أدبيات
هذه رسالة بقيت مطوية ونائمة بملفات مجلة المنهل ربع قرن وعاما واحدا . والآن آن استيقاظها ونشرها بعد النوم الطويل .. لما حوته من أسلوب أدبى ماتع من أدب الرسائل الاخوانية .. وهى مرسلة من الصديق الاستاذ الكبير محمد سعيد العامودى ، وكان بمكة ، الى رئيس التحرير وكان بالقاهرة اذ ذاك ، ولاول مرة ..
حضرة الاخ الكريم الاستاذ عبد القدوس الانصارى المحترم سلاما واحتراما ، تلقيت كتابكم العزيز تاريخ ٢٤ -٦ -١٣٦٤وسررت لدوام صحتكم . وقد كان كتابا ممتعا حقا لما فيه من صدق الأحاسيس واسترجاع الذكريات .
والوقوف بين ذكريات الطائف وذكريات المدينة موقف الفاحص المحلل والناقد البصير . انها الروح الادبية لا تنفك تساور الاديب فى كل الاحوال فهو فى آماله أديب . وفى آلامه أديب ، وفى ذكرياته أديب ... وهو فى رحلاته أديب وفى حياته العملية على اختلاف أجوائها أديب ممعن فى الادب . وان ظن انه واقعى ممعن فى الواقعية .. أو انه أديب سابق ... أحال نفسه باختياره على الاستيداع - فى لغة الكادر .. وحرر نفسه من لوثة الادب ومثالية الأدباء !
الأديب أديب يا اخى ، أديب بالاكراه .. وها نحن بالرغم من كل شئ ، بالرغم من طغيان المادة ، وبالرغم من اخفاق الادب امام فلسفة العيش ، وفلسفة المال وفلسفة النفوذ : بالرغم من كل ذلك لا نزال نرى هؤلاء الملاحيس الذين يسميهم الناس أدباء ، متهافتين على ما يسمونه الكتب .. يحسون فى قرارة نفوسهم الجامحة انهم وهم فى أبراجهم العاجية يقرأون ويتأملون ويفلسفون كأنما هم متسلطون على قوى العيش والمال والنفوذ . وهم اذا سلطنا عليهم أشعة الواقعية ليسوا فى العير ولا فى النفير . بل هم أصفار على الشمال . ولكنهم مع هذا يتوهمون انهم قادة وانهم عظماء لأن خيالهم هكذا أراد !
وعلى ذكر الكتب فقد طغت الكتب المصرية فى هذه الايام طغيانا لم يسبق له مثيل ولعل ابرز هذه الكتب هى السلاسل الشهرية فقد تنوعت وكثرت ولم نعد أمام سلسلة ((اقرأ)) و ((اعلام الاسلام)) وحدهما بل هنا السلسلة الفلسفية وسلسلة الفكر الحديث وسلسلة الجيل الجديد و . . و . . الى آخر ما هنالك من الأسماء والمسميات .
والحق انه ليس بالغريب ان تخطو الحركة الفكرية فى مصر بكل هذه السرعة .
ان بلدا سكانه (٢٠) مليونا ويوجد فيه أربع أو خمس جامعات ومئات المدارس الثانوية والوف المدارس الابتدائية . كل هذه الكتب قليلة بالنسبة اليه .
ومن أهم الكتب التى قرأتها فى الايام الاخيرة هذه (( الفن ومذاهبه فى الشعر العربى )) - للدكتور شوقى ضيف ، وهو كتاب يؤرخ الشعر على نمط جديد ويقسمه الى فنون ثلاثة : الصنعة والتصنيع والتصنع . ويرى ان أبا تمام أعظم شاعر عربى ويعده من شعراء التصنيع ، وقد تكلم عن المتنبى والمعرى باعتبار انهما من شعراء التصنع ودلل على ضعف قيمتهما من الوجهة النفسية بالنسبة الى شاعر كأبى تمام .
وقد تكلم عن الشعر الحديث فى نقد شديد أترك بيانه الآن الى فرصة أخرى ان استطعت .
وأما باقى الكتب فهى : (( فرنسيس باكون )) للعقاد ، وهو كتاب لا يستغنى عنه أديب مثقف ، ثم كتاب (( فى الوظيفة )) وكتاب (( التصوير الفنى فى القرآن )) للأديب سيد قطب . و (( ديوان الشوق العائد )) لعلي محمود طه ، و (( الرحالة المسلمون فى القرون الوسطى )) .
ان كتاب (( الفاروق عمر )) لم يرد للآن . واذا ورد سآخذه لك فى الحال .
وبعد فلنترك علم الخيال الآن ولنلتفت الى الواقع قليلا لعلنا بذلك نطمئن انفسنا الى اننا ما زلنا عمليين لم يستبد بحياتنا الأدب وحده .. والناس الآن لا هم لهم الا متى يطلعون الى الطائف وكيف ؟ الهواء هنا من أبدع ما يكون ونحن بصورة خاصة نسينا التفكير فى الطائف ولو الى حين .
وختاما تقبلوا فائق تحياتى .
( مكة المكرمة ف ٧-٧-١٣٦٤ ه )

