الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

ذكريات من ملحمة (( الفكر ))

Share

اعترف اننى برغم التصاقى اليومى بشؤون الثقافة فى بلادى اصطدمت بعظمة الرقم الذى تأملته : ثلاثمائة عدد من مجلة الفكر تكون صدرت فى موفى الموسم المنقضى ، ثلاثون مجلدا دسما مسفرا تملأ مكتبة بأسرها تكون جاهزة للدخول فى التاريخ الثقافى الوطنى والعربى بشرف وتحد نادرين ، ثلاثون عاما كاملة تكون مرت على ملحمة الفكر عزما انسانيا عجيبا وارادة فولاذية صلبة واصرارا وطنيا جريئا ومغالبة للزمن والمردة وللرداءة ووقوفا حازما الى جانب الشخصية التونسية الاصيلة وتطلعا للافق الرحب حيث تكتب الحياة لذوى الجهاد الحق نصرا من الله جزاء وفاقا وعطاء حسابا .

ثلاثة عقود مرت ، ثلث قرن لم تهن خلالها مجلة (( الفكر )) ولم تضعف ولم نخفض صوتها ولم (( تتلاءم )) مع وضع لا ترضاه ، ولم تنسق وراء موضة عابرة وبدعة ظرفية ، ولم تحن هامتها للاحداث بل هى طوعت الاحداث وصنعتها وطالما صمدت أمام تيار معاكس جارف بل لعلها فى بعض الاعاصير التى عاشتها ازدادت سفينتها قوة وتمرس قائدها أكثر على مراوغة الرياح .. وبعضها كان عاتيا يهب علينا من (( الشرق )) أو من (( الغرب )) أو منهما معا فلا نجاة لسفينة الفكر الا بفضل قائدها البحار الصامد .. وكان - ولا يزال - يتأمل بوصلته الرشيدة الصحيحة الحكيمة وهى تهديه - رغم تكاثف الضباب وتفاقم الضلال - الى حيث شاطئ السلامة والخير والاصالة وسخاء الفكر ونور الحقيقة ..

ولقد كنا بعض ملاحيها ! كنا بعض ملاحيها ، وياله من فخر نادر وشرف عزيز ان جمعتنا بالاستاذ محمد مزالى ورفيقه الاستاذ البشير بن سلامة جملة من القيم العليا والمثل

الوطنية والتعلق بالشخصية التونسية وانتمائها المغربى والعربى والاسلامى مما جعلنا نشعر - ونحن نمخر عباب اليم فى سفينة الفكر - اننا نناضل من أجل مبادئ ترسيخ استقلال الوطن ثقافيا ولغويا وفكريا دون السقوط فى مجانية التطرف من جهة ودون مصادمة (( الانتلجنسيا )) الوطنية التى تكونت فى فرنسا وتشبعت بالثقافة الفرنسية واعتبرت تبعا لذلك وعن حسن نية ان موضوع اللغة موضوع ثانوى ازاء قضايا التنمية وان اشكالية الشخصية التونسية هى اشكالية فرعية تجاه تحديات الاقتصاد .

هذه كانت الارضية الثابتة لجهاد ( الفكر ) .

وفضل التوفيق فى بلوغ اهداف الفكر يرجع أساسا الى شخصية الاستاذ محمد مزالى . وانا عشت شاهدا ومساهما فى خضم تلك الملحمة واعرف صعوبة بلوغ الهدف باجتناب التطرف فى مواقف التعريب من جهة واجتناب التصادم مع المتمسكين بالعقلية الفرنكوفونية التغريبية من جهة ثانية . ولم يكن من اليسير على مجلة ( الفكر ) المجاهدة ان تصمد ازاء عداء المتطرفين من سلبيين ورجعيين من جهة وعداء الشيوعيين الذين كانوا ينددون بتحليلنا لمكونات الشخصية الوطنية ويدعون الى استعمال الدارجة والتخلى عن العربية تحت شعار ما كانوا يسمونه (( لغة الشعب )) وانك لواجد فى افتتاحيات مجلة الفكر المجموعة اليوم فى كتب او فى دراسات الاستاذ البشير بن سلامة او فى كتابات اعضاء اسرة الفكر ما يؤكد لك صعوبة تلك المعركة ، فقد ألهم الله صاحب الفكر وضوحا دقيقا فى الرؤية والتحليل ومعالجة هذه القضية فجنبه مزالق السهولة والمانوية والتطرف بما أسبغه على مواقفه الفكرية من اعتدال الحقيقة ووطنية المنهج ، ولا عجب ان يمضى صاحب الفكر بنفس الثقة فى رؤيته ليجعل الحديث متبوعا بالفعل ، ويجسم ما آمن به من مثل فى سلوكه السياسى ونضاله التربوى وسيرته الادبية وكفاحه الرياضى ، باعتداد فى النفس يشبه العناد لكنه عناد فيما اعتقد صاحبه انه الحق ، وفيما اعتقدنا معه ايضا انه الحق .

صحيح ان اروع درس تعلمناه نحن شباب الستينات فى 13 نهج دار الجلد هو درس استقامة المفكر وملاءمة السيرة السياسية للعقيدة الفكرية وتجنب الحكم المسبق والتحلى باحترام الرأى المخالف مع اصرار على الدفاع عن الموقف والى جانب ذلك توظيف الابداع وتوجيه الثقافة الى خدمة المثل العليا لا بفرض الزام عليها كان البعض بسميه التزاما بل بشحن الادب بالفضيلة وارجاع الثقة بالعقل التونسى الخلاق للتونسيين انفسهم حتى يعتقدوا انهم ليسوا ادنى منزلة من اهل المشرق ولا دونهم صناعة ادبية وليس لدينا بضاعة ترد الى اهلها .

لقد ولجت باب 13 نهج دار الجلد منذ واحد وعشرين سنة ربيع عام 1964 وانا اشعر بأنى محمل بعد بتلك الروح . فلقد طالعت ضمن سلسلة كتاب البعث ما قاله الاستاذ محمد مزالى عن ( الديمقراطية ) ثم تابعت مواد مجلة الفكر الى جانب تشبعى بإرادة الحياة لابى القاسم الشابى ومعاشرته لشعراء القيروان الوطنيين الخلص .. فاذا بى اكتشف ان مزالى اقدر اساتذتنا على التجاوب العميق مع طموحات الشباب وتوقه وجموحه وجرأته وتطلعه للتغيير .

فهو القائل مثلا :

(( ان رجل القلم يعتريه احيانا ما يعترى رجل السياسة او الاقتصاد او العلم من شك فى جدوى عمله وتأثير نضاله واشعاع انتاجه وقد يميل الى مسايرة العدد او يتواطأ مع الواقع الموروث او المفروض . ولكنه اذا كان اصيلا ومحترما لنفسه . يتقاوى على جاذبية الارض ويرنو الى الاعلى ويتوق الى الافضل والا بقى ان المثقف الحق يعيش من اجل المبدأ ويصمد لاعلاء ما يراه حقا وخيرا ويستمد طول النفس من الامل الذي يغمر وجدانه والايمان الذى يملأ حياته ان لكل مثقف ما سعى ..)) .

ان هذه الفقرة من فكر رجل الفكر لكفيلة برسم الارضية الفلسفية لكل المعارك التى خاضتها المجلة ضمن ملحمة عسيرة تجتمع فيها البطولة بوضوح الافق والجسارة بتحديد الغايات والمغامرة بالتفاؤل . ولئن فاتتنى شخصيا معارك العشرية الاولى من ملحمة الفكر ، فقد عايشت وعاشرت معاركها خلال العشرين سنة . ولكم اسفت على ان عمرى لم يسعفنى بالاشتراك فى اولى معارك الملحمة اى من 55 الى 65 حينما كانت الفكر قلعة حصينة تجمع المرابطين بالقلم من اجل استقلال تونس الكامل وفرض السيادة الثونسية ثم تجسيم ارادة الشعب باقامة النظام الجمهورى والتحلى بالجرأة البورقيبية فى تحرير المرأة التونسية ثم المساهمة فى المعارك السياسية والثقافية لنيل استقلال الجزائر مع الصمود الدؤوب فى احياء روح طنجة للمغرب العربى وتولى الريادة الفكرية بعد ذلك فى معارك بنزرت والصحراء ثم الدفاع عن الوحدة القومية من محاولات تكسيرها او صهرها بالفتن والتصدعات واخيرا تحرير تونس نهائيا من الاستعمار .. ثم من الاستعمار الزراعى ، واقرار اركان مناعتها السياسية واللغوية وترسيخ شخصيتها التاريخية والوطنية ودعم لغتها العربية الاصيلة والايمان بان لها رسالة خالدة وتأكيد انتمائها الى رقعتها الحضارية العربية الاسلامية .

تلك بعض حلقات الملحمة التى فاتت جيلى ان يسهم فيها ، ولم يمنعه حرمانه من دراستها وتحليلها والارتواء من ينابيعها . تعلقا من شباب الستينات بالقيم الثورية التى حركت جيل محمد مزالى والبشير بن سلامة وايمانا بنفس المثل واعتقادا منا ان الملحمة ما تزال متصلة الحلقات وان المتربصين باستقلال تونس ما يزالون أقوياء مهما تغير شكل الاستعمار ومهما تزين لنا بلبوس التعاون الفنى وحوار الثقافات وعالمية الثقافة .

ولقد كتب الاستاذ محمد مزالى بشجاعة الفكر المقدام قائلا فى اواخر الستينات : (( لا بد من يوم يوفق فيه رعاة التراث وحماة الضاد والغيورون على الاوطان الى استئصال شعرة الاستعمار الثقافى والتمهيد الى التفتح الحق والحوار المجدى بين الثقافات .. )) .

ان مثل هذه التعريفات لعقيدة الفكر هى التى هزتنا واثارت فينا ما سماه الاستاذ محمد مزالى فى غرة اكتوبر 1970 : (( الحماس للثأر ممن دفنوا امجادنا التاريخية ، فانبرينا نكتب فى الفكر وعلى أعمدة ( العمل ) و ( الصباح ) مقالات دحض مخططات التشويه والاستلاب والمناداة بالتعريب والتونسة والتأصيل ، وكان لى شخصيا شرف المشاركة فى فصول من ملحمة الفكر تندرج كلها فى اطار عقيدتنا الثابتة ، وهذه الفصول من الملحمة هى فى الحقيقة معارك ضارية تسلحنا فيها بايمان قوى لا يأتيه الشك وصبرنا فيها على المكاره والاسفزازات العديدة التى ربما أثرناها فى مجال قادم وقاومنا خلالها مرابطين ضد اجهزة اعلام عالمية عاتية تهب ضدنا ومنها جريدة لوموند مسموعة الكلمة لدى النخبة الوطنية آنذاك وصاحبة (( القول الفصل )) فى قضايانا الثقافية حسب مفهوم بعض (( المثقفين )) . أول فصول الملحمة كان الاقدام على اقامة اسبوع التعريب ، وقد كان الاستاذ محمد مزالى متفرغا لشؤون الفكر لا تشغله من المسؤوليات الا عضوية مجلس الامة ، وهو الذى تحمل قبل ذلك الوزارات الجسام وتحلى بالكفاءة والاقتدار الى جانب الانضباط السياسى والتعلق بالمبادئ البورقيبية ، واذكر ان معركة التعريب تميزت بذلك الاجتماع المشهو فى دهليز دار الثقافة ابن رشيق والذى نظمه الاستاذ البشير بن سلامه واشرف عليه الاستاذ محمد مزالى . فاذا بما سميناه منبرا حرا حول التعريب يتحول الى  تظاهرة حضارية فكرية توافد عليها أهل الثقافة والادب والتربيه والاعلام من كل حدب وصوب وجاءت مجموعات من طلبة الجامعة بين مؤيدة ومعارضة ولا اذكر شخصيا انى رأيت مثل ذلك الجمع من الحاضرين فى اية مناسبه ثقافية فى العشرين سنة الماضية . فاكتظ الدهليز وضاقت الدار بأسرها ونصبنا

مضخمات الصوت فى شارع باريس لتتوقف حركة المرور وسمعنا الاستاذ محمد مزالى يجمع بين الحماسة المشروعة والشجاعة السمحاء واستعمال قوة الحجة والاقناع بأحداث التاريخ قريبه وبعيده . ودار النقاش بعد ذلك حامى الوطيس وسمعنا من تسلح بالسباب والشتائم من يمين متحجر الى يسار متخلف ضد دعوة ( الفكر ) الى تأصيل التربية ومقاومة الاستعمار الثقافى واحلال العربية منزلتها . واذكر ان الندوة التى كانت تلك جلستها الاولى والاخيرة احدثت الرجة المنتظرة فى المجال الثقافى وحتى السياسى التونسى مما عجل بعد ذلك بردود فعل من يحنون الى الاستعمار الثقافى ممن سميناهم بالمصابين بعقدة احتقار انفسهم .

وجاءت المعركة الثانية : مقاومة الحملة الاستعمارية (( التعاونية )) الشرسة بعد صدور مقال بجريدة لوموند يشوه صورة تونس الحضارية ويقدمها من خلال اقلام واهية تلثغ بالفرنكوفونية على انها ثمرة (( التعاون الثقافى )) وعلى ان شعبها هو الحمل الوديع فى زريبة المحيط الفرنكونوفى فكتب الاستاذ مزالى فى نوفمبر 1970 قائلا :

(( التعريب مقوم من مقومات التونسة كالدين الاسلامى الحنيف فهو ضرورة حتمية ما دامت لغة البلاد التونسية هى العربية ولابد من مجهود شجاع لتعريب المواد الاساسية .. ))

كما كتب فى غرة فيفرى 1971 فى مقال بعنوان ( الالتباس الكبير او ما أبعد ما بين الكأس ! ) قائلا :

(( ونقول بكل هدوء للذين يرومون الاستعاضة عن الامبراطورية الاستعمارية المفقودة بامبراطورية ثقافية والى (( الرفاق )) الذين يطمعون فى تجريب نظرياتهم الماركسية أو المركوزية أو الفوضوية بأوطاننا فيمارسون نوعا من الارهاب العقائدى تجاوزته الاحداث انه يجب ان نرفع هذا الالتباس الكبير الذى علق بمعنى التعاون الثقافى لان طبيعة الاشياء وارادة هذا الشعب ماضيا وحاضرا جعلتا من هذه البلاد أمة عربية اسلامية ذات شخصية مميزة منيعة ابد الدهر )) .

ويمكن للدارس اليوم ان يزن مدى الجسارة التى تحلى بها رحال (( الفكر )) انذاك حينما يعلم ان النخبة الوطنية لم تكن مهيأة لاعطاء هذا الموضوع ما يستحق من أهمية . بل ان الخطاب السائد فى مطلع السبعينات هو ان قضية التعريب

قضية مغلوطة وان المهم اشاعة العلوم والتكنلوجيا وان الثقافة العالمية فى شعورهم الباطن هى الثقافة الفرنسية المهيمنة .

ويمكن التأكيد ان الاستاذ محمد مزالى عندما يولى هذه القضية الاساسية ما تستحقه من عناية وتعريف انما لايمانه انها تمثل المنعرج الحضارى للفكر الوطنى حتى يتحمل اعباء رسالته وينهض بتونس متى عادت للمثقف التونسى ثقته بذاته وقدراته ولغته وتراثه وامجاده فيعود يلقى على الثقافات الاخرى نظرة الند للند . نظرة خالية من عقد الاستنقاص والانحناء . ولو لم يحصل للفكر غير شرف اذكاء الجذوة الوطنية لكفى ذلك اهل الفكر فخرا .

.فالفكر كانت المدرسة النضالية للثقافة الوطنية الحق . بل يمكن ان نعدها البعد الثقافى الضرورى الحى للحركة الوطنية ولدت فى غمرة الاستقلال السياسى لترسخه وتدعم اركانه ولتبشر بالاستقلال الاصعب والاعسر : استقلال الفكر التونسى من رواسب الاستعمار الثقافى والتنصيرى واللغوى وبعث جيل من الوطنيين الخاص المجاهدين بالقلم المهتدين بنور الحق ضد جحافل الباطل .

ولقد عشنا معركة بيان المثقفين ضد ما صدر بجريدة لوموند عدد الاحد والأثنين 11 و 12 افريل 1971 ، فى كنف نفس تلك المبادىء التى نعتنقها ، فكنت ممن طاف بالبيان اعرضه على امضاء اخواننا المثقفين الذين هبوا موقعين عندما تأكدوا ان الاستاذ محمد مزالى امضاه ، وامتنع البعض ممن كان يتحمل مسؤوليات متوسطة خوف اثارة (( من له النظر )) . وأعترف اننى الى اليوم وبعد خمسة عشر سنة لم انس جسارة بعض الممضين على البيان فى حين لم اكن اتوقع امضاءهم كما لم انس امتناع البعض عن الامضاء فى حين كنت اعتقد ان امضاءهم مضمون وانهم عندما تهدد شخصية البلاد الفكرية لا يترددون عن الصدع بكلمة الحق . وعرفنى البيان بمن اخلص للثقافة الوطنية وهن كان يتعامل مع مواقفه بحسبان والجدير بالذكر ان افتتاحية ماى 1971 بعنوان ( الى من يظلم الأدب التونسى ) تعد وثيقة هامة فى سجل هذا الملف الدسم .

ولعل المجال يضيق باستعراض فضل آخر من الملحمة عشتها بحماس وهو فصل تأسيس اتحاد الكتاب التونسيين اذ كنت من بين من طالب منذ 1966 بالملحق الثقافى لجريدة ( العمل ) بتأسيس اتحاد للكتاب وكنت اعلم ان بعض اساتذتنا مترددون ازاء بعث هذه المنظمة لما يمكن ان يوحى به هذا الاتحاد من

املاء وتوجيه ورقابة وتدخل ، لكن كنت معتقدا ان هذه المنظمة ستتسامى عن  السلبيات لترفع من منزلة الكتاب وتجمع جهودهم وتحلهم المحل الارفع ..

وأذكر ان زملائى الكتاب شرفونى بتحميلى مسؤولية عضوية أول هيئة مديرة لاتحاد الكتاب وكانت جلساتنا الاسبوعية بمقر الاتحاد الذى هو مقر الفكر مناسبات للالتفاف حول رئيسه والاستماع الى تحاليله الجامعة بين الهدوء والحماس ولا أذكر انه فى أية لحظة من العامين والنصف استبد برأى او فرض منهجا او رفض فكرة وقد كان لتلك الهيئة شرف تنظيم المؤتمر الثامن للادباء العرب بتونس فى مارس 1973 ولنا مع هذا المؤتمر قصص وطرائف وذكريات سوف نرويها فى غير هذا المجال .

تلك بعض الخواطر والهواجس الحبيبة الى القلب ، عسر على قلمى اختزالها او استحضار أهمها نظرا لتزاحمها على الذاكرة المتعبة وشق على النفس كتمانها او انتقاء ما ينفع هذا الجيل منها لانها ارتبطت بالشباب المتوهج ، والشباب اسعد مراحل الحياة واسخاها واعنفها واشدها تعلقا بالمطلق .

فهيهات ان استحضر تلك الروح الجياشة فى عمق عواطفها وجلال عواصفها ، وهيهات لهذا القلم الذى هجره الادب من سنين طويلة ان يحيط بالذاكرة الهاربة وحسبه اليوم ان يمسك بجزء يسير من تلك الملحمة وهو متأثر للسنوات الثلاثين التى نحتفل بمرورها على ميلاد مجلة الفكر ، حيث كتب لى ان اعيش عشرين منها بفضل ما حبانى به الاستاذ محمد مزالى من معانى الرعاية والعناية بتواضع جم لا انساه كان له الاثر على توجيهى لمناهج الاصالة والاعتزاز بالذات وكذلك بفضل رحابة صدر الاستاذ البشير بن سلامة الذى كان اول من شجعنى ونشر لى فى ( الفكر ) منذ اثنتين وعشرين سنة ولم اجد فيه الا الاخ الاكبر والمعلم المتعاطف .

فاليهما والى كل من ساهم فى ملحمة الفكر عرفان من الاعماق .

اشترك في نشرتنا البريدية