد ما يشاد ويشوه ما يشوه ويقام ما يقام ويهدم ما يهدم ، وما أيسر الهدم واصعب البناء .
لقد كان البلهوان فى آخر أيام حياته وهو رئيس البلدية . والمسؤول على مصير معالمها أمام مشكلة ترمز الى التحول الذي كان حاصلا فى تونس تلك هى مشكلة هدم معالم قائمة وشوارع كاملة فى حين ان حركة البناء بطيئة وباهضة .
وليت البلهوان عاش معنا ليرى كيف تطورت البلاد وعم العمران وانا كلما تقدمنا واكتشفنا سرعة التطور واتجاهه وضرورة المحافظة على الآثار وعلى القيم الاخلاقية العالية نتذكر البلهوان . . . على انى اعتقد ان الشؤون البلدية الصرفة لم تكن هم البلهوان الاول . وهو المربى الثائر المصلح الذى كان يريد ان يسهم فى بناء المغرب العربى الكبير . لقد ساهم فى اعلان الجمهورية وحمل الى الباى محمد الامين كلمة الشعب مساء 25 جويلية . . .
انه كان شعلة . . . ولما عاد من طنجة ، وكان فى التاسعة والاربعين من عمره . . . لفظ النفس الاخير . . . ولم تنطفئ الشعلة !
فما زال نفسه كاللهب نشعر بحرارته اذا اقتربنا منه فى كتاباته وفى اعماله وفيما يرمز اليه من قيم أخلاقية عالية .
وعسى ان تستمر صورة البلهوان واضحة فى العقول وان تبقى حياته عبرة لن يعتبر ومصدرا من مصادر التجديد لرسالة البناء والتشييد فى شعبنا الحي !

