من ذكريات الرياض لسنة ١٣٥٦ ه :
١٢-٥-١٣٥٦ ه : زارنا الاستاذ السيد عبد السلام غالي بعد عودته من الاحساء مع سعادة " المرحوم " فؤاد حمزة . . وذكر لنا ما جرى عليهم فى الاحساء اى فى تنقلاتهم من بلدة الى اخرى من نفاد الماء فاضطروا الى شرب ماء كدر فيه طين وزيت وارسلوا من جاء لهم من ماء البحر فشربوه .
وذكر ان مركز شركة البترول وهو المكان المشهور باسم جبل الظهران وكانت بقعة صحراويه بها تلال صخرية غدت الآن بعد قيام الشركة فيها كأحسن مدينة عصرية . . وطرقاتها معبدة وجميع مرافق منازلها تدار بالكهرباء . . والآلات الميكانيكية التى تستخدمها الشركة فى اعمالها الفنية آلات ضخمة .. ووسائل الترفيه للموظفين متوفرة ومتنوعة ولا يشعر المرء فى بيوت كبار الموظفين بحرارة الجو او برودته .
الرياض او لندن : زرت الاستاذ " المرحوم " محمود جسور المترجم فى الديوان الملكى بمناسبة عودته من لندن وكان من ضمن اسئلتي التى وجهتها اليه من باب الدعابة السؤال التالي : ( ايهما احسن لندن أم الرياض ؟ ) ففكر مليا وقال: لأن سؤالك لم يخصص ناحية ما فمن المستطاع ان اقول لك ان الرياض خير من لندن لانه محل عملى ومعيشتى واقامتى . .
والإجابة وان كانت عادية الا انها دلت على بعد نظر الاستاذ ( المرحوم ) ورجاحة رأيه .. وتذكرت عندئذ ما كنت اسمعه احيانا من
بعض الموظفين الكبار من التذمر للعمل هناك . .
الخروج الى القنص : ابلغنا يوم ٤-٨-١٣٥٦ الاستاذ فؤاد حمزة ان نستعد بادوات المدرسة وكتبها للخروج مع جلالة الملك عبد العزيز ( رحمه الله ) الى رماح بعد العصر والاقامة لا تقل عن عشرة ايام وستستأنف الدراسة هناك فى الخيام . . فأعددنا العدة ولم تأت الساعة الحادية عشرة من ذلك اليوم الا وكنا قد غادرنا الرياض فى سيارة ( بكس ) جديدة الى ناحية رماح بيد ان السواق كان غرا ( غشيما ) لا يعرف الطريق . . ولم يشأ أن يتقدم بل قال : ( من الأولى ان نرجع الى الرياض لناخذ معنا دليلا لاني اجهل هذه الطرق . . ) وقد وافقناه على هذا الرأى ورجعنا إلى الرياض ورآنا ( جلالة الملك سعود . . وكان يومئذ وليا للعهد ) ونحن عند باب الرياض فاوقف سيارته وسأل فضيلة الشيخ عبد الله خياط عن سبب عودتنا فاخبر الشيخ جلالته بالواقع فضحك وأمر احد اتباعه باحضار دليل لنا ليرافقنا إلى رماح . . فشكره الشيخ على هذا اللطف والعطف . . وانتظرنا فى محلنا حتى جاء الاخ الدليل وركب معنا وتوجهنا الى رماح متوكلين على الله وانطلقت السيارة إلى البر تعلو وتهبط
تاركة وراءها عاصفة من الغبار الابيض.
السير السريع وظلام الليل اوقع الدليل فى اشتباه من الارض والطريق فأخذ يتخبط في سيره خبط عشواء . . واخذت اشاراته للسواق تصدر عن غير يقين ومعرفة واخيرا ادرك خطأه . . فأوقف السائق ونزل عن السيارة ينظر فى النجوم والارض والمرتفعات ولكن دون جدوى.
وكان التعب قد اخذ منا قسطه الاوفر من سرعة السير وكثرة " المطبات " و " التغاريز " و دف ، السيارة اكثر من عشر مرات فاملى علينا الواقع الاستسلام للنوم وتاجيل البحث عن الطريق الى الغد عندما تشرق الشمس فوافق الاخ الدليل والسواق ونمنا فى موقفنا تحت ضوء النجوم وفوق الرمل ..
وفى اليوم الثاني استأنفنا السير على نور وهى وادركنا ان سيرنا فى الليل كان خطأ وعلى غير هدى ولو بقينا سائرين لزدنا تيها وضلالا فى تلك المفازات .
طلعة بويب : كنا نسمع عن طلعة ( بويب ) وعن وعورتها وانها تكاد تكون طلعة رأسية ثم تنعطف يمنة وها نحن الآن امامها وهي كما وصفت لنا . . وآثر السواق ان يصعد بالسيارة وحده وان نسير بعده على اقدامنا ووقف لنا عند قمة الطلعة . . واستغرق صعودنا عدة دقائق . . ثم ركبنا وانحدرنا إلى سهول واسعة تجرى فيها السيارة بسرعة ( ١٠٠ ) كيلو فى الساعة . . حتى وصلنا الساعة الثانية والنصف صباحا الى المخيم الملكى . . والمخيم انتشرت فيه مئات الخيام . .
مهندس سيارات الحكومة : وقبل وصولنا إلى المخيم الملكى قابلنا مهندس سيارات الخاصة الملكية الاخ الطيب المكي السودانى وقد ارسله جلالة الملك - رحمه الله - الينا عند ما استبطأنا . ارسله مزودا بالطعام والماء والآلات الرافعة . . وعند ما تقابلنا اخبرنا الاخ الطيب انه قادم لاسعافنا واخذنا معه فى سيارته الى المخيم الملكى.
السلام على جلالته : ارتحنا قليلا عند مدير حركة الخيام ( عمر برنجي ) ثم دخلنا على جلالته للسلام عليه وبعد الجلوس سألنا جلالته عن سبب التأخر لانه كان يدرى بخروجنا من الرياض . . وقبل ان نستأذن جلالته للخروج من عنده قال جلالته للشيخ عبد الله خياط اسمعنا شيئا من القرآن ان لم تكن متعبا فقرأ الشيخ آيات من القرآن . . ثم امر احد رجال حاشيته وهو المسئول عن تموين المخيم بالماء والزاد وان يتولى ذلك بالنسبة لنا . .
وسألنا جلالته - أين تريدون خيامكم ؟ فقال له ( المرحوم ) فؤاد حمزة نريد يا طويل العمر ان تكون خيامهم حول خيامنا . . فقال جلالته : لا بأس . . وأمر رئيس الخيام بتنفيذ رغبة الاستاذ فؤاد حمزة . . ولم نخرج من سرادق جلالته الا وكانت خيامنا وشراعنا قد نصب وفرشت . . فانتقلنا اليها . . واخذ كل منا قسطه من الراحة . .
رسول من جلالة الملك : جاءنا قبيل الظهر رسول من الملك وقال: ( الشيوخ يسلمون عليكم ويقولون ان الامير محمد بن عبد الرحمن دعاه لتناول العشاء
بعد العصر فهل تريدون ان تكونوا معه فى الدعوة ؟ ).
فقلنا له : نعم سنتشرف ونكون معه ان شاء الله . .
إلى المأدبة : بعد صلاة العصر جاء رسول جلالة الملك عبد العزيز - رحمه الله - مرة اخرى وقال : ) هيا إلى العزيمة ( . . فركبنا السيارة وذهبنا الى سرادق الامير محمد بن عبد الرحمن - رحمه الله - وكان جلالة الملك فى صدر المكان . . ولما رآنا جلالته دعانا واجلسنا عن يمينه وكان بالسرادق امراء من آل سعود وآل رشيد ورجال الشعبة السياسية وفي مقدمتهم الاستاذ فؤاد حمزة والاستاذ فخرى شيخ الارض والشريف شرف رضا والدكتور احمد ياسين.
وكان جلالته يتكلم مع فؤاد حمزة في شؤون الدول الاوروبية ودول البحر الابيض وكأن خريطة قارة اوروبا وحوض البحر الابيض امام جلالته فيذكر علاقة كل دولة مع غيرها ووضع رومانيا بالنسبة الى المانيا . . واذا اشتبه على جلالته عدد سكان دولة
من الدول سأل الاستاذ فؤاد حمزة من غير اى تردد . .
ثم تكلم جلالته فى الحالة التى عليها بلاد العرب والدول الاسلامية وتهاونها فى المسائل الدينية وتأخرها فى ذلك وانتشار السفور بين النساء وتقديم المرأة على الرجل . .
وأورد بهذه المناسبة الاحاديث الواردة في باب الفتن وعن اشراط الساعة .
ثم تكلم جلالته في الحالة التي عليها الاطباق العالية قد مدت فوق الارض الى مسافات بعيدة فجلس جلالته على احد هذه الاطباق وجلس الباقون عن يمينه ويساره .
وبعد تناول الطعام عاد جلالته الى سرادق اخيه الامير محمد بن عبد الرحمن وارسل الينا احد رجال الخاصة لنجلس معه . . ثم بعد تناول الشاى والقهوة قال جلالته للشيخ عبد الله خياط ان يقرأ عليه القرآن وان يطيل قليلا . . فقرأ سورة القيامة .
وبعد القراءة قام جلالته وعاد الى مخيمه وعدنا الى خيامنا . .
